
إذا أرجأ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الخيار العسكري في مواجهة إيران حالياً (موقتاً)، فهذا يعني أن الهدف كان أن تأتي طهران إلى التفاوض لا كصانع السجاد المثابر والمتأني لأعوام، بل كلاعب الشطرنج الذي فقد الوزير منذ اليوم الأول، وحالياً صار محروماً من أفياله وأحصنته وقلعته وغالبية بيادقه، وأن تتخلى إيران عن خطوطها الحمراء الخاصة بالتخصيب النووي والصواريخ الباليستية وما يتعلق بوكلائها.
“الاضطرابات انتهت والبلاد أصبحت تحت السيطرة الكاملة”، تصريح لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بعد تصريحات لترمب بأن لديه معلومات أن طهران لن تعدم المتظاهرين، ومن ثم التزمت الخط الأحمر الذي حدده للتدخل العسكري.
هل تأمن إيران قرارات ترمب؟ هل لم يعُد الخيار العسكري مطروحاً؟ هل سيشهد المستقبل القريب محادثات إيرانية- أميركية؟ ما بين الخيارات العسكرية والدبلوماسية ما العوامل المتداخلة في القرار الأميركي وما تداعيات الاحتجاجات؟
أولاً، اندلعت الاحتجاجات في إيران أواخر ديسمبر (كانون الأول) عام 2025 لأسباب اقتصادية ثم سرعان ما تحولت إلى مطالب اجتماعية وسياسية، بل وصلت إلى تغيير النظام الإيراني.
تدخل ترمب بتصريحات متدرجة ما بين دعم المتظاهرين وتهديد إيران بتوجيه ضربة للنظام، إلى أن بدأت مؤشرات التحركات العسكرية، فدُفعت ثلاث مدمرات مزودة بصواريخ موجهة إلى الشرق الأوسط، في وقت دخلت حاملة الطائرات “ثيودور روزفلت” البحر الأحمر ضمن تحركات بحرية متسارعة في المنطقة وإلغاء بعض الدول رحلاتها الجوية إلى إيران ومطالبة الدول الأوروبية مواطنيها بمغادرتها.
وجاء التحول إلى تعليق حال تأهب القاذفات الأميركية التي تحركت من أجل إيران، وإعادة فتح المجال الجوي الإيراني، بعد أن كادت واشنطن توجه ضربات لإيران على وقع الاحتجاجات الشعبية المستمرة لأكثر من أسبوعين. وفجأة أعلن الرئيس ترمب أن إيران أوقفت تنفيذ إعدام المتظاهرين.
قبلها تعاطف ترمب مع المحتجين وشجعهم على اقتحام المؤسسات ووعدهم بالمجيء إلى طهران، وأطلق كثيراً من التهديدات ثم هدأت الأمور، وهنا يجب تسجيل بعض الملاحظات على ما جرى خلال الأيام الماضية.
ثانياً، كيف يمكن فهم مواقف أميركا وإيران والإقليم في إطار التطورات الماضية؟
على رغم اعتياد النظام الإيراني على الاحتجاجات خلال الأعوام الأخيرة، فإن تلك التظاهرات تختلف من ناحية سياقها الداخلي والإقليمي، فداخلياً بدأت الاعتراضات من تجار البازار الذين اعتمد عليهم النظام في بداية تأسيسه للحصول على الدعم المادي والاجتماعي، وكانوا جزءاً من شبكة مصالح مرتبطة به، مما شكل موقفاً حرجاً للنظام.
لذا سارعت الحكومة الإيرانية إلى احتواء التحركات والاعتراف بحق المحتجين في الاعتراض، مؤكدة اتخاذ بعض الإجراءات الاقتصادية وتشكيل لجنة للتفاوض مع قادة المتظاهرين وأجرت بعض السياسات البسيطة لاحتواء الأزمة عبر زيادة الدعم النقدي المقدم لبعض الأسر، وكذلك الدعم المقدم لبعض الجهات الصناعية، وشددت على الإفراج عن السلع الغذائية والبضائع الموجودة في الموانئ.
ومع ذلك استمرت الاحتجاجات وصعد ترمب تهديداته وأصبح المشهد يتأرجح بين المطالبة بإسقاط النظام الإيراني وانتظار الضربة الأميركية.
من جهة أخرى، عكس تعدد المطالب بين المتظاهرين عدم وجود معارضة متماسكة وموحدة لها قيادة معروفة، فهناك من يطالبون بعودة الملكية وآخرون يرفضونها، معتبرين أن نجل الشاه رضا بهلوي لم يمارس العمل السياسي والإداري فوق الأعوام الـ50، وليست لديه قاعدة شعبية.
وكان لتصريح ترمب باستعداده ضرب إيران تأثيراته الكبيرة، إذ شجع المحتجين على الاستمرار في التظاهر وشجع النظام الإيراني على التعامل بعنف ثم ربط التحركات بأطراف أجنبية. وفي ظل التصعيد أعلن الرئيس الأميركي أن لديه معلومات تفيد بأن طهران لن تعدم المتظاهرين، معتبراً أن النظام لم يتخطَّ الخطوط الحمراء التي وضعها.
من جهة أخرى، أعلن ترمب أن إيران بادرت بطلب التواصل مع واشنطن والعودة للمفاوضات، وفي حين تصاعدت التحركات العسكرية التي أوحت بالضربة، إلا أنه كان هناك من الأسباب ما ترجح عدم حدوثها الآن، ومن ذلك التقييمات السياسية والعسكرية المتعلقة بالضربة الأميركية.
ويرتبط بالضربة الأميركية سؤالان مهمان، الأول هدفها والثاني مدى نطاقها وشدتها، أي ما الأهداف التي يمكن أن توجه إليها. والسؤال الثالث ما هي تداعياتها على إيران. فإذا كانت تستهدف إسقاط النظام الإيراني فالسؤال هنا يتعلق باليوم التالي، أي من البديل فلا يوجد بديل في الداخل، ومن جهة أخرى فإن توجيه ضربة تعلق بالهدف الرئيس للنظام الإيراني وهو الحفاظ على بقائه، لذا فإن إيران قد ترد على أي من الأهداف الأميركية في المنطقة، فضلاً عما قد يترتب في المنطقة من فوضى داخل إيران ستنتقل حتماً إلى خارج حدودها.
ومن جهة أخرى، تعلقت الأسئلة بمدى وحدود الضربة وهل تكون موسعة أو محدودة تشمل أهدافاً محددة أو عسكرية مثل البنى التحتية الخاصة بالصواريخ الباليستية أو بالأصول النووية، أو كما أشارت التقديرات الأميركية إلى أنها قد توجه نحو المؤسسات الأمنية التي تتعامل مع المتظاهرين أي الشرطة و”الباسيج”.
والسؤال الأهم هل بعد الضربة المحدودة سيتم تغيير سلوك النظام. وكان من الواضح أن ترمب يحاول الضغط على إيران بأقصى قدر عسكرياً واقتصادياً وداخلياً، ففضلاً عن تشجيعه المتظاهرين على الاستمرار والتهديدات بالتدخل العسكري والتحركات التي صاحبت تهديداته، هدد ترمب بفرض رسوم جمركية تصل إلى 25 في المئة على الدول التي تتعامل مع إيران تجارياً، مما يعني أن هدف ترمب فرض عزلة اقتصادية كاملة على إيران والقضاء على أية منافذ كانت تحاول أن تستفيد منها اقتصادياً، ومن ثم كان الهدف الرئيس لترمب إضعاف النظام الإيراني.
*نقلاً عن “إندبندنت” عربية.
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

د. فادي الخطيب – كاتب وباحث في السياسات الاقتصادية والجغرافيا السياسية تقف اقتصادات الخليج أمام لحظة دقيقة تتقاطع فيها مكاسب ارتفاع أسعار الطاقة مع مخاطر تصاعد التوترات الإقليمية، في وقت يعيد فيه الصراع مع إيران تشكيل بيئة النمو والاستثمار في المنطقة. تشهد اقتصادات الخليج مرحلة حساسة تتداخل فيها العوامل الاقتصادية مع التطورات الجيوسياسية بشكل متسارع. [...]

د. سامي الحاج – كاتب وباحث في الجغرافيا السياسية والعلاقات الدولية هدنة غير مستقرة في جنوب لبنان تعيد طرح سؤال أعمق حول طبيعة التهدئة في المنطقة: هل هي بداية مسار احتواء للصراع، أم مجرد توقف مؤقت يسبق انفجارًا أوسع في الإقليم؟ تشكل الهدنات في الشرق الأوسط عادةً لحظات ملتبسة لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياقها [...]

د. نادر الشامي – كاتب وباحث في الجغرافيا السياسية وشؤون الطاقة تصاعد التوترات الإقليمية يعيد مضيق هرمز إلى صدارة المشهد العالمي، حيث تتقاطع حسابات الجغرافيا مع رهانات الطاقة في لحظة دقيقة قد تعيد تشكيل معادلات النفوذ والاقتصاد. لطالما شكّل مضيق هرمز إحدى أكثر النقاط حساسية في النظام الدولي، لكن التطورات الأخيرة أعادته إلى واجهة الأحداث [...]

د. سامر الكيلاني – كاتب وباحث في العلاقات الدولية تصاعد متسارع في وتيرة المواجهة بين إيران وإسرائيل يضع المنطقة أمام معادلة شديدة التعقيد، حيث يتآكل الردع التقليدي وتتزايد احتمالات الانزلاق إلى صراع أوسع يعيد تشكيل موازين القوى. لم يعد التصعيد بين إيران وإسرائيل مجرد جولات متقطعة من الرسائل العسكرية المحسوبة، بل بات أقرب إلى مسار [...]

محمد فال معاوية في توقيت بالغ الحساسية، جاءت إقالة وزير البحرية الأميركي لتفتح باباً واسعاً من التساؤلات التي تتجاوز شخص الوزير إلى بنية القرار داخل المؤسسة العسكرية في واشنطن. فمثل هذه الخطوة، في ظل حرب مستمرة وتوترات دولية متصاعدة، لا يمكن قراءتها بوصفها إجراءً إدارياً عابراً، بل كمؤشر على تحولات أعمق في طريقة إدارة القوة [...]

د. أحمد رائد السليماني لم تعد الممرات البحرية مجرد تفاصيل في خرائط الملاحة، بل تحولت إلى مفاصل حاسمة في توازنات العالم. وفي مقدمتها، يبرز مضيق هرمز بوصفه نقطة تتقاطع عندها الجغرافيا بالسياسة، والطاقة بالأمن، والاقتصاد بالصراع. في السنوات الأخيرة، لم تعد التوترات في المنطقة تُقرأ كأزمات إقليمية معزولة، بل كجزء من مشهد أوسع يعكس تحولات [...]