
الدكتور عادل عثمان
في حلقة جديدة من مسلسل الرعب الذي يطارد السودانيين في مصر، قُتلت اللاجئة السودانية الحامل زينب حسن (29 عامًا) مع جنينها في القاهرة، بعدما اقتحمت قوة من الشرطة المصرية الشقة التي تقيم فيها أسرة سودانية وسط إطلاق كثيف للنار، ما أثار حالة من الذعر داخل المبنى. وفي محاولة يائسة للفرار من الرعب، سقطت زينب من الطابق السادس، فماتت في الحال، ومات جنينها معها. الجريمة وقعت أمام شهود عيان، وتحت أعين الجيران الذين حاولوا منع القوة الأمنية من المغادرة وتقديم الإسعافات، قبل أن يتأكدوا أن الأم وجنينها قد فارقا الحياة. واقعة تهز الضمير الإنساني، وتكشف إلى أي مدى وصل التوحش في التعامل الأمني مع السودانيين في مصر.
ما يحدث اليوم للسودانيين في مصر ليس مجرد «تجاوزات فردية» أو «سوء تقدير أمني»، بل منظومة كاملة من القسوة والعنصرية وانتهاك القانون تُدار بدم بارد وتُغطّى بصمت رسمي. حين يُعتقل لاجئ يحمل أوراقًا سارية ويُرمى في زنزانة خانقة حتى يموت اختناقًا أو جوعًا أو قهرًا، فهذه ليست دولة قانون، بل مقصلة متنقلة تُنصب في أقسام الشرطة. وحين يُقتل طفل بعمر الثامنة عشرة بعد خمسة وعشرين يومًا من الاعتقال التعسفي، فهذه ليست «إجراءات»، بل جريمة قتل مكتملة الأركان.
وعندما سُئل وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، عن أوضاع السودانيين في مصر، اختصر المأساة بتعالٍ وسخرية قائلاً: “أوضاعهم زي الفل”. قالها وهو يعلم — أو ينبغي أن يعلم — أن الطفل النذير الصادق لفظ أنفاسه داخل محبسه، وأن الشيخ مبارك قمر الدين أبو حوة (67 عامًا) مات في قسم الشرطة رغم أنه يحمل بطاقة مفوضية سارية وإيصال موعد رسمي لتجديد الإقامة. أي «فل» هذا الذي ينمو في زنازين بلا هواء ولا ماء، وأي «فل» يُسقى بدماء اللاجئين، يا عبدالعاطي بيه؟
الشبكة المصرية لحقوق الإنسان رصدت وفيات متتالية بسبب سوء المعاملة والاحتجاز الكارثي، لكن بدلاً من فتح تحقيقات مستقلة، اختارت السلطة الهروب إلى الأمام، وتفضيل الصمت، وشيطنة الضحايا. الصحافة السودانية حاولت سؤال الوزير، ونقلت كاميرات التلفزة العربية المشهد: “المسؤول المصري يشيح بوجهه ويغادر”، بينما الحقائق المؤسفة تصرخ بأعلى صوت في مسامعه: هل هذه دولة تحترم حقوق الجار، وهل تستحق لقب “الدولة الشقيقة”؟
المأساة الأشد فظاعة قصة الطفلتين اللتين تُركتا لتموتا جوعًا وعطشًا بعد أن اعتقلت الشرطة أمهما عندما خرجت لشراء رغيف الخبز. صادرت الشرطة هاتفها ومنعتها من الاتصال بأي أحد، ورفضت السماح لها بالعودة لتأمين طفلتيها. خمسة عشر يومًا من الاحتجاز انتهت بترحيلها، لكن ابنتيها كانتا قد فارقتا الحياة. هل هناك تعريف أوضح لـ«القتل العمد» من هذا، وأي ضمير ينام فوق جثتين لطفلتين لم ترتكبا سوى أنهما وُلدتا سودانيتين؟
ثم يتساءل الكثير من المصريين لماذا نغضب، رغم أنهم يعرفون أن “القانون” يُدهس تحت أقدام الأمن كل صباح، وأن اللاجئين الأبرياء الذين يحملون بطاقات المفوضية السامية للاجئين يُساقون إلى الحجز والترحيل كأنهم لصوص. الشيخ يُعتقل وهو ذاهب للصلاة في المسجد، والأم تُسجن لأنها خرجت لشراء الخبز، والطالب يُحتجز وهو في الطريق إلى المدرسة، ويُقتل الطفل اختناقًا في “تخشيبة” لا تصلح حتى للوحوش.
دعونا نسأل: هل كانت مصر ستقبل لو حدث هذا لمواطنيها في السودان أو أي بلد آخر؟ هل كانت ستصمت لو مات مصري اختناقًا في قسم شرطة دولة أخرى حتى لو كان مجرمًا؟ هل كانت ستعتبر “أوضاعهم زي الفل” لو تُركت طفلتان مصريتان لتموتا جوعًا لأن شرطة بلد ما احتجزت أمهما وصادرت هاتفها ومنعتها من الاتصال بمن يعتني بهما؟ بالطبع لا، كانت ستقيم الدنيا ولا تقعدها.
لكن حين يكون المقتول سودانيًا، يتحول الضحية إلى مجرم والقاتل إلى ضحية، والقانون إلى رصاصة في صدور الشيوخ والنساء والأطفال الأبرياء. ويا للعار، فلا السفير السوداني في القاهرة ولا أي مسؤول سوداني آخر نطق ولو بكلمة عتاب للأشقاء، بل إن البعض، بمن فيهم السفير عماد عدوي، يدافعون عن جرائم السلطات المصرية ويجدون لها المبررات. فلماذا لا تستمر في ارتكاب جرائمها البشعة ضد السودانيين الأبرياء الذين استجاروا بها فرارًا من الحرب؟ ينطبق عليهم بيت الشعر: “كالمستجير من الرمضاء بالنار”!
هذه ليست إساءة لشعب مصر، بل وقائع موثقة لسلطة جعلت من الأجهزة الأمنية عصابات تطارد السودانيين الأبرياء بدون سبب، وتملك الحق في الاعتقال والتجويع والخنق…

د. سامر رائد الجابري في ظل تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران منذ اندلاع الحرب الأميركية‑الإسرائيلية على طهران في فبراير الماضي، يجد صانعو القرار الخليجي أنفسهم أمام مفترق طرق استراتيجي حساس. السؤال الذي يواجههم هو إلى أي مدى يمكن الانخراط في مواجهة مفتوحة مع إيران دون أن يتحول الدور الإقليمي إلى فخ لمصالحهم؟ الخطاب الأميركي [...]

محمد فال معاوية منذ اندلاع الحرب الأميركية‑الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير الماضي، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب سلسلة من التصريحات التي شكلت جزءًا من استراتيجيته الإعلامية والسياسية، محاولًا توجيه الرسائل إلى حلفائه وخصومه على حد سواء. وحتى الآن، يمكن حصر أبرز هذه التصريحات في سبع إلى ثماني مواقف بارزة، شملت الإعلان عن العمليات العسكرية، [...]

د. إلياس جمال الدين الطائي حين يصبح القانون أداة لإلغاء حياة إنسان، وتتحول العدالة إلى آلة موت، يُكتب للفلسطينيين الفصل الأحدث من معاناتهم: المشنقة القانونية. إسرائيل لم تعد تقتل الفلسطينيين فقط في الميدان، بل تمنح القتل صفة رسمية، ويصبح الموت مشروعًا بالدستور والقوانين، كما لو أن حقوق الإنسان مجرد حبر على ورق. هذا القانون الجديد [...]

د. زياد فارس الحارثي قبل خمسة عشر عامًا، نشر يرجين كتابه “السعي: الطاقة والأمن وإعادة تشكيل العالم الحديث”، محذرًا من أن مضيق هرمز يمثل حجر الزاوية في أمن الطاقة العالمي. اليوم، تبدو تحذيراته أكثر واقعية من أي وقت مضى. الصراعات السياسية والاقتصادية في المنطقة لم تنتج حربًا تقليدية، لكنها أثرت بالفعل على إمدادات النفط وحياة [...]

أديتيا تشاكرابورتي لعلّ دانيال يرجين هو أشهر كاتب في مجال أسواق النفط. فقد حاز عمله على جائزة بوليتزر، واستعان بنصائحه كل رئيس أمريكي، من بيل كلينتون إلى دونالد ترامب. لنبدأ بالنظر إلى مثال. قبل خمسة عشر عامًا، قبل أن تبدأ الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران، والتي أودت بحياة آلاف المدنيين، وقبل أن يصبح مضيق [...]

غابي هينسليف تُحدِّد قرارات رئيس الولايات المتحدة مصير ملايين البشر حول العالم، ولهذا وُضعت الضمانات الدستورية لتقييد السلطة التنفيذية ومنع أي تجاوزات محتملة للسلطة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما تزال هذه الضمانات كافية على أرض الواقع، خصوصًا مع تقدم الرئيس دونالد ترامب في السن، وتكرار ظهور سلوكيات وتصريحات مثيرة للجدل؟ يُصرّ ترامب [...]