
في منتجع بورغنستوك السويسري المطل على بحيرة لوسيرن، تتجه أنظار العالم إلى جولة جديدة من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وسط أجواء من الحذر والتفاؤل في آن واحد. فبعد أشهر من التوتر العسكري والتصعيد السياسي، بدأت الصحف العالمية تتحدث عن فرصة حقيقية قد تمهد لإنهاء واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة.
وتحولت المباحثات الجارية في سويسرا إلى محور اهتمام وسائل الإعلام الدولية، التي رأت في استمرار الحوار بين الجانبين مؤشراً على وجود إرادة سياسية لتجنب العودة إلى المواجهة العسكرية المباشرة. ورغم أن الطريق نحو اتفاق شامل لا يزال مليئاً بالعقبات، فإن مجرد جلوس الوفدين إلى طاولة المفاوضات أعاد إحياء الآمال بإمكانية التوصل إلى تسوية طويلة الأمد.
لبنان حاضر في المفاوضات
بحسب ما أوردته صحيفة “فايننشال تايمز”، فإن جزءاً مهماً من النقاشات تركز على الوضع في لبنان والتوتر المستمر بين إسرائيل و”حزب الله”، وهو ملف ينظر إليه باعتباره أحد أبرز التحديات التي قد تعرقل أي تقدم دبلوماسي بين واشنطن وطهران.
وترى الصحيفة أن استقرار الجبهة اللبنانية أصبح عاملاً أساسياً في نجاح الجهود السياسية الأوسع، خاصة بعد توقيع الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم خلال الشهر الجاري، فتحت الباب أمام استئناف الحوار المباشر حول قضايا الأمن الإقليمي.
لكن الملف الأكثر حساسية يبقى البرنامج النووي الإيراني، إذ تشير التقديرات إلى أن المفاوضات التقنية المتعلقة به قد تستمر لأسابيع وربما لأشهر. ويشمل ذلك مناقشة مصير مخزونات اليورانيوم المخصب، ومستقبل المنشآت النووية الإيرانية التي تعرضت لأضرار كبيرة جراء الضربات الأميركية السابقة.
منتجع فاخر يحتضن مفاوضات مصيرية
أما صحيفة “نيويورك تايمز” فاختارت التركيز على المكان الذي يستضيف هذه المحادثات التاريخية. فالمنتجع السويسري الشهير ليس مجرد موقع للاجتماعات الدبلوماسية، بل يعد واحداً من أكثر المنتجعات الفاخرة شهرة في أوروبا.
وعلى مدى نحو 150 عاماً، استقبل بورغنستوك شخصيات سياسية واقتصادية بارزة من مختلف أنحاء العالم. ويقع المنتجع على ارتفاع يقارب ثلاثة آلاف قدم فوق سطح البحر، ويضم فنادق فاخرة ومساكن خاصة ومنتجعاً صحياً وملاعب غولف وتنس ومرافق ترفيهية متعددة، إضافة إلى مطاعم عالمية من بينها مطعم متخصص بالمأكولات الفارسية.
وترى الصحيفة أن اختيار هذا الموقع يعكس رغبة الوسطاء في توفير أجواء هادئة تساعد على تقريب وجهات النظر بين الطرفين، بعيداً عن الضغوط السياسية والإعلامية.
توتر يهدد مسار الحوار
في المقابل، سلطت صحيفة “تلغراف” الضوء على التحديات التي تواجه المفاوضات، مشيرة إلى أن التصريحات الحادة الصادرة عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أثارت توتراً داخل أروقة المحادثات.
ووفقاً للصحيفة، شهدت المفاوضات لحظات حرجة بعد تهديدات أميركية اعتبرتها طهران استفزازية، ما دفع الوفد الإيراني إلى تقديم احتجاجات رسمية عبر الوسطاء الباكستانيين والقطريين.
وأكد كبير المفاوضين الإيرانيين محمد قاليباف، بحسب الصحيفة، أن بلاده لن تتجاهل أي تهديدات، وأن القوات المسلحة الإيرانية جاهزة للرد على أي تصعيد محتمل، وهو ما يعكس استمرار حالة عدم الثقة بين الجانبين رغم استمرار الحوار.
مؤشرات على تقدم تدريجي
من جانبه، رأى موقع “أكسيوس” أن استمرار الاجتماعات المكثفة وشبه المتواصلة بين الوفدين يشير إلى تمسك الطرفين بخيار التفاوض، رغم الخلافات العميقة التي لا تزال قائمة.
وأشار الموقع إلى أن النقاشات تجاوزت الملف النووي لتشمل قضايا الأمن الإقليمي، وعلى رأسها آليات منع التصعيد في لبنان وضمان الالتزام بوقف إطلاق النار، في ظل الاشتباكات المتقطعة بين “حزب الله” والقوات الإسرائيلية في جنوب لبنان.
كما نقل الموقع عن دبلوماسي أميركي قوله إن الجانبين يناقشان إجراءات عملية لتجنب الاحتكاك العسكري غير المقصود، وهو ما قد يشكل خطوة أولى نحو ترتيبات أمنية أوسع في المنطقة.
هل تقترب نهاية الأزمة؟
ورغم تباين التغطيات الإعلامية بين التفاؤل والحذر، فإن القاسم المشترك بين معظم الصحف العالمية يتمثل في الاعتقاد بأن المفاوضات الحالية تمثل فرصة نادرة لكسر دائرة التصعيد التي طبعت العلاقة بين واشنطن وطهران خلال الأشهر الماضية.
ولا يتوقع المراقبون إعلان اتفاق شامل في المدى القريب، لكن مجرد استمرار الحوار وتوسعه ليشمل ملفات إقليمية حساسة يعد مؤشراً إيجابياً على إمكانية الوصول إلى تفاهمات تدريجية قد تمهد لإنهاء الحرب وفتح صفحة جديدة من العلاقات بين الطرفين.
ومع استمرار الاجتماعات في سويسرا، يترقب العالم ما إذا كانت هذه الجولة ستتحول إلى نقطة تحول تاريخية تنهي المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، أم أنها ستبقى مجرد محطة جديدة في مسار تفاوضي طويل ومعقد.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *