
غابي هينسليف
تُحدِّد قرارات رئيس الولايات المتحدة مصير ملايين البشر حول العالم، ولهذا وُضعت الضمانات الدستورية لتقييد السلطة التنفيذية ومنع أي تجاوزات محتملة للسلطة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما تزال هذه الضمانات كافية على أرض الواقع، خصوصًا مع تقدم الرئيس دونالد ترامب في السن، وتكرار ظهور سلوكيات وتصريحات مثيرة للجدل؟
يُصرّ ترامب على أن قدراته الذهنية في أفضل حالاتها، ويفاخر مرارًا بأنه اجتاز ما يصفه بـ”اختبار صعب للغاية”، في إشارة يُعتقد أنها تتعلق بفحص للكشف عن التدهور الإدراكي لدى كبار السن. ورغم ذلك، فإن خطاب ترامب الواثق يتناقض مع مشاهد وسلوكيات أثارت تساؤلات واسعة في الداخل الأمريكي، من بينها تعليقاته العشوائية، وزلاته الكلامية، وتصرفاته التي تبدو أحيانًا بعيدة عن بروتوكولات الرئاسة التقليدية.
في خضم حرب معقدة مستمرة في الشرق الأوسط، قاطع ترامب اجتماعًا لمجلس الوزراء ليُسهب في الحديث عن قصة غير مؤكدة تتعلق بأقلام رئاسية، وأطلق تصريحات غامضة خلال لقاءات رسمية، من بينها ملاحظاته عن بيرل هاربر ووصفه مضيق هرمز بـ”مضيق ترامب”، قبل أن يؤكد أن ذلك كان مقصودًا. هذه الوقائع، التي قد تبدو للوهلة الأولى مجرد زلات عابرة، تكتسب خطورة مضاعفة عندما تصدر عن قائد يملك سلطة إرسال آلاف الجنود إلى ساحات القتال، أو إشعال نزاعات قد تمتد آثارها إلى النظام الدولي بأكمله.
استطلاعات الرأي الأخيرة تكشف عن شكوك واسعة بين الأمريكيين بشأن قدرة الرئيس على التعامل مع التحديات المعقدة، خاصة مع تقدمه في العمر. تشير الدراسات إلى أن 61% من المواطنين يعتقدون أن ترامب أصبح أكثر اضطرابًا مع مرور الوقت، فيما يرى 56% منهم أنه لم يعد يتمتع بالحدة الذهنية الكافية لمواجهة الأزمات الكبرى. هذه المخاوف ليست جديدة في السياسة الأمريكية، لكنها اليوم أكثر حساسية بسبب تعقيد الأزمات الحالية وتأثيراتها على الأمن العالمي والاقتصاد الدولي.
وليس بعيدًا عن هذه المخاوف، تُطرح تساؤلات افتراضية لكنها مقلقة: ماذا لو تأثر حكم الرئيس بعوامل صحية أو إدراكية؟ كيف يمكن للنظام السياسي أن يتصرف في مثل هذا الوضع؟ وهل تكفي الآليات الدستورية لمواجهة مخاطر محتملة قد تهدد ملايين الأرواح؟
تتيح المادة الخامسة والعشرون من الدستور الأمريكي، نظريًا، تعليق صلاحيات الرئيس إذا ثبت عدم أهليته، بعد موافقة نائب الرئيس وأغلبية أعضاء الحكومة. إلا أن التطبيق العملي لهذه المادة يظل نادرًا، ويواجه تعقيدات سياسية وشخصية تجعل تنفيذها أمرًا صعبًا للغاية. التاريخ الأمريكي يُظهر أن الحالة الصحية أو الذهنية للقادة غالبًا ما تُحاط بسرية كبيرة، فقد أُخفيت معلومات عن صحة رؤساء سابقين مثل جون إف. كينيدي وونستون تشرشل، مما يثير التساؤل حول مستوى الشفافية المتاحة للجمهور.
المعضلة لا تتعلق بالقوانين وحدها، بل بالدائرة المحيطة بالقائد. المستشارون والمقربون قد يترددون في الكشف عن أي تدهور محتمل، بدافع الولاء أو خوفًا من فقدان النفوذ، أو خشية إثارة حالة من الذعر العام. وهنا، تتحول القضية من مسألة قانونية إلى معضلة سياسية وإنسانية معقدة، تحمل انعكاسات مباشرة على القرارات الحاسمة التي تؤثر على ملايين البشر.
يمكن تشبيه الوضع بمثال مألوف في الحياة اليومية: عندما يبدأ أحد الوالدين المسنين بفقدان قدراته الإدراكية تدريجيًا، يتردد الأبناء في اتخاذ قرار حاسم بسحب مفاتيح السيارة، رغم إدراكهم المخاطر المحتملة. هذا التردد، الذي يتحكم فيه مزيج من الحب والخوف والإنكار، يجد صداه في السياسة، لكن مع فارق ضخم في حجم النتائج، إذ تتعلق هنا بمصير دول وشعوب بأكملها.
في حالة القادة، تصبح الضمانات الدستورية بلا قيمة حقيقية إلا بمدى استعداد المحيطين بالقائد لتفعيلها عند الضرورة، حتى لو كان ذلك على حساب مصالحهم الشخصية. بدون هذا الاستعداد، يمكن أن تتحول القرارات غير المحسوبة إلى كوارث محتملة على المستويين العسكري والسياسي، مع تداعيات اقتصادية واسعة النطاق، خصوصًا في أزمات مثل اضطرابات الطاقة والغذاء.
تاريخيًا، شهد العالم مواقف مماثلة حين حاولت النخب السياسية والمقربون من القادة حماية مناصبهم على حساب الشفافية، سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا. فقد أُخفِي عن الجمهور معلومات عن الصحة العقلية لفرانكلين روزفلت خلال الحرب العالمية الثانية، أو عن صحة هارولد ويلسون في بريطانيا، أو عن العلاج الدوائي الذي تلقاه جون كينيدي أثناء أزمة الصواريخ الكوبية. هذه الأمثلة تبرز أن السلطة غالبًا ما تُحاط بالغموض، ما يجعل تقييم أهليتها تحديًا مستمرًا.
وبالنظر إلى حالة ترامب الحالية، يطرح المقال سؤالًا جوهريًا: هل النظام السياسي الأمريكي قادر على حماية نفسه والعالم من القرارات غير المحسوبة، أم أننا نتابع مجازًا مركبة يسوقها شخص يفقد السيطرة تدريجيًا، بينما يراقب الركاب المشهد بقلق دون القدرة على التدخل؟ الإجابة على هذا السؤال تبقى معقدة، وستحددها الأيام المقبلة، خاصة مع استمرار التحديات الأمنية والاقتصادية على الساحة العالمية.
في النهاية، تبقى القضية أبعد من شخص الرئيس نفسه. إنها اختبار للنظام السياسي بأكمله، ولقدرته على تفعيل الضمانات والآليات الدستورية عند الحاجة، للحفاظ على أمن العالم واستقرار النظام الدولي، في ظل رئيس يُثير تساؤلات حول أهليته الذهنية وإدارته للأزمات الكبرى.
ملاحظة: نُشر المقال في الأصل في صحيفة الغارديان وتمت ترجمته إلى العربية للنشر في اليوم ميديا.

د. زياد فارس الحارثي قبل خمسة عشر عامًا، نشر يرجين كتابه “السعي: الطاقة والأمن وإعادة تشكيل العالم الحديث”، محذرًا من أن مضيق هرمز يمثل حجر الزاوية في أمن الطاقة العالمي. اليوم، تبدو تحذيراته أكثر واقعية من أي وقت مضى. الصراعات السياسية والاقتصادية في المنطقة لم تنتج حربًا تقليدية، لكنها أثرت بالفعل على إمدادات النفط وحياة [...]

أديتيا تشاكرابورتي لعلّ دانيال يرجين هو أشهر كاتب في مجال أسواق النفط. فقد حاز عمله على جائزة بوليتزر، واستعان بنصائحه كل رئيس أمريكي، من بيل كلينتون إلى دونالد ترامب. لنبدأ بالنظر إلى مثال. قبل خمسة عشر عامًا، قبل أن تبدأ الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران، والتي أودت بحياة آلاف المدنيين، وقبل أن يصبح مضيق [...]

محمد فال معاوية في السياسة، قد تُعلن الحروب نهايتها… بينما لا تزال الصواريخ في الجو.هذا بالضبط ما فعله دونالد ترامب حين أعلن أن إيران "لم تعد تهديدًا"، في وقتٍ كانت فيه العمليات العسكرية مستمرة بلا توقف.هنا لا نتحدث عن نصرٍ واضح، بل عن مفارقة صارخة: نصرٌ مُعلن… وحربٌ مفتوحة. بعد 32 يومًا من العمليات العسكرية، [...]

د. كريم عادل المناصرة التاريخ الحديث يعلمنا أن أي خيار عسكري واسع في الشرق الأوسط يحمل تبعات غير متوقعة، كما أظهرت التجارب في العراق وأفغانستان وليبيا. فالخيار العسكري قد يحقق أهدافًا محدودة على المدى القصير، لكنه غالبًا ما يترك فراغًا سياسيًا واستقرارًا هشًا على المدى الطويل، ويزيد من التعقيدات الأمنية والاقتصادية في المنطقة. في العراق [...]

سليم فهد الجابري في ظل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران المستمرة منذ أكثر من شهر، تبرز قدرة النظام الإيراني على الصمود كعامل محوري يؤثر في مسار الصراع الإقليمي. فإيران، رغم الضربات الجوية والإجراءات العسكرية المشتركة من الولايات المتحدة وإسرائيل، تواصل تعزيز قدراتها الدفاعية والهجومية، مما يمثل تحديًا استراتيجياً للسياسة الخارجية الأمريكية والإسرائيلية في الشرق الأوسط. [...]

محمد فارس الكمالي تجربة العراق وأفغانستان تبقى درسًا صارخًا حول مخاطر إرسال القوات البرية الأمريكية إلى الشرق الأوسط. فقد أثبت التاريخ أن التدخل العسكري لم يكن مجرد عملية محدودة، بل تحول إلى صراع طويل الأمد أرهق الاقتصاد الأمريكي، وأسفر عن خسائر بشرية جسيمة، وترك فراغًا سياسيًا كبيرًا في المنطقة لم يُسد إلا بعد سنوات طويلة [...]