
في لحظةٍ بدا فيها الشرق اللبناني غارقًا في هدوء ثقيل يشبه ما قبل العواصف، دوّت أصوات الانفجارات فوق القرى الممتدة في سهل البقاع، لتعلن بداية يومٍ مختلف تمامًا عمّا اعتاده السكان خلال الأشهر الماضية. دقائق قليلة كانت كافية ليتحوّل المشهد من صباحٍ شتوي عادي إلى حالة طوارئ مفتوحة، مع تصاعد أعمدة الدخان واندفاع سيارات الإسعاف نحو مواقع الاستهداف في محيط بعلبك.
المعلومات الأولية التي نقلتها رويترز عن مصادر أمنية أشارت إلى سقوط ما لا يقل عن عشرة قتلى ونحو خمسين جريحًا، بينهم مسؤول في حزب الله، في واحدة من أعنف الغارات التي يشهدها شرق لبنان مؤخرًا. الضربات، وفق الرواية الإسرائيلية، استهدفت مراكز قيادة وبنىً عسكرية، في حين رأى متابعون أن توقيتها يحمل دلالات تتجاوز البعد الميداني، ليصل إلى اختبار التوازن القائم منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه بوساطة الولايات المتحدة عام 2024.
ذلك الاتفاق الذي خفّف حدة المواجهات عبر الحدود لم يتحول يومًا إلى استقرار فعلي، بل ظلّ أشبه بهدنة قابلة للاهتزاز مع كل حادث أمني. ومع الضربات الأخيرة، عاد الحديث بقوة عن مستقبل هذا التفاهم، خاصة في ظل تبادل الاتهامات المستمر بخرقه، وتصاعد الضغوط السياسية والعسكرية في المنطقة.
ولم يقتصر التوتر على البقاع، إذ أعلن الجيش الإسرائيلي استهداف موقع داخل مخيم عين الحلوة، قال إنه يُستخدم من قبل عناصر تابعة لحركة حماس، بينما نفت الحركة الرواية مؤكدة أن الموقع جهة أمنية مسؤولة عن حفظ النظام داخل المخيم. هذا التباين في السرديات زاد من ضبابية المشهد، ووسّع دائرة القلق من احتمال اتساع رقعة التصعيد.
لبنان، الذي يرزح أصلًا تحت أزمات اقتصادية وسياسية عميقة، يجد نفسه مرة أخرى في قلب معادلة إقليمية أكبر من حدوده، حيث تتقاطع الرسائل العسكرية مع الحسابات السياسية، ويصبح أي تصعيد لو كان محدودًا—عاملًا إضافيًا يهدد هشاشة الداخل. وبينما يحاول السكان استعادة إيقاع حياتهم بعد الغارات، يبقى الشعور السائد أن الهدوء لم يعد مؤشرًا على الاستقرار، بل مجرد فاصلة قصيرة بين جولات متتالية من التوتر.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *