
إبراهيم أبو عواد
الشكّ المنهجي هو وسيلة مؤقتة لفحص مصادر المعرفة ومبادئها، واستبعاد كل ما لا يقوم على أساس يقيني، تمهيدًا لإقامة معرفة صحيحة ثابتة.
في هذا المجال يلتقي الغزالي وديكارت، على اختلاف السياق الحضاري والمرجعية الدينية واللغة الفلسفية. فكلاهما جعل من الشك طريقًا لا غاية، ومن الهدم المؤقت سبيلًا إلى بناء الحقيقة. غير أن التشابه لا يلغي التمايز، ولا يعني الاتفاق في المنهج وحدة النتائج أو المنطلقات. والمقارنة بين الشك المنهجي عندهما تفتح نافذة واسعة لفهم طبيعة العقل، وحدود المعرفة، وعلاقة الإنسان بالحقيقة.
نشأ شكّ الغزالي في سياق أزمات روحية ومعرفية عميقة؛ فقد وجد نفسه محاطًا بتعدد الفرق والمذاهب: المتكلمون، والفلاسفة، والباطنية، والصوفية، وكل فريق يدّعي امتلاك الحقيقة. هذا التنازع دفعه إلى مساءلة أدوات المعرفة ذاتها: هل الحس صادق؟ وهل العقل يقيني؟ وهل يمكن الوثوق بما ورثه الإنسان من تقاليد؟ لم يكن شكّه ترفًا ذهنيًا، بل صرخة باحث عن يقين يطمئن إليه القلب قبل العقل.
أما ديكارت، فقد جاء شكّه في سياق أزمة معرفية أوروبية مع بداية العصر الحديث، حيث اهتزت سلطة المعرفة المدرسية، وبرزت الحاجة إلى تأسيس العلم على قواعد جديدة لا تقبل الشك، فأعلن البدء من الصفر، ورفض كل ما يمكن الشك فيه.
يشترك الاثنان في نقد المعرفة الحسية؛ فالحواس قد تخدع: الظل يبدو ساكنًا وهو متحرك، والكوكب يبدو صغيرًا وهو أعظم من الأرض. ومن هنا لا يصلح الحس أساسًا لليقين المطلق. غير أن الغزالي لم يقف عند هذا الحد، بل اتجه إلى العقل ذاته متسائلًا: إذا كان العقل قد حكم بخطأ الحس، فما الذي يمنع أن يكون وراء العقل ميزانٌ أعلى يكشف حدوده؟
ديكارت بدوره جعل من خداع الحواس نقطة انطلاق لشكّه، ثم وسّع دائرة الشك لتشمل حتى العمليات العقلية نفسها، ليصل إلى أقصى درجات الشك المنهجي، حيث لا يترك شيئًا من المعرفة الموروثة دون اختبار.
على الرغم من جذرية الشك عندهما، فإن الغاية لم تكن الهدم الدائم، بل الوصول إلى يقين لا يتزعزع. غير أن طريق الخروج من الشك اختلف اختلافًا جوهريًا.
فالغزالي انتهى إلى أن اليقين لا يُنال بالعقل المجرد وحده، بل بنور يقذفه الله في القلب. وهذا لا يعني إلغاء العقل، بل وضعه في حدوده الطبيعية، والاعتراف بأن أسمى الحقائق تحتاج إلى تجربة روحية وتزكية باطنية. ومن هنا كانت التجربة الصوفية عنده ذروة طريق اليقين، لا نقيضًا للعقل بل مكمّلة له.
أما ديكارت فوجد نقطة اليقين الأولى في عبارته الشهيرة: «أنا أفكر، إذًا أنا موجود». فحتى لو شكّ في كل شيء، لا يستطيع أن يشك في أنه يشك، ولا في أنه يفكر. وهكذا بنى نسقه المعرفي انطلاقًا من بداهة عقلية، ثم أقام عليها بناء المعرفة، وجعل الإيمان بالله ضامنًا لصدق العقل وعدم وقوعه في الخداع الدائم.
يمثّل الشك المنهجي عند الغزالي رؤية تكاملية للعقل والإيمان؛ فالعقل أداة ضرورية لكنه ليس المصدر النهائي للحقيقة. أما عند ديكارت، فيمثل لحظة مفصلية في تاريخ الفلسفة الغربية، حيث أصبح العقل نقطة الارتكاز الأساسية في تأسيس المعرفة.
يلتقي الاثنان في اعتبار الشك منهجًا لا غاية، وفي نقد التسليم للموروث دون تمحيص، وفي البحث عن يقين أولي تُبنى عليه المعرفة. ويفترقان في مصدر هذا اليقين: فهو نور إلهي وتجربة روحية عند الغزالي، مقابل بداهة عقلية مؤسسة عند ديكارت. كما يختلف مشروعهما؛ فهو إصلاحي روحي عند الأول، وتأسيسي فلسفي علمي عند الثاني.
إن الشك المنهجي عندهما ليس مجرد تمرين ذهني، بل فعل فكري في مواجهة الزيف واليقين السهل. الحقيقة لا تُورث، بل تُنال بالكفاح العقلي والصدق الداخلي. غير أن الغزالي يرى أن العقل، مهما بلغ، يظل محتاجًا إلى نورٍ أعلى، بينما يصرّ ديكارت على أن في العقل ذاته بذرة الخلاص المعرفي.

سمير عطا الله تغيَّر نمطُ الحياة في الأشهر الأخيرة تغيراً جذريّاً ما بين متوقعات العمر وطوارئ السن. اختصرت برامج الأسفار ثم ألغيتها. وكنت أول من يصل إلى المؤتمرات المقررة، وصرت أول من يعتذر. ومع الوقت أدرك الفريقان، رفاق المؤتمرات وأنا، أن الغياب خارج عن إرادتي. كان خوف من أن أصاب بوعكة والناس في مهرجان فرح [...]

محمد فال معاوية ليست كل الدول تُصنع بالجغرافيا؛ فبعضها يُعاد تعريفه بإرادة رجل، وبحلمٍ يسبق الخرائط. وعندما يرحل ذلك الرجل، لا يكون السؤال: كم عامًا حكم؟ بل: ماذا بقي بعده؟ وما الذي تبدّل في خريطة السياسة والاقتصاد والوعي الجمعي بسببه؟ برحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لا تطوي قطر صفحة حاكمٍ سابق فحسب، بل [...]

مشاري الذايدي لا يمكن أن ينهض مجتمع ويتقدّم إلا بوجود مبدعيه، بكل المجالات، فهم الذين يسحبون عربة التاريخ للأمام، وينقلون القافلة من مرحلة إلى مرحلة، ولا يمكن أن يوجد الإبداع ويزدهر إلا بتشجيعٍ وجوائز ماديّة ومعنوية، وفوق ذلك: صونٌ لعطاء الناس وجهودهم، وألَّا يُترك المبدعُ غنيمة يتخاطفه، أو يتخاطف جهده، لصوص الإبداع، الذين استمرأوا نهب [...]

إبراهيم عبد الهادي في السياسة، لا يكون الحضور وحده صانعًا للمعنى، بل قد يصبح الغياب أكثر بلاغة من الخطب، وأكثر كثافة من الصور الجماعية. فالسلطة لا تتحدث دائمًا عبر البيانات الرسمية، بل كثيرًا ما تُفصح عن نفسها من خلال الرموز والإشارات، وما يُرى وما لا يُرى، وما يُقال وما يُترك عمدًا خارج المشهد. من هذا [...]

محمد فال معاوية في لحظة واحدة قد يفقد الإنسان عمله، لكن ما يفقده أحيانًا ليس الدخل… بل الطريقة التي يُرى بها. لم يعد السؤال عن الإنسان يبدأ من جوهره، بل من موقعه الاقتصادي: ماذا يملك؟ كم يربح؟ أين يقف في سلم الدخل؟ شيئًا فشيئًا، تراجع تعريف الإنسان بوصفه قيمة في ذاته، ليُعاد تقديمه بوصفه رقمًا [...]

عبدالمحسن سلامة يجب ألا يمر ما يحدث من انتكاسات للكيان الإسرائيلى فى نيويورك وغيرها مرور الكرام بل يجب التوقف أمامه، والبناء عليه، ووضع رؤية استراتيجية للتعامل معها من أجل كبح جماح إسرائيل، ومحاصرتها، وصولًا إلى هدف التعامل معها كدولة منبوذة عالميًا أسوة بما حدث مع نظام جنوب إفريقيا العنصرى قبل سقوطه. حينما نتحدث عن نيويورك [...]