
وليد خدوري
تواجه الدولة الإيرانية في مطلع عام 2026 لحظة كاشفة، حيث لم تعد التحديات تقتصر على الضغوط الخارجية، بل انتقلت إلى عمق «الأمن المعيشي» للمواطن. إن انقطاع التيار الكهربائي وشح المياه في بلد يتربع على عرش احتياطيات الغاز العالمية ليس مجرد خلل فني، بل هو مرآة لترتيب أولويات النظام التي قدمت التوسع الإقليمي على صيانة البنية التحتية. ومع تآكل نفوذ طهران الإقليمي، تبدو الأزمة الداخلية مرشحة للانفجار، لتعيد إلى الأذهان زخم احتجاجات 2022، ولكن هذه المرة بدوافع اقتصادية وجودية.
وفقاً لما أوردته نشرة «أرغوس بتروليوم»، دخلت إيران عام 2026 على وقع قرارات تقشفية قاسية؛ حيث أمرت السلطات الإيرانية بإغلاق جميع الدوائر الحكومية، والمدارس، والجامعات، محذرةً من «إمكانية نقص في إمدادات الطاقة ووسيلة لتقليص فترة انقطاع الإمدادات الكهربائية للمساكن ولمساعدة الحفاظ على معدل الضغط في إمدادات الغاز». واستثنت السلطات الرسمية «المباني الطبية من هذه الانقطاعات، وكذلك مباني الخدمات المستعجلة ومباني الدوائر الأمنية».
بيان السلطات الرسمية الإيرانية هذا صدر خلال الأسبوع الأخير من العام الماضي بُعيد إضراب سوق طهران الكبير (البازار)، وهو مؤشر سياسي خطير نظراً إلى الثقل التاريخي لتجار البازار في التحولات السياسية الإيرانية، حيث لعب تجار هذه السوق دوراً مهماً خلال الفترات الماضية في دعم الثورة الإسلامية، ومن ثم بدأ يتردد الكلام والتحذير من إمكانية تكرار مظاهرات حاشدة وشبيهة بمظاهرات 2022 لتحرير المرأة.
لكنَّ السلطات حاولت التغطية في بادئ الأمر على الأوضاع الاقتصادية المتردية في البلاد، حيث ارتفع معدل التضخم السنوي أكثر من 40 في المائة، وانخفضت قيمة الريال نسبةً إلى الدولار إلى مستوى قياسي منخفض.
تدرك النخبة السياسية في طهران أن قواعد اللعبة قد تغيرت؛ فالضغوط الاقتصادية تتزامن مع ضعف استراتيجي غير مسبوق بعد الضربات الجوية التي استهدفت المفاعلات والمنشآت العامة، وفقدان حلفاء أساسيين مع تغير نظام الحكم في دمشق وتراجع نفوذ «حزب الله» في لبنان. هذا الانكشاف الإقليمي دفع السلطات إلى محاولة امتصاص الغضب داخلياً عبر تحديد إغلاق الجامعات في أنحاء البلاد حتى 15 فبراير (شباط)، وإعادة فتح المدارس بعد أسبوع من الآن اعتماداً على الأوضاع العامة وانتظاراً لبيان جديد قد يصدر فجأة خلال الأيام القريبة المقبلة. كما تمت إعادة التيار الكهربائي إلى بعض أحياء العاصمة، ولكن ليس جميعها.
من المعروف أن إيران، حالها حال دول كثيرة أخرى في العالم، تبنَّت سياسة «تحول الطاقة» و«مكافحة تغير المناخ»، معتمدةً على «مصادر الطاقة المستدامة »، التي لم تتبين كفاءتها اللازمة إلى الآن للحلول محل المصادر الهيدروكربونية، تماماً كما حدث في أوروبا خلال أزمة «كوفيد- 19»، مما أدى بدوره إلى عدم تمكن الطاقات المستدامة في 2019 و2020 من التعامل بكفاءة مع النقص الحاد في الإمدادات الهيدروكربونية لتزويد السوق الأوروبية بالطاقة الكهربائية، والتي تعد واحدة من الأسواق الكهربائية العالمية المهمة، نظراً إلى الطلب العالي الأوروبي للصناعات و التدفئة.
لكن الفارق الجوهري هو أن إيران تملك احتياطيات غازية هائلة، من الأكبر عالمياً، وشبكة إمداد تغطي أراضيها كافة لتلبية الطلب الطاقوي الداخلي.
تتعاظم التساؤلات حول أسباب الانقطاعات المتكررة في بلد يمتلك أحد أكبر احتياطيات الغاز في العالم.
لقد فقدت إيران كثيراً من طاقتها المائية مؤخراً بسبب الشح الذي أصاب سقوط الأمطار، ومن ثم النقصان الكبير في معدل مياه الأنهر -حاله حال الوضع في الدول المجاورة. لكن من غير المفهوم الانقطاعات الكهربائية المتزايدة والمتكررة في بلد يحتوي على واحد من أكبر الاحتياطيات الغازية العالمية، ولديه شبكة توصيل غاز ممتدة على الأراضي الإيرانية كافة. إلا أن التفسير الوحيد هو إهمال أولوية صيانة وتحديث هذه الشبكة على حساب أولوية مغامرات إيران الإقليمية والدولية في السنوات الاخيرة، ناهيك بالفساد والتدهور الإداري الذي أصاب عدداً من الدول المجاورة.

رضوان السيد يفكر الإيرانيون بالنووي منذ أيام الشاه. ويومها كانوا أشدّ أنصار الولايات المتحدة حماسة، لكن الاعتبارات القومية والإسلامية حالت دون أن يخطوا خطوة الأتراك الحاسمة باتجاه الانضمام إلى «الأطلسي» في الحرب الباردة. الأتراك تولوا مهامّ في مواجهة الاتحاد السوفياتي، والأميركيون والبريطانيون حاولوا إعطاء إيران دوراً زعامياً في «حلف السنتو (CENTO)» الذي انهار بالتغيير في [...]

زيد بن كمي قبل اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى بيومين فقط، كتبت مقالاً في هذه الصحيفة بعنوان «الشرق الأوسط بعد ثلاثين عاماً» ومحاولة قراءة مسار منطقة اعتادت أن تتحرك بين استقرار هش وانفجارات مفاجئة، لكن بعد أن دارت عجلة الحرب فعلياً، أصبح السؤال أكثر إلحاحاً ووضوحاً: إلى أين [...]

مشاري الذايدي هناك منطقة جغرافية لها روحها الخاصّة في هذا العالم؛ فهي مهد الديانات، وموئل الشعوب والحضارات، ومعبر التجارات، ومسرح الحروب والصراعات. إنها ما يُعرَف لدى الغربيين بـ«شرق المتوسط» أو Levant-Levantine، من قبرص وكريت وغيرهما من الجزر/ الدول بشرق البحر الأبيض المتوسط إلى بلاد الشام قاطبة وجنوب الأناضول، بسواحله المتوسطية. كان الوصول إلى هذه الموانئ [...]

محمد فال معاوية في لحظة إقليمية تتسارع فيها التطورات وتتصاعد فيها التوترات في الشرق الأوسط، جاءت عبارة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، مختصرة لكنها بالغة الدلالة: الإمارات "لحمتها مرّة". قد تبدو الجملة قصيرة في كلماتها، لكنها تحمل في طياتها رسالة سياسية ووطنية عميقة تعكس فلسفة دولة بُنيت على التماسك [...]

علي العمودي كثيرون لا يدركون خطورة تصوير ونشر مقاطع الفيديو، سواء عبر البث المباشر «لايف» أو من خلال مختلف مواقع ومنصات التواصل الاجتماعي، خاصة في الظروف الراهنة التي تشهدها بلادنا ومنطقتنا الخليجية هذه الأيام جرّاء الاعتداء الإيراني السافر والغاشم، الذي يستهدف أعياناً مدنيّة ومنشآت اقتصادية وحيوية. لا يدرك بعضهم أن الجهات المعادية ترصد تلك المقاطع [...]

عادل المرزوقي لا تقاس قوة الدول فقط بقدراتها الدفاعية، وإنما بقوة مجتمعها، وهدوء أبنائها، وإيمانهم بأن الأمن مسؤولية مشتركة، وأن الوطن حين نلتف حوله، يزداد صلابة. هكذا نتعلم من الظروف الراهنة التي تمر بها دولتنا، حيث تتعرض لاعتداء متواصل تتعامل معه السلطات المختصة بذكاء عالٍ، وحكمة لافتة، وضبط للنفس. في أوقات الحروب لا يكون الخطر [...]