
الرياض – سالم ناصر العتيبي
لم تأتِ زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة في توقيت عادي؛ فالمنطقة تواجه ضغوطًا متزامنة تمتد من أمن الخليج ومضيق هرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب، فيما تتزايد المخاوف من انعكاس التوترات الإقليمية على حركة التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد.
وفي هذا السياق، حمل لقاء محمد بن سلمان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في قصر الاتحادية، الثلاثاء 15 سبتمبر، أكثر من مجرد بحث في العلاقات الثنائية. فالمعلن عن المحادثات وضع أمن المنطقة، وأمن الملاحة وحرية navigation في البحر الأحمر وباب المندب، إلى جانب ملفات فلسطين واليمن والسودان، ضمن دائرة النقاش بين الرياض والقاهرة.
لكن السؤال الأهم ليس فقط: ماذا ناقش الرجلان؟ بل ماذا تريد الرياض من القاهرة في هذه المرحلة؟
أحد أبرز ما تحتاجه السعودية في ظل التصعيد الإقليمي هو تثبيت موقف عربي واضح تجاه أمنها وسيادتها.
وهنا جاءت الرسالة المصرية مباشرة. فقد أكد الجانب المصري أن أمن السعودية ودول الخليج يمثل جزءًا من الأمن القومي المصري، مع رفض أي اعتداءات أو تهديدات تستهدف سيادة المملكة أو استقرارها أو أراضيها.
هذه الرسالة مهمة للرياض لأنها تتجاوز التضامن السياسي التقليدي. فمصر، بحكم موقعها وثقلها العربي، تستطيع أن تمنح الموقف السعودي غطاءً سياسيًا عربيًا أوسع، خصوصًا في مرحلة أصبحت فيها الهجمات والتهديدات المرتبطة بالصراع الإقليمي تمس دولًا وممرات تجارية وطاقة تتجاوز حدود ساحات المواجهة المباشرة.
وبالتالي، فإن أحد أهداف الزيارة، وفق ما تسمح به المواقف المعلنة، هو التأكد من أن القاهرة تقف بوضوح إلى جانب أمن المملكة، وليس فقط إلى جانب استمرار العلاقات الاستراتيجية بين البلدين.
لكن البعد الأكثر أهمية في لقاء القاهرة قد يكون البحر الأحمر. فأمن البحر الأحمر وباب المندب لم يعد قضية عسكرية أو ملاحية منفصلة عن الاقتصاد. أي اضطراب طويل في هذه المنطقة يمكن أن يرفع تكاليف النقل والتأمين، ويعيد توجيه السفن، ويضغط على سلاسل الإمداد، ويؤثر في حركة التجارة والطاقة.
وهنا تلتقي المصالح السعودية والمصرية بصورة مباشرة. السعودية تنظر إلى أمن البحر الأحمر باعتباره جزءًا من أمنها الاستراتيجي، بينما ترتبط مصر به بصورة أعمق بسبب قناة السويس وموقعها على البحر الأحمر وقدرتها على التأثر المباشر بأي اضطراب طويل في حركة الملاحة.
لذلك، فإن التنسيق بين الرياض والقاهرة في هذا الملف لا يتعلق فقط بحماية السفن، بل بحماية شبكة اقتصادية كاملة تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر وقناة السويس والأسواق العالمية.
ومن هذه الزاوية، يصبح تأكيد الزعيمين أهمية حرية وأمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب رسالة تتجاوز حدود البلدين.
لا توجد في المواقف المعلنة التي صدرت عقب اللقاء مؤشرات تثبت أن محمد بن سلمان طلب من السيسي تدخلًا عسكريًا مصريًا مباشرًا.
وهذه نقطة مهمة في قراءة الزيارة. الأقرب إلى المعطيات المعلنة أن الرياض تحتاج إلى تنسيق سياسي وأمني واستراتيجي أوسع، وليس بالضرورة إلى مشاركة مصرية مباشرة في عمليات عسكرية.
فالقاهرة تملك أدوات أخرى مؤثرة: موقعها الجغرافي، حضورها في البحر الأحمر، قناة السويس، علاقاتها العربية والإقليمية، وقدرتها على التواصل مع أطراف متعددة في أزمات المنطقة.
وهذه الأدوات قد تكون في بعض الظروف أكثر أهمية من مجرد زيادة عدد القوات أو القطع البحرية.
كما أن مصر نفسها معنية بتجنب اتساع دائرة المواجهة الإقليمية بما يهدد أمن الملاحة أو يضغط على اقتصادها وحركة التجارة عبر قناة السويس.
يأخذ ملف اليمن أهمية خاصة في هذا السياق. فالمملكة معنية مباشرة بأي تهديد ينطلق من الأراضي اليمنية أو يقترب من حدودها أو من خطوط الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، بينما تنظر مصر إلى أمن البحر الأحمر من زاوية مرتبطة مباشرة بأمن الملاحة وقناة السويس. وهذا يجعل مصالح البلدين متقاطعة، حتى مع اختلاف أدوات التعامل مع الأزمة اليمنية.
واللافت أن المحادثات السعودية المصرية تزامنت مع تأكيد الطرفين أهمية التوصل إلى حل سياسي شامل في اليمن، بما يعني أن المقاربة لا تقوم فقط على التعامل الأمني مع التهديدات، بل على محاولة منع استمرار البيئة التي تنتج هذه التهديدات أصلًا.
وهنا قد يكون ما تريده الرياض من القاهرة هو استخدام وزنها السياسي للمساعدة في إبقاء المسار اليمني ضمن إطار يمكن احتواؤه، بدل تحول البحر الأحمر إلى جبهة مفتوحة طويلة الأمد.
تزداد أهمية التنسيق السعودي المصري لأن التطورات الأخيرة أظهرت أن أمن الممرات البحرية لا يمكن التعامل معه كمجموعة أزمات منفصلة.
مضيق هرمز يرتبط بأمن صادرات الطاقة الخليجية، بينما يمثل باب المندب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وتبقى قناة السويس حلقة رئيسية في انتقال التجارة بين آسيا وأوروبا.
وأي اضطراب متزامن في هذه النقاط يمكن أن يرفع تكلفة الأزمة على الاقتصاد العالمي بصورة أكبر بكثير من تأثير حادث أمني منفرد.
من هنا، فإن التعاون السعودي المصري يمكن أن يتحول من تنسيق ثنائي إلى جزء من تصور عربي أوسع لأمن الممرات البحرية، خصوصًا إذا استمرت التهديدات التي تطال السفن والطاقة والتجارة.
تملك مصر مجموعة من الأوراق التي تجعلها شريكًا مهمًا للرياض في هذه المرحلة.
أولها الموقع الجغرافي، وثانيها قناة السويس، وثالثها الحضور البحري والسياسي في البحر الأحمر، إضافة إلى وزنها العربي وقدرتها على التحرك في ملفات مثل اليمن وفلسطين والسودان.
لكن قيمة هذه الأوراق لا تتوقف على استخدامها منفردة. الأهم هو تحويلها إلى آليات تنسيق مستمرة بين البلدين.
وقد سبق للرياض والقاهرة أن عززتا تعاونهما في مجال الأمن البحري، مع توقيع بروتوكول للتعاون في هذا المجال في سبتمبر 2025، ما يوفر أساسًا يمكن البناء عليه في المرحلة الحالية.
وهذا يعني أن السؤال بعد زيارة القاهرة لن يكون فقط: هل تتفق السعودية ومصر؟ بل: كيف سيتحول هذا الاتفاق إلى إجراءات عملية؟
هناك بعد آخر لا ينبغي تجاهله. فاستمرار اضطرابات الملاحة لا يهدد الأمن فقط، بل يفرض كلفة اقتصادية متزايدة على دول المنطقة. ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وتغير مسارات السفن، واضطراب تدفقات الطاقة والسلع، كلها عوامل تجعل أمن الممرات البحرية جزءًا من الأمن الاقتصادي.
وهذا يفسر لماذا لا يمكن فصل التعاون السعودي المصري في البحر الأحمر عن العلاقات الاقتصادية بين البلدين.
كلما زادت الضغوط على التجارة العالمية، أصبحت قدرة أكبر اقتصادين عربيين في الخليج وشمال أفريقيا على تنسيق مواقفهما أكثر أهمية.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى زيارة محمد بن سلمان للقاهرة باعتبارها محاولة لتعزيز قدرة البلدين على امتصاص تداعيات الأزمة، وليس فقط التعامل مع أحداثها الأمنية اليومية.
لم يقتصر اللقاء على الملفات الأمنية والملاحية. القضية الفلسطينية والحرب في غزة، إلى جانب السودان وملفات إقليمية أخرى، حضرت في المحادثات، وهو أمر يعكس اتساع مساحة التنسيق بين الرياض والقاهرة.
وفي الملف الفلسطيني تحديدًا، تلتقي السعودية ومصر في دعم حل الدولتين ورفض استمرار دوامة الصراع دون أفق سياسي.
أما السودان، فيمثل ملفًا شديد الحساسية بالنسبة لمصر بحكم الجوار المباشر، فيما تملك السعودية دورًا في جهود الوساطة والتحرك الدبلوماسي.
وبالتالي، فإن العلاقة بين الرياض والقاهرة لا تتحرك على مسار واحد، بل أمام مجموعة من الأزمات التي تجعل التنسيق بينهما أكثر ضرورة.
يمكن قراءة الإجابة من خلال ثلاثة مستويات رئيسية.
أولًا: موقف سياسي مصري واضح يؤكد أن أمن السعودية والخليج جزء من الأمن المصري، ويبعث برسالة ردع سياسية تجاه أي محاولة لاستهداف المملكة أو زعزعة استقرارها.
ثانيًا: تنسيق أمني وملاحي أكبر في البحر الأحمر وباب المندب، خصوصًا أن أمن هذه المنطقة يرتبط مباشرة بالتجارة والطاقة وقناة السويس.
ثالثًا: شراكة سياسية في إدارة أزمات المنطقة، من اليمن وفلسطين إلى السودان، بما يمنع تحول الأزمات المتعددة إلى صراع إقليمي أوسع.
لكن في المقابل، ما قدمته القاهرة حتى الآن هو موقف سياسي واضح واستعداد للتنسيق، بينما تبقى طبيعة الإجراءات العملية وحجمها مرتبطة بتطورات الميدان وبالقرارات التي قد تتخذها الدولتان لاحقًا.
إذا كان السؤال هو: هل لبّى السيسي مطالب محمد بن سلمان؟ فالجواب الأدق هو أن القاهرة قدمت للرياض ما هو معلن وواضح: دعمًا سياسيًا قويًا لأمن السعودية، وتأكيدًا على أهمية أمن الملاحة، واستعدادًا لتنسيق أوسع في ملفات المنطقة.
لكن لا توجد معطيات علنية تسمح بالقول إن القاهرة وافقت على كل ما قد تكون الرياض ترغب فيه، خصوصًا في ما يتعلق بأي ترتيبات عسكرية محددة أو عمليات مباشرة.
وهنا تكمن أهمية الزيارة. فالاختبار الحقيقي لن يكون في العبارات التي صدرت من قصر الاتحادية، وإنما في قدرة الرياض والقاهرة على تحويل التفاهم السياسي إلى تنسيق عملي يحمي الملاحة ويحد من مخاطر التصعيد ويمنع انتقال أزمة الممرات البحرية إلى أزمة اقتصادية أوسع.
في النهاية، يبدو أن زيارة محمد بن سلمان إلى القاهرة لا تبحث عن موقف مصري مؤيد للسعودية فحسب، بل عن شريك عربي قادر على العمل معها في بيئة إقليمية أصبحت فيها أمنية الخليج مرتبطة بأمن البحر الأحمر، وأمن الملاحة مرتبطًا بالاقتصاد، والاقتصاد مرتبطًا باستقرار المنطقة بأكملها.
وهنا تحديدًا تتجاوز الزيارة حدود العلاقة السعودية المصرية لتطرح سؤالًا أكبر: هل تستطيع الرياض والقاهرة بناء مظلة تنسيق عربية أكثر فاعلية لحماية الممرات البحرية وإدارة أزمات المنطقة قبل أن تتحول إلى أزمة واحدة مفتوحة؟

رفعت السعودية مستوى التأهب الأمني في عدد من مناطق المملكة، الثلاثاء، مع صدور تحذيرات طارئة شملت مكة المكرمة وجدة ومدنًا أخرى، في وقت تتسع فيه الهجمات المرتبطة بجماعة الحوثيين والقوى المدعومة من إيران، بالتزامن مع تصاعد الضغط على خطوط الطاقة والملاحة في البحر الأحمر. وبحسب رويترز، صدرت التحذيرات في مناطق عدة على خلفية التصعيد خلال [...]

يتحرك الحوثيون بسرعة على الساحل الغربي لليمن، في تطور يعيد رسم معادلة الأمن البحري عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، بعدما وسّعوا وجودهم في مواقع وجزر قريبة من باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. وأكدت وكالة رويترز أن الحوثيين استولوا على جزيرة بريم، المعروفة أيضًا باسم ميون، الواقعة [...]

ففي الوقت الذي لا تزال فيه حركة الملاحة عبر المضيق تحت ضغط شديد، تعرض خط أنابيب شرق-غرب السعودي، الذي أنشأته المملكة أصلًا لتوفير مسار بديل لصادراتها بعيدًا عن هرمز، للتعطيل وبقي خارج الخدمة، بينما شن الحوثيون في اليمن هجمات جديدة على أهداف داخل السعودية وعززوا مواقعهم على الساحل الغربي لليمن قرب البحر الأحمر. وفي موازاة [...]

دخلت صادرات النفط السعودية سباقًا مع الوقت بعد توقف خط أنابيب شرق–غرب، أحد أهم المسارات التي تستخدمها المملكة لتجاوز مضيق هرمز، فيما تشير تقديرات مصادر في سوق النفط إلى أن المخزونات المخصصة للتصدير في ميناء ينبع قد تكفي لنحو خمسة إلى سبعة أيام فقط إذا لم يستأنف الخط العمل. ولا يعني ذلك أن السعودية ستنفد [...]

زعمت صحيفة «إسرائيل هيوم» أن السعودية طلبت بصورة غير مباشرة دعمًا إسرائيليًا لمواجهة التهديد الحوثي المتصاعد عند باب المندب، مشيرة إلى أن التواصل جرى عبر القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، وأن الطلب تضمن مساعدة استخباراتية لمواجهة الخطر المتزايد على الملاحة. ولم يصدر حتى الآن تأكيد رسمي سعودي أو إسرائيلي لهذه الرواية، ما يجعلها في إطار المعلومات [...]

لم تعد التطورات المتسارعة على الساحل الغربي لليمن مجرد تحول جديد في مسار الحرب، بل بدأت تلامس واحدة من أكثر النقاط حساسية في خريطة الطاقة العالمية: مضيق باب المندب، البوابة الجنوبية للبحر الأحمر والطريق البحري الذي يربط الخليج بالبحر الأحمر وقناة السويس والأسواق الأوروبية. ومع تقدم الحوثيين على الساحل الغربي ووصولهم إلى مناطق وجزر استراتيجية [...]