
عام 2024 الذي سينتهي بعد أيام شهد أحداثاً ضخمة ستكون لها تداعيات كبيرة. سنتذكره طويلاً كما نتذكر أعوام 1976 و2001 و2011، وغيرها من الأعوام التي غيرت مسار التاريخ. سأعدد أهم هذه الأحداث حسب تقديري الشخصي:
لقد شكلت الميليشيات التابعة لإيران أكبر خطر يهدد استقرار المنطقة. بدل أن تتفرغ الدول وتركز على اقتصادها أصبحت مشغولة ومستهلكة بسبب هذا التمدد لعواصم عربية. وقوع المنطقة تحت الهيمنة الكاملة لهذا المحور بالاتفاق مع قوى غربية تعترف بالأمر الواقع، سيعني الوقوع في الهاوية، ولكن ببطء. كل هذا التهديد تراجع بشكل كبير بعد خروج سوريا من المعادلة، وانقطاع خطوط الإمداد العسكري واللوجيستي. بعد الحرب العالمية الثانية لم يكن لأوروبا أن تزدهر اقتصادياً وهي تخشى صعود ألمانيا وتهددها من جديد. لهذا تم تحييدها، والمفارقة أن هذا ساهم في نجاح ألمانيا نفسها وأصبحت دولة صناعية خلال سنوات قليلة. ربما ما حدث يدفع المنطقة كلها إلى الازدهار، بما فيها طهران نفسها التي خسرت كثيراً في تمويل ميليشيات ودعم الأسد، ولم تحقق شيئاً من هذه الاستثمارات.
هروب الأسد من دمشق ودخول الشرع إليها كانا من أهم الأحداث الكبيرة. نعرف جميعاً كيف دمر الأسد بلاده، ولكن المهم كيف سيتم بناؤها. وهذا ما قاله الشرع؛ فبلاده منهكة ومدمرة وبحاجة إلى إعادة البناء من جديد، وهذه هي الأولوية الكبرى والتصور الصحيح. بعد أن أخرجت من محور «المقاومة» الذي وضعها فيه الأسد وجر عليها الخراب، من المهم أن تدخل سوريا الجديدة محور «التنمية»، وأن تكون الشعارات التي ترفع هي سوريا أولاً، وسوريا للسوريين، والدين لله والوطن للجميع. التشويه والتلطيخ والهجوم على ما يحدث في سوريا، كل هذا يخدم أجندات المتطرفين الذين يريدون ويتمنون أن يروها ممزقة ومدمرة، ويستعيدوا بعض النفوذ الذي خسروه.
فوز الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب من أهم الأحداث في هذا العام. لا أحد يعرف كيف يفكر ترمب، ربما حتى ترمب نفسه، فهو يقول الشيء ونقيضه بالجملة نفسها. بدأ بالإحماء والمناوشات حتى قبل أن يدخل في البيت الأبيض، حيث قلّل من رئيس وزراء كندا جاستن ترودو وسمّاه «حاكم كندا»، مقترحاً أن تكون الولاية 51، وقال إن قناة بنما ملك لأميركا، وإنه سيشتري جزيرة غرينلاند، وأصر على ذلك رغم غضب الدنماركيين. كل هذا سيكون عروضاً جانبية أمام السياسات المهمة التي سينتهجها في الشرق الأوسط والحرب الأوكرانية – الروسية. ورغم الانتقادات التي تلاحق الرئيس جو بايدن بسبب عفوه عن ابنه، فإنه سيترك أوراقاً مهمة في يد ترمب، فكل خصوم أميركا، كما يقول الكاتب فريد زكريا، في مرحلة ضعف. الروس خسروا سوريا وعالقون في حرب وتحت عقوبات، والصينيون يعانون من تراجع اقتصادي، والإيرانيون خرجوا من سوريا وضعفت ذراعهم الأقوى «حزب الله» بعد أن قتل زعيمه حسن نصر الله، ودُمرت بنيته التحتية.
شراء إيلون ماسك منصة «إكس» منحته قوة سياسية، لم يكن أحد يتخيل أنها ستمنحه نفوذاً كبيراً، حتى على الرئيس ترمب الذي أرضاه بإدخاله إلى البيت الأبيض ومنحه منصباً. ماسك من أهم الشخصيات في 2024، وبالتأكيد لعب دوراً، ليس في انتصار الجمهوريين فحسب، ولكن في تغيير الخطاب الثقافي في أميركا من اليسار إلى اليمين. لقد هيمنت النخبة اليسارية على خطاب الإعلام والجامعات، وانتشرت ثقافة الإلغاء على أبسط الأخطاء، وأصبح الحديث عن تعدد الأجناس والمهاجرين محظوراً ومحرماً للنقاش. ورغم اعتراض الكثيرين فإن رجلاً بحجم ماسك، بثقله ونفوذه وأمواله، كان قادراً على تغيير البوصلة. وهناك مخاوف أن يدفع البوصلة أكثر نحو اليمين المتطرف، ليس داخل أميركا، ولكن حتى داخل أوروبا، حيث يلعب ماسك دور «النبي» المنقذ.
الأخبار المزيفة
إذا كان ماسك نجح في إعادة ترمب للبيت الأبيض، فإن الخطيئة التي يروج لها هي إيمانه أن منصة «إكس» ووسائل التواصل الاجتماعي هي الإعلام الحقيقي. ماسك يقول ذلك مدفوعاً بغضبه على وسائل الإعلام التي ناصبته العداء، ولطخت صورته، وتآمرت للقضاء عليه. وهو محق في موقفه منها، فهي على الأقل لم تتعامل معه بعدالة. ولكن حديثه أن المنصات بديل للصحافة يعني أن الكثير من المعلومات المزيفة ستذهب مباشرة إلى أذهان الناس من دون فلاتر. ومعلومات خاطئة، تعني قناعات خاطئة، تعني أفعالاً خاطئة. الصحافة الحزبية والمؤدلجة أجهزت على الصحافة. ولكن هذا لا يعني أن كل الصحافة دعائية، ولكن من المهم تثقيف الناس بأن يثقوا بالمصادر الحقيقية التي تقدم لهم المعلومات، حتى لو لم تعجبهم. الصحافي الحقيقي مثل الطبيب الذي يعطيك الدواء المر لعلاج المرض، والصحافي المنحاز (أو منصات التواصل) مثل الطبيب المزيف الذي يرفع روحك المعنوية ويقدم لك وصفة علاجية تتسبب بهلاكك. حسب إحصائية فإن 60 في المائة ممن يعتقدون أن تفجيرات 11 سبتمبر (أيلول) هي مؤامرة أميركية وتفجير من الداخل، يستقون معلوماتهم من وسائل التواصل. هذا المرض العقلي الذي أتحدث عنه، عليك أن تحمي بكل الوسائل أطفالك منه.

زيد بن كمي في الحروب الحديثة، لم يعد إسقاط الدول يتم عبر الاجتياح العسكري المباشر أو المواجهة التقليدية بين الجيوش، بل عبر مسار أسرع وأشد فتكاً، هو تفكيك الدولة من داخلها باستخدام كيانات أصغر تقدم على أنها كيان موازٍ للدولة، ويُدعم مالياً وعسكرياً، بينما تستعمل فعلياً كأدوات تخريب. هذا النمط كان موضوعاً لدراسة أكاديمية أجرتها [...]

عبد الرحمن الراشد عودة نشاط تنظيمات «القاعدة» في سوريا تعيدنا لقراءة الأحداث التي جلبت «القاعدة» لسوريا منذ البداية. نعم، هي «القاعدة» وليست «القاعدة». التنظيم ككيان الذي ولد واستقر في أفغانستان دمره الأميركيون رداً على هجمات سبتمبر (أيلول) 2001، وهربت معظم قياداته وعاشت سراً تحت سقف إيران. تفرّق جيشه وتشظى التنظيم إلى خلايا عملت مع مَن [...]

بكر عويضة لستُ أدري كم مرة مرَّ بي إطلاق تعبير «الرجل الصعب التَّوَقُّع» في وصف دونالد ترمب، خصوصاً من قِبَل صحف أميركية، أو بريطانية، وبدءاً بولاية الرئيس الأميركي الأولى، قَبل 10 سنوات. بَيدَ أنني بِتُّ أرجح أن معظم القيادات السياسية في العالم أجمع، إضافة إلى غالبية المراقبين، وكُتّاب التحليلات، وربما كلهم، صار التقييمُ الأدقُّ عندهم [...]

موسي مهدي النتائج والأهداف المعلنة من قبل إدارة ترامب تشمل إزالة مادورو من السلطة، وتأكيد الولايات المتحدة سيطرتها المؤقتة على فنزويلا، والسعي لتأمين احتياطيات فنزويلا النفطية، إضافة إلى ابتزاز الدول الصغيرة وتخويف قياداتها مستقبلاً للحصول على مزايا اقتصادية ومالية واستثمارية. ربما تكون الخطوط العريضة لما يأمل ترامب تحقيقه من القبض على مادورو ثمانية أهداف، وهي: [...]

إبراهيم أبو عواد حين تعجز اللغة المباشرة عن اختراق جدران العادات المتصلبة، وحين يصبح الوعظ ثقيلًا على الأذن والعقل، تولد السخرية بوصفها فنًّا للقول غير المباشر، ولسانًا يضحك ليُبكي، ويُخفي الجرح في ابتسامة. ليست السخرية ترفًا بلاغيًّا، بل هي موقف فكري وأخلاقي، وسلاح حضاري استخدمه الكتّاب حين ضاقت بهم سبل الإصلاح الصريح. وفي تاريخ الأدب [...]

لم تعدِ الأزمة اليمنية قابلةً للقراءة بوصفها صراعاً تقليدياً على السلطة أو نزاعاً بين أطراف متحاربة، بل تحوَّلت أزمةَ دولةٍ غائبة، أو بأدقّ من ذلك: أزمة «دولة فراغ». هذا الفراغ، لا الحرب وحدها، هو الخطر الحقيقي الذي يجعل اليمن قنبلةً مؤجلةً تهدد اليمنيين ومحيطهم الإقليمي على حد سواء. ما جرى في وادي حضرموت أواخر عام [...]