
في تصعيد قد يعيد رسم ملامح الشرق الأوسط ويضع العالم أمام أخطر مواجهة عسكرية منذ سنوات، تتسارع الأحداث في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، مع توسع رقعة التوتر وارتفاع المخاوف من تحول الصراع إلى أزمة دولية تهدد أمن الطاقة العالمي.
وفي أحدث تطور، دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدداً من القوى العالمية إلى إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز لضمان بقاء أحد أهم الممرات البحرية في العالم مفتوحاً أمام حركة الملاحة، في خطوة تعكس حجم القلق الدولي من احتمال تعطّل إمدادات النفط العالمية.
وجاءت هذه الدعوة في وقت تشهد فيه المنطقة سلسلة ضربات عسكرية متبادلة وتهديدات متصاعدة، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى اندلاع مواجهة أوسع تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
دعوة أمريكية لحماية مضيق هرمز
وفي منشور على منصة “تروث سوشيال”، قال ترامب إن “العديد من الدول” ستشارك في حماية الملاحة البحرية في مضيق هرمز، دون أن يكشف تفاصيل إضافية حول طبيعة هذه المشاركة أو توقيتها.
لكنه أشار إلى أنه يأمل أن ترسل عدة دول كبرى سفناً إلى المنطقة، من بينها المملكة المتحدة والصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية، في خطوة قد تمهد لتشكيل قوة بحرية دولية لضمان استمرار تدفق التجارة عبر الممر البحري الحيوي.

ويُعد مضيق هرمز أحد أكثر الممرات الاستراتيجية أهمية في العالم، إذ يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، ما يجعل أي اضطراب فيه قادراً على إحداث صدمة كبيرة في الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
وتأتي هذه الدعوة الأمريكية في ظل تحذيرات متكررة وجهتها واشنطن إلى طهران من مغبة عرقلة الملاحة البحرية في المضيق، حيث أكد ترامب في تصريحات سابقة أنه قد يعيد النظر في قراره بعدم استهداف البنية التحتية النفطية الإيرانية إذا استمرت إيران في تهديد حركة السفن في المنطقة.
ضربات أمريكية واسعة على جزيرة خارك
في موازاة ذلك، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) أن القوات الأمريكية نفذت ضربة دقيقة واسعة النطاق استهدفت جزيرة خارك الإيرانية، التي تُعد المركز الرئيسي لتصدير النفط الإيراني.
ووفقاً للبيان العسكري، فقد أصابت الضربات 90 هدفاً عسكرياً إيرانياً، شملت منشآت تخزين الألغام البحرية ومخابئ الصواريخ وعدداً من المواقع العسكرية الأخرى.
وأكدت القيادة المركزية أن العملية ركزت على الأهداف العسكرية فقط، مشيرة إلى أن القوات الأمريكية تعمدت عدم استهداف البنية التحتية النفطية في الجزيرة رغم أهميتها الاقتصادية الكبيرة.
وتُعد جزيرة خارك محطة رئيسية لصادرات النفط الإيرانية، إذ تمر عبرها نحو 90% من شحنات النفط الإيراني المتجهة إلى الأسواق العالمية.
إيران: النفط مستمر والرد قادم
من جانبها، أكدت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية أن صادرات النفط من جزيرة خارك لم تتأثر بالضربات الأمريكية، مشيرة إلى أن العمليات في المنشآت النفطية مستمرة “كالمعتاد”.
لكن في الوقت نفسه، تصاعدت نبرة التهديدات من طهران، حيث حذر الحرس الثوري الإيراني من أن المواقع والقواعد العسكرية الأمريكية في الإمارات العربية المتحدة تُعد “أهدافاً مشروعة”.
كما دعا مسؤولون إيرانيون السكان إلى الابتعاد عن المناطق القريبة من الموانئ والمنشآت العسكرية التي تضم قوات أمريكية، مؤكدين أن إيران تحتفظ بحقها في الرد على الهجمات التي تستهدف أراضيها.
توتر أمني في الإمارات
وفي تطور يزيد المخاوف من توسع دائرة المواجهة، أفادت تقارير بتعليق بعض عمليات تحميل النفط في ميناء الفجيرة بالإمارات بعد اندلاع حريق كبير.
وذكرت مصادر في قطاع الطاقة أن الحريق اندلع بعد سقوط حطام طائرة مسيّرة تم اعتراضها في المنطقة، ما أدى إلى اشتعال النيران في جزء من المنشأة النفطية.

الصورة: أسوشيتد برس.
ويُعد ميناء الفجيرة واحداً من أهم مراكز تخزين وتجارة النفط في الشرق الأوسط، ما يجعل أي اضطراب في عملياته مصدر قلق كبير لأسواق الطاقة العالمية.
كما أشارت تقارير إلى تراجع الحركة البحرية بشكل ملحوظ في بعض موانئ الخليج، مع اصطفاف عدد كبير من ناقلات النفط بانتظار عبور مضيق هرمز وسط مخاطر أمنية متزايدة.
الخليج يدفع ثمن حرب لم يبدأها
وبينما تتصاعد المواجهة العسكرية، بدأت دول الخليج تشعر بثقل تداعيات الحرب رغم أنها لم تكن طرفاً مباشراً في بدايتها.
فقد تراجعت حركة الطيران بشكل حاد في عدد من مطارات المنطقة، كما تكبدت شركات الطيران خسائر بمليارات الدولارات نتيجة القيود الجوية المتزايدة.
كما شهدت بعض الأنشطة البحرية والسياحية تراجعاً ملحوظاً، في وقت تزايدت فيه المخاوف من تأثير استمرار التوتر على سمعة المنطقة كمركز عالمي للاستثمار والسياحة.
ويقول عاملون في قطاع الملاحة إن العديد من السفن التجارية باتت تتردد في عبور مضيق هرمز في ظل المخاطر الأمنية المتصاعدة.
جبهة لبنان تشتعل أيضاً
وفي موازاة التصعيد مع إيران، تتواصل المواجهات بين إسرائيل وحزب الله على الجبهة اللبنانية.
فقد أعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذ موجات جديدة من الغارات الجوية على مواقع تابعة لحزب الله في بيروت وجنوب لبنان، بينما أفادت السلطات الصحية اللبنانية بمقتل مئات الأشخاص ونزوح أعداد كبيرة من السكان من منازلهم.
وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إن الوضع الإنساني في لبنان يزداد تدهوراً، محذراً من خطر وقوع دمار واسع النطاق إذا استمر التصعيد العسكري.
وأشار إلى أن مئات الآلاف من المدنيين اضطروا إلى الفرار من منازلهم، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع نطاق الحرب إلى جبهات جديدة في المنطقة.
حرب بلا نهاية واضحة
ويرى مراقبون أن المواجهة الحالية قد تتحول إلى أكبر تدخل عسكري في الشرق الأوسط منذ حرب العراق عام 2003، خصوصاً في ظل غياب رؤية واضحة لما قد يحدث بعد انتهاء العمليات العسكرية.
كما تشير تقديرات أولية إلى أن الأيام الأولى من الحرب وحدها كلفت الولايات المتحدة أكثر من 11 مليار دولار، في حين لا تزال التداعيات الاقتصادية العالمية المحتملة غير واضحة.
وتبقى المخاوف الأكبر مرتبطة بمصير مضيق هرمز، الذي يشكل شرياناً أساسياً لتدفق النفط إلى الأسواق العالمية.
ومع استمرار الضربات العسكرية والتهديدات المتبادلة، يجد العالم نفسه أمام سؤال يزداد إلحاحاً مع كل ساعة تمر: هل ما يجري مجرد مواجهة عسكرية محدودة… أم بداية صراع إقليمي واسع قد يغير موازين الشرق الأوسط لسنوات طويلة؟




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *