
أمير طاهري
في بعض الحضارات القديمة، كان يُمنح لكل عام اسمٌ بدلاً من رقم؛ فكان هناك مثلاً «عام الجراد»، أو «عام الفيضان»، أو «عام الحصاد الذهبي».
وعلى نهج ذلك التقليد، فما هو المسمّى الذي تعتقد أنه يناسب عام 2025؟
أحد المقترحات هو «عام الانطباعات». يمكن تبرير ذلك الاسم بالإشارة إلى عشرات المحاولات المجهضة لإحلال السلام في مختلف أنحاء العالم، والتسويات الهشّة بشأن الرسوم الجمركية والتجارة، وحالة الجمود التي تتخفّى تحت رداء النشاط المفرط. ففي العام الذي يُلمْلِم أوراقه، قضى القادة وقتاً أطول في الانتقال من مكان إلى آخر، وإلقاء الخطابات، وإجراء المقابلات التلفزيونية، وقصّ شرائط الافتتاح، ومصافحة الجماهير، أكثر ممّا قضوه في مواجهة القضايا الجوهرية القائمة.
إن «الانطباعية» هي مدرسة في الرسم لا تُعرَض فيها الأشياء الحقيقية بصورة فوتوغرافية أبداً؛ فأنت ترى شكلاً يشبه الشجرة لكنه ليس شجرة، وتشاهد ظلاً بشرياً قد يوحي بأنه راقص «فلامنكو»، لكنه في الحقيقة ليس كذلك. وهكذا، في «السياسة الانطباعية»، تجد أقوالاً وأفعالاً تُلمِح إلى الحقائق من دون أن تضعها فعلياً في إطار محدّد.
إليكم بعض الأمثلة: من المفترض أن «النظام العالمي القديم» يتداعى، لكن عند الفحص الدقيق فيه نراه مستقراً في حالة ترنّحه ذاتها. ومن المفترض أن الولايات المتحدة في طريقها لمغادرة حلف الناتو، لكنها في الواقع تزيد من وجودها العسكري في أوروبا. ويبدو أن هناك اتفاق سلام مغرياً بات قاب قوسين أو أدنى في أوكرانيا، غير أنه ينزلق دائماً من بين الأصابع مثل سمكة رشيقة. تُكشَف الستار عن خطة لامعة لتسوية الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، لكنها سرعان ما تتلاشى في ظلال بالغة العمق. أما الجمهورية الإسلامية في إيران، فتظهر تارة في مظهر المرتدع، لكنها سرعان ما تعاود الظهور بخطاب أكثر تحدّياً.
والصين التي تبدو على وشك غزو تايوان، تتقهقر بحذر في كل مرة. كما كان «الاستعراض الأخلاقي» أو «التظاهر بالفضيلة» سمة رئيسية أخرى لعام 2025؛ إذ انبرت بلدان مختلفة وعشرات الشخصيات العامة، ناهيك عن «كل من هبّ ودبّ»، في الإعراب عن شديد آلامهم دفاعاً عن هذه الضحية أو تلك، حقيقية كانت أم خيالية، مع أصوات تطالب بوقف الإبادة الجماعية والتنديد بالجرائم ضد الإنسانية، مع دعوات المقاطعة تُعزَف كموسيقى تصويرية في خلفية الأحداث. بكلمات أخرى، كان عام 2025 عاماً من «الألاعيب السياسية» أو المسرحيات الهزلية. ولكن ماذا عن عام 2026؟
إحدى الإجابات البديهية هي أن هذه المسرحية قد تستمر؛ فممارسة السياسة كفنٍّ للإيماءات والحركات الاستعراضية أسهل بكثير من ممارستها كحِرفةٍ رآها أرسطو ذروة البراعة البشرية. ومع ذلك، وعلى الرغم من مخاطرة الظهور بمظهر المحلّل «المفرط في التفاؤل»، قد يأمل المرء في أن يصبح عام 2026 عاماً لـ«الإيضاحات»، حيث تتجسّد الصور الانطباعية المرسومة هنا وهناك وتتحوّل إلى حقائق ملموسة.
ولكي يتحقّق هذا الأمل، يجب أن تحدث أمور عدة؛ إذ ينبغي للرئيس دونالد ترمب أن يقضي وقتاً أقل في رعاية حسابه على منصة «سوشيال تروث»، ويركّز أكثر على استراتيجية رابحة لانتخابات التجديد النصفي المقبلة. فخصومه بدأوا بالفعل في الاحتفال، وتأهّبت أنفسهم توقّعاً لخسارته وتحوله إلى «بطة عرجاء»، أي رئيس بلا نفوذ. بيد أن العكس يبدو أكثر احتمالاً؛ مع تحقيق ترمب فوزاً كبيراً، ومعاناة الحزب الديمقراطي – المشلول جرّاء جناحه اليساري ذي الرعونة – من هزيمة تاريخية مجدّدة. وكما أظهرت الانتخابات الأخيرة في أميركا اللاتينية، فإن «السياسة الترمبية» لا تزال الرياح تجري بما تشتهيه سفنها في جميع أنحاء العالم.
إن الاتحاد الأوروبي، الذي قد يُوصَف الآن بـ«رجل أوروبا المريض»، قد يجد نفسه مضطراً لإعادة التفكير في هيكله المعيب بكل وضوح، وذلك من أجل استعادة دور عالمي يتلاءم مع قوته الاقتصادية ومكانته الثقافية.
أما الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، فعليه التوقف عن مراكمة «أميال الطيران» بالسفر المتواصل، والتركيز بصورة أكبر على تطهير صفوفه وترتيب بيته الداخلي والاستعداد للانتخابات. وأفضل ما يمكن فعله هو وقف النزيف. وحلف الناتو لا يسير على طريق الزوال، ولكن لكي يظل ذا صلة بالواقع، يجب عليه مقاومة إغراءات الظهور لاعباً مستقلاً. ففي هذا السياق، كان الخطاب الأخير للأمين العام للحلف مارك روته – الذي بدا فيه وكأنه يعتقد أن الناتو في حالة حرب بالفعل مع روسيا – بمثابة «زلة» مفاجئة من سياسي مخضرم عُرف بحذره ودهائه الشديد.
من جانبه، يجب على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يدرك أن الحرب في أوكرانيا لا يمكن أن تنتهي وفق شروطه الخاصة.
وفي الصين، بدأ الرئيس شي جينبينغ يدرك أن هناك أولويات أخرى لديه أكثر أهمية من ضم تايوان. فبعيداً عن العناوين الرئيسية، بدأت نخبة أعمال جديدة صاعدة – محصّنة داخل الحزب الشيوعي – تشعر بالقوة الكافية لتوجيه انتقادات ضمنية لجوانب معيّنة.
أما اليابان، فإنها تعيد تنظيم صفوفها للدخول إلى الساحة العالمية لاعباً سياسياً نشطاً، بينما تكشف عن برنامج طموح لمعالجة العجز الديموغرافي الكارثي الذي تعاني منه. وفي الشرق الأوسط، من شأن الحديث عن «حل الدولتين» أن يستمر، ريثما يُتوصل إلى صيغة تعايش مفترضة. بدأت عشرات الشركات العالمية بالفعل تتحيّن الفرص طمعاً في عقود مغرية لإعادة إعمار سوريا، بيد أن ذلك لن يكون ممكناً من دون استقرار لبنان أولاً كدولة ذات سيادة، حتى يكون مقراً إقليمياً للشركات المتأهبة لإعادة إعمار سوريا، حينما – وإذا ما – نجحت حكومتها الجديدة في فرض سيادتها وقرارها على كامل ترابها الوطني.
أما إيران، فتظل «لغزاً مفعماً بالغموض». ففي الحكايات الشعبية الفارسية، غالباً ما يصل الأبطال إلى مفترق طرق يُطرح فيه سؤال: «ماذا أفعل الآن؟».
وبينما لا تزال تركيا تصارع أزمة هوية تحت قيادة الرئيس رجب طيب إردوغان، فإنها تبدو نافورةً لا تزال تندفع إلى الأعلى أكثر فأكثر. لكننا نعلم أن النوافير تهوي عندما تصل إلى أقصى نقطة في اندفاعها.
وفي النهاية، يجب التعامل مع ما ورد أعلاه كملحوظات، وليس توقّعات، وعام سعيد لكم.

الدكتور عادل عثمان في حلقة جديدة من مسلسل الرعب الذي يطارد السودانيين في مصر، قُتلت اللاجئة السودانية الحامل زينب حسن (29 عامًا) مع جنينها في القاهرة، بعدما اقتحمت قوة من الشرطة المصرية الشقة التي تقيم فيها أسرة سودانية وسط إطلاق كثيف للنار، ما أثار حالة من الذعر داخل المبنى. وفي محاولة يائسة للفرار من الرعب، [...]

حازم صاغية لم تشكّل حرب «طوفان الأقصى» و«حرب الإسناد» وسقوط النظام السوريّ أحداثاً حربيّة ضخمةً فحسب، بل كانت أيضاً حدثاً آيديولوجيّاً جبّاراً مفاده انهيار السرديّات النضاليّة التي سيطرت لعقود على المنطقة. فالإخوانيّة السنّيّة ممثّلة بـ«حماس» أصيبت بضربة قاتلة شاركتها مأساتَها المسألةُ الفلسطينيّة في قراءتها الإسلاوميّة. والتداعي نفسه أصاب، بإصابته «حزب الله»، الشيعيّةَ الراديكاليّة، ومعها تصوّر [...]

إبراهيم أبو عواد تتجدد بين الحين والآخر التكهنات حول احتمال مواجهة مباشرة بين إيران وأمريكا، في ظل توترات مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، والوجود العسكري الأمريكي في الخليج، وشبكة التحالفات الإقليمية المتشابكة. ودراسة أدوات القوة العسكرية لكلٍ منهما تكشف اختلافًا عميقًا في العقيدة القتالية وطبيعة الاستعداد للحرب. في سلاح الجو، تمتلك واشنطن مقاتلات شبحية متقدمة، إضافة [...]

مشاري الذايدي كما ذكرنا آنفاً، فإنَّ هناك مواضع من الأرض تملك طاقةً تاريخية لا تفنى، مهما تبدّلت العصور، لأسبابٍ يشقُّ شرحُها هنا. منها بلدة أو مدينة (سامرّاء) العراقية، وسبب توقفّنا اليوم في سلسلة «موضعٌ وموضوع» هو أنّه في مثل هذا اليوم، 22 فبراير (شباط) من عام 2006 وقعت الواقعة في المدينة ذات العبَق العبّاسي، حين [...]

إبراهيم أبو عواد القلق الوجودي ليس حالة نفسية عابرة، بل هو سؤال الكائن حين يضع رأسه على حافة المعنى، وينظر في هوّة الوجود دون وسائط مطمئنة. وفي الشعر يتحوّل هذا القلق إلى لغة ونبرة وجسد لغوي يرتجف وهو يحاول تسمية ما لا يُسمّى. في هذا الأفق تلتقي تجربتان شعريتان متباعدتان جغرافيًا وثقافيًا، لكنهما متجاورتان روحيًا. [...]

إبراهيم أبو عواد الشكّ المنهجي هو وسيلة مؤقتة لفحص مصادر المعرفة ومبادئها، واستبعاد كل ما لا يقوم على أساس يقيني، تمهيدًا لإقامة معرفة صحيحة ثابتة. في هذا المجال يلتقي الغزالي وديكارت، على اختلاف السياق الحضاري والمرجعية الدينية واللغة الفلسفية. فكلاهما جعل من الشك طريقًا لا غاية، ومن الهدم المؤقت سبيلًا إلى بناء الحقيقة. غير أن [...]