
مع انبلاج فجر يوم جديد في بيروت، لم يكن الهدوء خيارًا متاحًا. أصوات الانفجارات التي شقت سماء العاصمة اللبنانية طوال الليل، رسمت ملامح مرحلة أكثر خطورة في الصراع الدائر، حيث تتقاطع الغارات الجوية مع تهديدات بتوسيع العمليات جنوبًا، في مشهد يعكس تصعيدًا متسارعًا بين إسرائيل وحزب الله.
فقد كثفت إسرائيل غاراتها الجوية على بيروت، مستهدفة عدة مواقع في أحياء متفرقة، ما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 12 شخصًا وإصابة العشرات، وفق وزارة الصحة اللبنانية، في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية للأسبوع الثالث على التوالي، بحسب رويترز.
وتركز القصف على مناطق قريبة من وسط المدينة، بينها الباشورة وزقاق البلاط والبسطة، حيث دُمرت مبانٍ سكنية، من بينها مبنى مؤلف من عشرة طوابق انهار بالكامل بعد استهدافه بغارة جوية في ساعات الفجر الأولى.
وبحسب روايات شهود وسكان محليين، جاءت بعض الضربات بعد تحذيرات إسرائيلية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، دعت السكان إلى إخلاء مبانٍ محددة، بينما وقعت غارات أخرى دون إنذار مسبق، ما زاد من حالة الذعر بين المدنيين.
في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي أن هذه الضربات تأتي ضمن عمليات تستهدف ما وصفه بالبنية التحتية التابعة لحزب الله، بما في ذلك مواقع مرتبطة بمؤسسة “القرض الحسن” المالية، إضافة إلى استهداف عناصر للمجموعة عبر عمليات بحرية داخل بيروت.
ويأتي هذا التصعيد بعد هجوم صاروخي واسع النطاق أعلن حزب الله تنفيذه، قال إنه شمل وابلًا من الصواريخ والطائرات المسيرة، في واحدة من أكبر الهجمات منذ اندلاع المواجهة، فيما ذكرت مصادر أمنية أن الدفعة الأولى تضمنت نحو 100 صاروخ.
وفي جنوب لبنان، تتجه الأنظار إلى تصعيد موازٍ، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي عزمه استهداف معابر على نهر الليطاني، بهدف منع نقل المقاتلين والأسلحة، مكررًا دعواته للسكان بإخلاء مناطق جنوبية، في خطوة تعزز المخاوف من توسيع نطاق العمليات البرية.
بالتوازي مع ذلك، كشف تطور لافت عن إقرار الجيش الإسرائيلي بإصابة موقع تابع لقوات حفظ السلام الدولية (اليونيفيل) في جنوب لبنان في السادس من مارس، ما أدى إلى إصابة جنود من غانا.
وأوضح الجيش أن الحادثة وقعت نتيجة “خطأ” خلال الرد على إطلاق صواريخ مضادة للدبابات من حزب الله، مشيرًا إلى أن قواته اعتقدت أن مصدر النيران هو موقع اليونيفيل. كما أعلن تقديم اعتذار رسمي للأمم المتحدة وغانا، وتعهد باتخاذ إجراءات لمنع تكرار مثل هذه الحوادث.
لكن مصادر عسكرية غربية أفادت بأن التحقيقات الأولية تشير إلى أن القصف كان مباشرًا باستخدام قذائف دبابة من طراز متطور، ما يثير تساؤلات بشأن دقة الاستهداف في منطقة مكتظة بقوات دولية ومدنيين.
وتتمركز قوات اليونيفيل في جنوب لبنان لمراقبة وقف الأعمال القتالية على طول “الخط الأزرق”، في منطقة تشهد منذ أشهر اشتباكات متقطعة بين إسرائيل وحزب الله، لكنها باتت الآن أكثر عرضة للمخاطر مع تصاعد العمليات العسكرية.
ويحذر مراقبون من أن هذا التداخل بين العمليات الجوية في بيروت والتصعيد الميداني في الجنوب، إضافة إلى إصابة مواقع دولية، قد يشير إلى تحول نوعي في طبيعة المواجهة، من اشتباكات محدودة إلى صراع أوسع متعدد الجبهات.
ومع استمرار تبادل الضربات، وارتفاع أعداد الضحايا، ونزوح مئات الآلاف، تبدو بيروت مرة أخرى أمام اختبار قاسٍ، بينما يبقى السؤال مفتوحًا: هل ما يجري هو تصعيد مؤقت، أم بداية مرحلة جديدة من حرب قد تعيد رسم خريطة الصراع في المنطقة؟




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *