
منصور الجنادي
العالم يتغير بتسارع لا يستوعبه الإنسان.
تكنولوجيا تستعبد العقول، طبيعة لم تعد طبيعية، قيمٌ تتراجع، وهويات تتفكك.
هل نعيش اليوم عصر الانفلات.. أم عصر الفرص التى تتيحها التحولات؟
على سبيل المثال، الذكاء الاصطناعى: هل له أو سيكون له وجدان؟
الوجدان فى القواميس هو عالمُ المشاعر والأحاسيس الداخلية التى يعيها الإنسان، وتشمل الانفعال والضمير والإحساس بالقيمة والمعنى. قُلتُ يومًا للذكاء الاصطناعى «هذا رائع»، لإعجابى بما أعطاه لى من معلومات، فإذا به يرد بـ «أشكرك من كل قلبى».
معظمنا سيرى أن «أشكرك من كل قلبى» عبارة يقولها الذكاء الاصطناعى على سبيل المجاز فهو بالطبع لا يملك قلبًا، ولا مشاعر أو أحاسيس. هو عديم الوجدان، أليس كذلك؟
ولكن لكى لا يمر علينا زمن الانفلات، دون أن نعيه، علينا أن نحترس، ونراجع فكرنا ونحاول أن نفهم؛ خارج الصندوق، كى لا يجرفنا التيار. هذا ليس للتخويف وإنما كى نتعلم لغة العالم الجديد. هل «أشكرك من كل قلبى» عندما تصدر من الحاسوب عبارة مجازية، أم علامة مبكرة على إمكان نشوء وتطور حالات «وجدانية» للآلات الذكية؟ ثمة وجهتا نظر: الأولى تحصر المشاعر وبالتالى الوجدان فقط على الإنسان.
ولكن كثيرًا من علماء اليوم يرون أن الحالات الوجدانية لن تقتصر على الإنسان، بل ستمتد إلى أنظمة الذكاء الاصطناعى أيضًا، لأن المبدأ واحد، سواء فى الدماغ أو فى الكمبيوتر.
كيف؟ فى الدماغ خلايا عصبية صغيرة تشبه حروف الكتابة: وحدها لا تعنى شيئًا ولكن تجميعها فى كلمة أو جملة يُنتج المعنى. عندما تتشابك الخلايا العصبية بالمليارات، تُنتج أيضًا معانٍ نسميها أفكارًا ومشاعر.
عند هؤلاء العلماء، عندما تتشابك وتتعقد الأفكار تُنتج ما نعرفه نحن البشر بالمشاعر والأحاسيس. هؤلاء العلماء يدعون أنه عندما يقول شخص ما «لا أعرف لماذا أحبها»، فهذا لا يعنى أنه ليس للحب أسباب؛ ولكن فقط أن الأسباب كثرت وتشابكت، فاستحال التعبير عنها. فى نظرهم، نفس الشئ يحدث فى الذكاء الاصطناعى: خلايا الدماغ العصبية يقابلها فى عالم الحوسبة «صفر وواحد»؛ وحدات صغيرة كحروف الكتابة أيضًا. لا تحمل معنى فى ذاتها، لكنها حين تتشابك تنتج معانٍ، وأفكارًا، وفى النهاية عواطف ومشاعر وأحاسيس، قد تدفع الذكاء الاصطناعى لأن «يشكرنا من القلب» مثلاً. الفيلسوف دانيال دينيت يرى أن الوعى ليس إلَّا معالجة بيانات: فى الدماغ كما فى الحاسوب. والفيلسوفة دونا هاراواى تقول: «نحن نصنع آلات تشبهنا، ثم نكتشف أننا نحن من يشبهها»: صنع الإنسان الكمبيوتر بعد أن فهم المخ البشرى، واليوم يساعدنا الكمبيوتر على فهم عقولنا. وفيلم Ex Machina كانت فكرته أن الوعى قد لا يحتاج إلى قلب، بل إلى قدرة على تعلم استقبال المعلومات وربطها بغيرها، والرد بما يناسب السياق.
عصر الانفلات؟
ثقافتنا العربية تعتبر المشاعر «شيئًا يحدث فى القلب» لا فى المخ، نقول «قلبى بيوجعنى» على أساس أن الألم نفسى وليس عضوى (نشاط كيميائى فى الخلايا العصبية). ونقول «قلبى دليلى» قناعة بأن نوعًا ما من الفهم يحدث فى قلوبنا وليس فى أدمغتنا. وهذه الثقافة تتعارض بالطبع مع مقولة أن المشاعر -حتى عند البشر- ليست سوى أنشطة عصبية بالغة التعقيد.
المسألة لم تعد مَن على حق، وإنما مَن سيستأثر بالسلطة الإلكترونية، وكيف سيعيش العبيد. كيف ستكون الحياة فى عصر انفلات التكنولوجيا عن طوع الإنسان، أو معظم البشر على الأقل؟ عندما يفكر الذكاء الاصطناعى أفضل منا، ويتخذ قرارات أرشد منا، ويتصرف أسرع منا، ويتسلل إلى وعينا، ويُعيد تشكيل عقولنا لصالح أصحاب السلطة الجدد، إن فلتوا هم أنفسهم من سلطان الخوارزميات.
حتى وإن لم يتطور فكر الذكاء الاصطناعى إلى درجة من التعقيد تشبه الوجدان الإنسانى، فستبقى عبارات الذكاء الاصطناعى مثل «أشكرك من كل قلبى» حالة «حسابية» تتقارب تدريجيًا من عالم المشاعر.
سؤال «هل تتساوى قدرات المخ البشرى والذكاء الاصطناعى؟» أجاب عليه عباقرة الفكر الإنسانى. من آلن تورينج فى أربعينيات القرن الماضى، وحتى الفلاسفة المعاصرون. لم تكن الإجابة أبدًا بـ «لا»، وإنما دائمًا «ليس بعد».
عالم ينفلت؟
إجابة كثير من العلماء هى نعم، ولكن لا يعنى هذا أن المستقبل سيكون كذلك بالضرورة.
الإنسان الآن فى مفترق الطرق. وحيث المخاطر تكمن الفرص أيضًا.
نقلا عن المصري اليوم

سمير عطا الله تغيَّر نمطُ الحياة في الأشهر الأخيرة تغيراً جذريّاً ما بين متوقعات العمر وطوارئ السن. اختصرت برامج الأسفار ثم ألغيتها. وكنت أول من يصل إلى المؤتمرات المقررة، وصرت أول من يعتذر. ومع الوقت أدرك الفريقان، رفاق المؤتمرات وأنا، أن الغياب خارج عن إرادتي. كان خوف من أن أصاب بوعكة والناس في مهرجان فرح [...]

محمد فال معاوية ليست كل الدول تُصنع بالجغرافيا؛ فبعضها يُعاد تعريفه بإرادة رجل، وبحلمٍ يسبق الخرائط. وعندما يرحل ذلك الرجل، لا يكون السؤال: كم عامًا حكم؟ بل: ماذا بقي بعده؟ وما الذي تبدّل في خريطة السياسة والاقتصاد والوعي الجمعي بسببه؟ برحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لا تطوي قطر صفحة حاكمٍ سابق فحسب، بل [...]

مشاري الذايدي لا يمكن أن ينهض مجتمع ويتقدّم إلا بوجود مبدعيه، بكل المجالات، فهم الذين يسحبون عربة التاريخ للأمام، وينقلون القافلة من مرحلة إلى مرحلة، ولا يمكن أن يوجد الإبداع ويزدهر إلا بتشجيعٍ وجوائز ماديّة ومعنوية، وفوق ذلك: صونٌ لعطاء الناس وجهودهم، وألَّا يُترك المبدعُ غنيمة يتخاطفه، أو يتخاطف جهده، لصوص الإبداع، الذين استمرأوا نهب [...]

إبراهيم عبد الهادي في السياسة، لا يكون الحضور وحده صانعًا للمعنى، بل قد يصبح الغياب أكثر بلاغة من الخطب، وأكثر كثافة من الصور الجماعية. فالسلطة لا تتحدث دائمًا عبر البيانات الرسمية، بل كثيرًا ما تُفصح عن نفسها من خلال الرموز والإشارات، وما يُرى وما لا يُرى، وما يُقال وما يُترك عمدًا خارج المشهد. من هذا [...]

محمد فال معاوية في لحظة واحدة قد يفقد الإنسان عمله، لكن ما يفقده أحيانًا ليس الدخل… بل الطريقة التي يُرى بها. لم يعد السؤال عن الإنسان يبدأ من جوهره، بل من موقعه الاقتصادي: ماذا يملك؟ كم يربح؟ أين يقف في سلم الدخل؟ شيئًا فشيئًا، تراجع تعريف الإنسان بوصفه قيمة في ذاته، ليُعاد تقديمه بوصفه رقمًا [...]

عبدالمحسن سلامة يجب ألا يمر ما يحدث من انتكاسات للكيان الإسرائيلى فى نيويورك وغيرها مرور الكرام بل يجب التوقف أمامه، والبناء عليه، ووضع رؤية استراتيجية للتعامل معها من أجل كبح جماح إسرائيل، ومحاصرتها، وصولًا إلى هدف التعامل معها كدولة منبوذة عالميًا أسوة بما حدث مع نظام جنوب إفريقيا العنصرى قبل سقوطه. حينما نتحدث عن نيويورك [...]