
ليست المرة الأولى التي تخرج فيها مذكرة اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية بحق شخص تراه متهماً أمامها بجرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، ولن تكون المرة الأخيرة في الغالب، ولكنها المرة التي سوف يؤرخ بها المهتمون بشأن المحكمة، إذا جلسوا يوماً يستعرضون مسيرتها الطويلة مع المذكرات المماثلة الصادرة عنها.
أما كريم خان، المدعي العام للمحكمة، فسوف يدخل التاريخ من الباب نفسه الذي دخل منه أنطونيو غوتيريش، أمين عام الأمم المتحدة.
سوف يدخله من هذا الباب، عندما تضع الحرب على الفلسطينيين في غزة أوزارها، وعندما يكون لدى الأحرار في العالم من الوقت ما يجعلهم يتأملون مراحل الحرب بتفاصيلها، وينظرون مَنْ مِنَ الساسة الدوليين تصرف بضمير حي، إزاء المقتلة التي جرت للفلسطينيين في القطاع، ومَنْ تخلَّى ولم يشأ أن يتحلى بالحدود الدنيا من المعاني الإنسانية.
عندها سوف يستقر غوتيريش في القاعة التي سبقه إليها أمينان عامان سابقان، هما داغ همرشولد، وبطرس غالي. فكل منهما لم يملك أن يقف متفرجاً على ما رآه تغولاً على حقوق الناس وحقوق الدول، فكان همرشولد هو الذي بدأ هذا الطريق المفروش بالنور، فانتفض بصفته أميناً عاماً رافضاً العدوان الثلاثي الذي قامت به بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر في 1956.
كان في مقدوره أن يُصدر بيان رفض أو شجب أو إدانة، ولم يكن أحد ليلومه إذا فعل ذلك واكتفى به، ولكنه كان أميناً عاماً من النوع الحُر، فذهب إلى مكتبه بمقر المنظمة في نيويورك، ومن داخله وقف يخاطب الدول الثلاث، ويقول إن ميثاق هذه المنظمة جرى وضعه عند نشأتها لتحترمه الدول الأعضاء لا لتدوس عليه، وإن الدول الثلاث إذا كانت تجد في عدوانها تصرفاً طبيعياً، فللأمين العام من جانبه أن يتصرف بالطريقة التي يراها مناسبة.هكذا تكلم بشجاعة وجرأة وقوة، وهكذا أرسل إلى الدول الثلاث ما معناه أنه ليس موظفاً على رأس المنظمة الأم يتقاضى راتبه ويسكت، ولكنه رجل جاء من السويد في أقصى الشمال ليمارس مسؤوليته على وجهها الصحيح. ولأنه كان على هذا القدر من الجسارة، فإنه سرعان ما دفع حياته ثمناً لموقفه، وكأننا في عالم لا مكان فيه للشجعان إلا في أقل القليل.
ومن بعده كان بطرس غالي صاحب موقف شبيه، وكان في موقفه قد رفض أن يلتزم الصمت أمام تقرير قانا الشهير عن جرائم إسرائيل في الجنوب اللبناني، فكان أن دفع منصبه، لا حياته، ثمناً للموقف الشجاع، وقد انصرف من مقر المنظمة غير آسف على ما جرى معه، وكان تقديره أنه إذا كان قد خسر المنصب فلم يحصل على فترة ثانية بخلاف كل الأمناء العامين السابقين، فإنه قد كسب تقدير العالم الذي كان يتابع ويرى.
وكان غوتيريش هو ثالث الثلاثة، وكان ولا يزال يقف ضد حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على أطفال ونساء القطاع. وكان قد انتقل من مكتبه على الشاطئ الآخر من الأطلنطي، ليحط على أرض القطاع أكثر من مرة، وليعقد مؤتمراً صحافياً لأكثر من مرة أيضاً عند باب معبر رفح، وليقول من هناك إن ما ترتكبه حكومة التطرف في تل أبيب لا بد من أن يتوقف.
وقد كان من الطبيعي أن يتعرض للأذى الكثير من جانب إسرائيل. وكان من صنوف الأذى التي لحقت به أن الحكومة الإسرائيلية راحت تروِّج لما يفيد بأنه لا يصلح أميناً عاماً، فلما طاش هذا السلاح في يدها، أعلنت أن الأمين العام «شخص غير مرغوب فيه»، ولكنه في المقابل كان يتصرف بقوة الشخص المستغني والمسؤول معاً.
ولأن المحكمة الجنائية الدولية جهاز من أجهزة المنظمة الأم، فيبدو أن المدعي العام على رأسها يقف من الأمين العام موقف الشبل من الأسد.
وكان من علامات ذلك أن خان لما دعا في مايو (أيار) إلى إصدار مذكرة اعتقال بحق نتنياهو، ومعه وزير دفاعه وقتها يوآف غالانت، قامت الدنيا في إسرائيل التي أقامتها هي بدورها في العالم، وقد حدث هذا رغم أن الأمر في حينه كان مجرد طلب إصدار مذكرة، لا إصداراً لها بالفعل كما حصل مؤخراً، ولكن هذا لم يزد خان إلا شجاعة وتمسكاً بما يرى أنه يمثل العدالة.
وعلى طول المسافة من مايو عندما طلب الرجل إصدار المذكرة، إلى نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي عندما صدرت المذكرة فعلاً، فإنه تعرَّض لكثير من التحرش بسمعته، وكانت بصمات حكومة التطرف وأصابعها واضحة فيما تعرَّض له، ولكن مضى في طريقه لا يبالي.
الآن يدخل كريم خان مع أنطونيو غوتيريش من باب واحد، ويصطفان إلى جوار داغ همرشولد وبطرس غالي، ويقف الرجال الأربعة وعلى كتف كل واحد منهم وشاح من النور.
نقلا عن الشرق الأوسط

سمير عطا الله تغيَّر نمطُ الحياة في الأشهر الأخيرة تغيراً جذريّاً ما بين متوقعات العمر وطوارئ السن. اختصرت برامج الأسفار ثم ألغيتها. وكنت أول من يصل إلى المؤتمرات المقررة، وصرت أول من يعتذر. ومع الوقت أدرك الفريقان، رفاق المؤتمرات وأنا، أن الغياب خارج عن إرادتي. كان خوف من أن أصاب بوعكة والناس في مهرجان فرح [...]

محمد فال معاوية ليست كل الدول تُصنع بالجغرافيا؛ فبعضها يُعاد تعريفه بإرادة رجل، وبحلمٍ يسبق الخرائط. وعندما يرحل ذلك الرجل، لا يكون السؤال: كم عامًا حكم؟ بل: ماذا بقي بعده؟ وما الذي تبدّل في خريطة السياسة والاقتصاد والوعي الجمعي بسببه؟ برحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لا تطوي قطر صفحة حاكمٍ سابق فحسب، بل [...]

مشاري الذايدي لا يمكن أن ينهض مجتمع ويتقدّم إلا بوجود مبدعيه، بكل المجالات، فهم الذين يسحبون عربة التاريخ للأمام، وينقلون القافلة من مرحلة إلى مرحلة، ولا يمكن أن يوجد الإبداع ويزدهر إلا بتشجيعٍ وجوائز ماديّة ومعنوية، وفوق ذلك: صونٌ لعطاء الناس وجهودهم، وألَّا يُترك المبدعُ غنيمة يتخاطفه، أو يتخاطف جهده، لصوص الإبداع، الذين استمرأوا نهب [...]

إبراهيم عبد الهادي في السياسة، لا يكون الحضور وحده صانعًا للمعنى، بل قد يصبح الغياب أكثر بلاغة من الخطب، وأكثر كثافة من الصور الجماعية. فالسلطة لا تتحدث دائمًا عبر البيانات الرسمية، بل كثيرًا ما تُفصح عن نفسها من خلال الرموز والإشارات، وما يُرى وما لا يُرى، وما يُقال وما يُترك عمدًا خارج المشهد. من هذا [...]

محمد فال معاوية في لحظة واحدة قد يفقد الإنسان عمله، لكن ما يفقده أحيانًا ليس الدخل… بل الطريقة التي يُرى بها. لم يعد السؤال عن الإنسان يبدأ من جوهره، بل من موقعه الاقتصادي: ماذا يملك؟ كم يربح؟ أين يقف في سلم الدخل؟ شيئًا فشيئًا، تراجع تعريف الإنسان بوصفه قيمة في ذاته، ليُعاد تقديمه بوصفه رقمًا [...]

عبدالمحسن سلامة يجب ألا يمر ما يحدث من انتكاسات للكيان الإسرائيلى فى نيويورك وغيرها مرور الكرام بل يجب التوقف أمامه، والبناء عليه، ووضع رؤية استراتيجية للتعامل معها من أجل كبح جماح إسرائيل، ومحاصرتها، وصولًا إلى هدف التعامل معها كدولة منبوذة عالميًا أسوة بما حدث مع نظام جنوب إفريقيا العنصرى قبل سقوطه. حينما نتحدث عن نيويورك [...]