
إبراهيم أبو عواد
القلق الوجودي ليس حالة نفسية عابرة، بل هو سؤال الكائن حين يضع رأسه على حافة المعنى، وينظر في هوّة الوجود دون وسائط مطمئنة. وفي الشعر يتحوّل هذا القلق إلى لغة ونبرة وجسد لغوي يرتجف وهو يحاول تسمية ما لا يُسمّى.
في هذا الأفق تلتقي تجربتان شعريتان متباعدتان جغرافيًا وثقافيًا، لكنهما متجاورتان روحيًا. كلتاهما كتبت من قلب القلق، لا بوصفه فكرة فلسفية مجردة، بل بوصفه معاناة يومية وجرحًا مفتوحًا في الذات.
عند سنية صالح ينبع القلق من هشاشة الكائن في عالم عربي مضطرب، ومن شعور عميق بالاغتراب داخل الجسد واللغة والمصير. هي لا تكتب عن القلق، بل تكتب به، كأن القصيدة نفسها كائن قلق يتقدّم ويتراجع، يتلعثم أحيانًا ويصرخ أحيانًا أخرى. وشعرها لا يبحث عن خلاص نهائي، بل يكتفي بتعرية الجرح والوقوف طويلًا أمام الأسئلة الكبرى: الموت، الوحدة، الحب، الأمومة، والزمن الذي ينهش الروح بصمت.
أما سيلفيا بلاث فيتخذ القلق عندها طابعًا أكثر حدّة واندفاعًا، أقرب إلى الانفجار الداخلي. قلقها وجودي، لكنه أيضًا نفسي، يتشابك مع الاكتئاب والهوية الأنثوية والضغط الاجتماعي. قصيدتها لا تمشي على حافة الهاوية فقط، بل تقفز أحيانًا داخلها محاولة فهم السقوط ذاته. الذات عندها ساحة صراع عنيف بين الرغبة في الحياة والرغبة في التلاشي، بين الصوت والرغبة في الصمت الأبدي.
يشكّل الجسد محورًا أساسيًا في تجربة الشاعرتين. عند سنية صالح الجسد كائن متعب، مريض، ومحاصر بالخسارات والانتظار؛ جسد يعيش القلق بصمت نبيل، لا يصرخ كثيرًا بل يتآكل ببطء، ويظهر بوصفه مكانًا للألم والذاكرة لا موضوعًا للزينة أو الاحتفاء.
في المقابل يتحوّل جسد سيلفيا بلاث إلى ساحة مواجهة مباشرة مع العدم؛ جسد يتكلم، يحتج، ينكسر، ويُعاد تشكيله لغويًا بقسوة. القلق هنا ليس ساكنًا، بل عنيف يعيد تعريف الجسد باعتباره هشًّا وقابلًا للفناء في كل لحظة.
تكتب سنية صالح بلغة شفيفة مقتصدة، لكنها مشحونة بطاقة داخلية عالية، تشبه اعترافًا يُقال بصوت منخفض خوفًا من انكساره. القلق في لغتها يتجلّى عبر الفراغات والتأمل العميق.
أما سيلفيا بلاث فتلجأ إلى لغة صادمة، مليئة بالصور الحادّة والاستعارات القاسية. لغتها لا تخشى العنف الرمزي ولا تتردد في تعرية الذات حتى أقصى درجات الهشاشة، فيتحول القلق إلى إيقاع متوتر وصور مكثفة تكاد تكون صرخة وجودية مكتملة.
يلتقي صوتا الشاعرتين عند سؤال الأنوثة بوصفه تجربة وجودية مركّبة. فالأدوار الاجتماعية والقيود الثقافية تتحول إلى مصدر اختناق واغتراب، وإلى بحث دائم عن الحرية والمعنى. غير أن نبرة المواجهة تختلف؛ سنية صالح تُصغي إلى القلق وتحتويه، بينما سيلفيا بلاث تشتبك معه حتى الاحتراق.
الموت حاضر بقوة في التجربتين، لكنه يختلف في الوظيفة والدلالة. عند سنية صالح هو ظلّ تأملي يراقب الحياة من الخلف، أما عند سيلفيا بلاث فيكاد يكون شخصية مركزية وهاجسًا دائمًا، يتحول إلى سؤال ثقيل وإغراء فلسفي ونفسي معًا.
هكذا لا يُقرأ شعرهما بوصفه تعبيرًا ذاتيًا فحسب، بل شهادة وجودية على هشاشة الإنسان في مواجهة العالم والذات والمصير. بين الهمس والصرخة يتشكّل شعرهما كوثيقة إنسانية عالية الكلفة، تثبت أن القلق الوجودي أحد أشكال الوعي العميق بالحياة وحدودها.

سمير عطا الله تغيَّر نمطُ الحياة في الأشهر الأخيرة تغيراً جذريّاً ما بين متوقعات العمر وطوارئ السن. اختصرت برامج الأسفار ثم ألغيتها. وكنت أول من يصل إلى المؤتمرات المقررة، وصرت أول من يعتذر. ومع الوقت أدرك الفريقان، رفاق المؤتمرات وأنا، أن الغياب خارج عن إرادتي. كان خوف من أن أصاب بوعكة والناس في مهرجان فرح [...]

محمد فال معاوية ليست كل الدول تُصنع بالجغرافيا؛ فبعضها يُعاد تعريفه بإرادة رجل، وبحلمٍ يسبق الخرائط. وعندما يرحل ذلك الرجل، لا يكون السؤال: كم عامًا حكم؟ بل: ماذا بقي بعده؟ وما الذي تبدّل في خريطة السياسة والاقتصاد والوعي الجمعي بسببه؟ برحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لا تطوي قطر صفحة حاكمٍ سابق فحسب، بل [...]

مشاري الذايدي لا يمكن أن ينهض مجتمع ويتقدّم إلا بوجود مبدعيه، بكل المجالات، فهم الذين يسحبون عربة التاريخ للأمام، وينقلون القافلة من مرحلة إلى مرحلة، ولا يمكن أن يوجد الإبداع ويزدهر إلا بتشجيعٍ وجوائز ماديّة ومعنوية، وفوق ذلك: صونٌ لعطاء الناس وجهودهم، وألَّا يُترك المبدعُ غنيمة يتخاطفه، أو يتخاطف جهده، لصوص الإبداع، الذين استمرأوا نهب [...]

إبراهيم عبد الهادي في السياسة، لا يكون الحضور وحده صانعًا للمعنى، بل قد يصبح الغياب أكثر بلاغة من الخطب، وأكثر كثافة من الصور الجماعية. فالسلطة لا تتحدث دائمًا عبر البيانات الرسمية، بل كثيرًا ما تُفصح عن نفسها من خلال الرموز والإشارات، وما يُرى وما لا يُرى، وما يُقال وما يُترك عمدًا خارج المشهد. من هذا [...]

محمد فال معاوية في لحظة واحدة قد يفقد الإنسان عمله، لكن ما يفقده أحيانًا ليس الدخل… بل الطريقة التي يُرى بها. لم يعد السؤال عن الإنسان يبدأ من جوهره، بل من موقعه الاقتصادي: ماذا يملك؟ كم يربح؟ أين يقف في سلم الدخل؟ شيئًا فشيئًا، تراجع تعريف الإنسان بوصفه قيمة في ذاته، ليُعاد تقديمه بوصفه رقمًا [...]

عبدالمحسن سلامة يجب ألا يمر ما يحدث من انتكاسات للكيان الإسرائيلى فى نيويورك وغيرها مرور الكرام بل يجب التوقف أمامه، والبناء عليه، ووضع رؤية استراتيجية للتعامل معها من أجل كبح جماح إسرائيل، ومحاصرتها، وصولًا إلى هدف التعامل معها كدولة منبوذة عالميًا أسوة بما حدث مع نظام جنوب إفريقيا العنصرى قبل سقوطه. حينما نتحدث عن نيويورك [...]