
منذ عودته إلى البيت الأبيض، لم يكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يواجه تحديات خارجية فحسب، بل بدأت الأسئلة الأكثر حساسية تتجه نحو شخصه وقدرته على الاستمرار في قيادة أقوى دولة في العالم.
تقرير نشرته صحيفة “ذا هيل” الأمريكية أعاد فتح ملف ظل حاضرًا في السياسة الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، لكنه عاد هذه المرة بصورة أكثر حدة: هل أصبح عمر ترامب وحالته الصحية عائقًا أمام أدائه الرئاسي؟ وهل يمكن أن يصل الأمر إلى تفعيل التعديل الخامس والعشرين من الدستور الأمريكي؟
الجدل تصاعد بعد أن قدّم السيناتوران الديمقراطيان شيلدون وايتهاوس وجاك ريد، في 30 أبريل 2026، بيانًا إلى سجل الكونغرس مدعومًا بتوقيعات 36 طبيبًا ومتخصصًا في طب الأعصاب والطب النفسي والاضطرابات الإدراكية من جامعات أمريكية مرموقة، بينها هارفارد وكولومبيا وجورج واشنطن.
ورأى هؤلاء الأطباء أن هناك مؤشرات تستوجب تقييم قدرة الرئيس على أداء مهامه، محذرين مما وصفوه بانفصال عن الواقع وسلوكيات تثير القلق، مطالبين بالإسراع في اتخاذ إجراءات دستورية إذا ثبت وجود عجز يمنعه من ممارسة مسؤولياته.
وتستند هذه المطالب إلى التعديل الخامس والعشرين من الدستور الأمريكي، الذي أُقر عام 1967 بعد اغتيال الرئيس جون كينيدي، وينظم آلية انتقال السلطة في حال عجز الرئيس عن أداء مهامه. ويمنح البند الرابع من التعديل نائب الرئيس وأغلبية أعضاء الحكومة صلاحية إعلان عدم قدرة الرئيس على ممارسة صلاحياته، ليتولى نائب الرئيس مهام الرئاسة بالإنابة.
لكن الوصول إلى هذه المرحلة يبدو شديد التعقيد سياسيًا، إذ يتطلب توافقًا داخل الدائرة الأقرب للرئيس نفسه، وهو أمر يرى مراقبون أنه بعيد المنال في ظل تماسك الجمهوريين خلف ترامب.
ومع ذلك، فإن الأصوات المشككة لم تتوقف. فخلال السنوات الماضية، تكررت ملاحظات تتعلق بطريقة حديث ترامب، وتراجعه أحيانًا عن النصوص المعدة مسبقًا إلى أحاديث متشعبة وغير مترابطة، فضلًا عن أخطاء علنية في أسماء شخصيات وأحداث سياسية.
المرشحة الجمهورية السابقة نيكي هالي كانت من أبرز الشخصيات المحافظة التي أثارت التسألة حول أهلية ترامب، بعدما خلط بين اسمها واسم رئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي، ونسب إليها مسؤوليات لم تكن تتولاها خلال أحداث اقتحام الكابيتول في السادس من يناير.
كما سلط التقرير الضوء على زيارات ترامب الطبية المتكررة إلى مستشفى والتر ريد، والتشخيص الرسمي بإصابته بقصور وريدي مزمن، إلى جانب ملاحظات متداولة بشأن اعتماده على كلتا يديه لشرب الماء، وظهوره المتكرر في حالات بدت أقرب إلى الإرهاق أو الغفوات خلال مناسبات رسمية.
وفي المقابل، يؤكد البيت الأبيض أن الرئيس يتمتع بصحة ممتازة، وأن الفحوصات الطبية أثبتت قدرته الكاملة على أداء واجباته، مع توصيات اعتيادية تتعلق بخفض الوزن وزيادة النشاط البدني.
غير أن استطلاعًا أجرته رويترز وإيبسوس أظهر أن غالبية الأمريكيين باتوا يعتقدون أن تقدم ترامب في السن يؤثر في سلوكه، بما في ذلك نسبة لافتة من الناخبين الجمهوريين بلغت نحو 30%.
هذا التحول في المزاج الشعبي يضع الجمهوريين أمام معادلة صعبة قبل الانتخابات النصفية المقبلة؛ فالرئيس الذي نجح في تحويل شخصيته إلى مركز الثقل السياسي داخل الحزب، قد يصبح في الوقت نفسه مصدر قلق انتخابي إذا استمرت التساؤلات بشأن قدراته الصحية والإدراكية.
وفي خضم هذا الجدل، تقدم النائب الديمقراطي جيمي راسكين بمشروع قانون لتشكيل لجنة مستقلة من الحزبين لدراسة آليات تفعيل التعديل الخامس والعشرين، معتبرًا أن ثقة الأمريكيين في قدرة الرئيس على أداء مهامه شهدت تراجعًا غير مسبوق.
وبين نفي البيت الأبيض وتحذيرات خصومه، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تتحول قضية العمر والصحة إلى نقطة الضعف الأكبر في رئاسة ترامب، أم أنه سيتمكن مجددًا من تجاوز العاصفة السياسية كما فعل مرارًا طوال مسيرته؟
الأشهر المقبلة، ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، قد تحمل الإجابة التي ستحدد مستقبل الرئيس الأمريكي وموازين القوى داخل واشنطن.
مختصر للنشر في موقع اليوم ميديا:




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *