
في منتجع جبلي هادئ بسويسرا، تبدو الطبيعة الخلابة عاجزة عن إخفاء ثقل الملفات المطروحة على الطاولة. فهناك، حيث تجتمع الوفود بعيداً عن ضجيج العواصم، تنطلق واحدة من أكثر المحادثات حساسية في الشرق الأوسط، بينما يخيّم شبح مضيق هرمز على مستقبل الهدنة بين واشنطن وطهران.
فمع الساعات الأولى من صباح الأحد، يصل نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إلى منتجع بورجنشتوك السويسري، حاملاً آمال الإدارة الأمريكية في تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت مع إيران، وفتح الباب أمام تفاهمات أوسع تشمل البرنامج النووي الإيراني والأوضاع المتفجرة في لبنان، بحسب رويترز.
في المقابل، يقود رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف وفد بلاده إلى المحادثات، بمشاركة وزير الخارجية عباس عراقجي ومسؤولين بارزين من قطاعات الأمن والطاقة والبنك المركزي، في إشارة إلى أن الملفات المطروحة تتجاوز السياسة إلى الاقتصاد والطاقة والأمن الإقليمي.
لكن قبل أن تبدأ الجلسات الرسمية، برزت عقدة جديدة قد تقلب الطاولة على الجميع. فقد أعلنت طهران استمرار إغلاق مضيق هرمز، مؤكدة أن البحرية التابعة للحرس الثوري لم تصدر أي إذن بمرور السفن، رغم تأكيد القيادة المركزية الأمريكية أن عشرات السفن التجارية عبرت المضيق خلال الساعات الماضية محملة بملايين البراميل من النفط.
هذا التناقض في الروايات يكشف حجم انعدام الثقة بين الطرفين، ويضع المفاوضات أمام اختبار مبكر. فالمضيق الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية ليس مجرد ممر بحري، بل ورقة ضغط استراتيجية قادرة على تحريك الأسواق العالمية وإعادة رسم حسابات القوى الكبرى.
وتأتي هذه الجولة بوساطة مشتركة من قطر وباكستان، اللتين لعبتا دوراً محورياً في التوصل إلى مذكرة تفاهم مؤقتة بين واشنطن وطهران خلال الأسبوع الماضي. ومن المقرر أن تسبق الاجتماع الرباعي لقاءات منفصلة بين إيران والوسطاء بهدف تضييق هوة الخلافات.
وأكد جيه دي فانس قبل مغادرته الولايات المتحدة أن بلاده تأمل في تحقيق تقدم حقيقي، ليس فقط بشأن الملف النووي الإيراني، بل أيضاً فيما يتعلق بتثبيت وقف إطلاق النار في لبنان، مع احتمال استمرار المحادثات ليومين إذا اقتضت الحاجة.
في المقابل، شددت طهران على ضرورة تنفيذ جميع بنود الاتفاق المؤقت، متهمة الطرف الأمريكي بعدم الالتزام الكامل بتعهداته، لا سيما ما يتعلق بوقف التصعيد على مختلف الجبهات الإقليمية.
ويزيد المشهد اللبناني من تعقيد المشاورات، بعدما شهدت الساعات الماضية تبادلاً للهجمات بين إسرائيل وحزب الله رغم دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، فيما أعلنت إسرائيل أنها ستواصل الرد على أي تهديد، مؤكدة في الوقت نفسه التزامها النظري بالهدنة.
وبينما تحاول واشنطن وطهران تجنب انهيار الاتفاق الوليد، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تنجح الدبلوماسية في سويسرا في إنقاذ الهدنة، أم أن مضيق هرمز سيصبح الشرارة التي تعيد المنطقة إلى مربع التصعيد المفتوح؟
الإجابة قد لا تحدد فقط مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، بل سترسم أيضاً ملامح المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط بأكمله، حيث تتقاطع ملفات الطاقة والأمن والحدود والنفوذ في معادلة شديدة التعقيد.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *