
في خضم التوترات المتصاعدة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، بدأت إيران تحركات جديدة تهدف إلى إعادة ترتيب قواعد الملاحة في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، حيث كشفت عن عملها على إعداد بروتوكول مشترك مع سلطنة عُمان لتنظيم حركة السفن في مضيق هرمز بعد انتهاء الحرب.
ويأتي هذا التحرك في وقت لا تزال فيه تداعيات الصراع تلقي بظلالها الثقيلة على حركة التجارة العالمية، بعد أن شهد المضيق اضطرابات غير مسبوقة أدت إلى تعطيل جزء كبير من تدفقات الطاقة، ما أثار قلقًا دوليًا واسعًا بشأن أمن الإمدادات النفطية.
وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية “إرنا”، أكد نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية، كاظم غريب آبادي، أن بلاده تسعى إلى التوصل إلى اتفاق مع سلطنة عُمان يهدف إلى “ضمان سلامة الملاحة في وقت السلم”، مشيرًا إلى أن العمل جارٍ حاليًا على وضع الصياغة النهائية لهذا البروتوكول قبل الشروع في مفاوضات رسمية مع الجانب العماني.
ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا لدى طهران لأهمية مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية، كعنصر حاسم في استقرار الأسواق الدولية، ليس فقط خلال فترات النزاع، بل أيضًا في أوقات السلم التي تتطلب ترتيبات دقيقة لضمان حرية المرور وأمن السفن.
ورغم الإعلان الإيراني، لم تصدر سلطنة عُمان حتى الآن أي تأكيد رسمي بشأن بدء مفاوضات مباشرة حول هذا البروتوكول، إلا أن مؤشرات سابقة توحي بوجود تحركات دبلوماسية في هذا الاتجاه. ففي 23 مارس، أشار وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي إلى أن بلاده تعمل على وضع ترتيبات تضمن المرور الآمن في المضيق، في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها المنطقة.
غير أن التصريحات الإيرانية لم تقتصر على الجانب التنظيمي فقط، بل حملت أيضًا رسائل تحذيرية بشأن مستقبل الملاحة في حال اندلاع نزاعات جديدة. إذ أشار غريب آبادي إلى أن المنطقة قد تشهد مجددًا أعمالًا عدوانية بعد انتهاء الحرب الحالية، مؤكدًا أن السفن التابعة للدول “المعتدية” وحلفائها قد تُمنع من المرور عبر المضيق في حال نشوب صراع جديد.
ويكشف هذا الموقف عن توجه إيراني لربط حرية الملاحة بالاعتبارات السياسية والأمنية، وهو ما قد يثير مخاوف دولية بشأن حيادية هذا الممر البحري الحيوي، خاصة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واستمرار التنافس على النفوذ في المنطقة.
في المقابل، شدد المسؤول الإيراني على أن بلاده، إلى جانب سلطنة عُمان، بذلت جهودًا كبيرة على مدى سنوات لضمان سلامة الملاحة البحرية، سواء في أوقات السلم أو خلال الأزمات، وهو ما يعكس تاريخًا من التعاون بين البلدين في إدارة هذا الممر الاستراتيجي.
ويُنظر إلى هذا البروتوكول المحتمل كجزء من محاولة أوسع لإعادة ضبط قواعد اللعبة في مضيق هرمز، بعد أن كشفت الحرب الأخيرة عن هشاشة الترتيبات الحالية، وقدرة الصراعات العسكرية على تعطيل أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.
ومع استمرار الغموض حول مستقبل الصراع في الشرق الأوسط، تبقى الأنظار متجهة إلى مضيق هرمز، ليس فقط باعتباره ممرًا لنقل النفط، بل كعنصر محوري في توازنات الأمن الإقليمي والدولي. وفي حال نجحت إيران وسلطنة عُمان في التوصل إلى اتفاق مشترك، فقد يشكل ذلك خطوة نحو إعادة الاستقرار إلى المنطقة، لكنه في الوقت نفسه قد يفتح الباب أمام نقاشات أوسع حول حرية الملاحة والسيادة في الممرات البحرية الحيوية.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن ما بعد الحرب لن يكون مجرد مرحلة إعادة إعمار، بل إعادة رسم لقواعد الملاحة والتوازنات الجيوسياسية في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الحسابات العسكرية والسياسية بشكل معقد ومتداخل.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *