
سليمان جودة
لا بدّ أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، كان أسعد الناس، وهو يسمع من الرئيس السوري أحمد الشرع حديثه عن الثلج المتراكم بكميات كبيرة في طريق المطار إلى الكرملين، وكيف أن مشهد الثلج قد استوقفه على طول الطريق.
كان ذلك خلال الزيارة التي قام بها الشرع إلى روسيا آخر يناير، وكان الخبر عنواناً في أكثر من وسيلة إعلامية، وكان لافتاً أن يكون هذا هو العنوان في لقاء الرئيسين، ورغم أن الزيارة كانت الثانية إلى روسيا للرئيس السوري منذ أن دخل القصر في دمشق قبل أكثر من سنة، إلا أنه حظي خلالها بحفاوة ظاهرة من القيصر الروسي، وقد شملته الحفاوة مع عدد من أركان حكومته ممن اصطحبهم معه، وما زاد من الحفاوة حديثه غير المتوقع عن الثلج المتراكم بالذات.
لم يكن الحديث عن الثلج كونه ثلجاً في حد ذاته طبعاً، وإنما عنه باعتباره «الجنرال ثلج» كما اشتهر في التاريخ الروسي في القرن الخامس عشر مرة، وفي القرن التاسع عشر مرة ثانية، وفي القرن العشرين مرةً ثالثة، وفي المرات الثلاث كان جندياً مخلصاً للروس، وكان يقف معهم ضد أعدائهم، وكان ينتصر لهم، وهذا ما أنعش الرئيس الروسي وهو يستمع إلى حديث الرئيس الشرع.
إنها ملاحظة دقيقة من جانب الشرع، وهو بالتأكيد كان يعرف أن حديثه عن موقع الثلج في التاريخ العسكري الروسي سوف يدغدغ مشاعر بوتين كثيراً، وسوف يجعله يشعر بالكثير من الطمأنينة، خصوصاً إذا تذكرنا أن الحرب الروسية الأوكرانية، سوف تدخل عامها الخامس في الرابع والعشرين من شهر فبراير الجاري.
ضيوف رسميون كثيرون توافدوا على موسكو، وزاروا القيصر في مكتبه، وعادوا إلى بلادهم، ولكنهم لم يتوقفوا أمام الثلج في طريق المطار، ولم يفكر أحدهم في إعادة تذكير الرئيس الروسي بما كان للثلج من شأن في تاريخ روسيا، وفي تاريخها العسكري على وجه الخصوص، ففي المرات الثلاث حاول السويديون، ثم الفرنسيون، ومن ورائهم الألمان، دخول العاصمة الروسية في القرون الثلاثة بالتوالي، ولكن الطبيعة كانت تقف حائلاً أمامهم، وكان الثلج جندياً مجنداً في الجيش الروسي، وكان يقف حائلاً ضد تقدم العدو، وكانت أحوال الطقس تتحول إلى درع في يد الروس، وكانت الجيوش الثلاثة تعود أدراجها معترفة بعجزها عن دخول العاصمة!
حدث أن حاول ملك السويد في القرن الخامس عشر اقتحام روسيا، ولكن الثلج المتراكم فتك بالكثيرين من جنوده، ووقف أمامه ثم أمامهم حصناً لم يستطيعوا تجاوزه، ولا القفز فوقه، ولم يكن أمامهم غير العودة إلى حيث أتوا، وكان الجنرال ثلج هو الذي طردهم وأعادهم إلى بلادهم مهزومين.
تكرر الأمر لاحقاً مع نابليون مرة في بدايات القرن التاسع عشر، ومع هتلر في أثناء الحرب العالمية الثانية، وفي المرتين لم يكن حظ الألمان والفرنسيين بأسعد من حظ السويديين، ولم يفرق الجنرال ثلج بينهم، ولا استثنى فريقاً منهم، وبدا وكأنه رابض هناك على أبواب موسكو يتربص بكل الذين يحاولون دخولها متسللين.
ولا بدّ أن الروس ممتنون جداً لهذا الجنرال العجيب، الذي لم تهزمه ثلاثة جيوش عرفت بقوتها وبأسها، فكانت تعود أدراجها أمامه، وكان وحده، وبغير مساعدة من طرف آخر ينتصر عليهم، وكان وكأنه حارس يجلس على باب العاصمة! ولكن الأمر رغم ذلك كله لا يخلو من تساؤل حائر لا تكاد تعثر له على إجابة، إذا ما فكرت في الهزيمة التي ألحقها الجنرال نفسه بالجيوش الثلاثة، فكان كل جيش منها يفر أمامه في أرض القتال، ولم يكن يعرف كيف يتغلب على هذا الجنرال الماكر؟
التساؤل الحائر هو عن خطط الحرب التي تقوم بها الجيوش قبل أي معركة، وهي خطط تضع أحوال الطقس في المقدمة من الأمور، التي لا بد من حسابها بدقة، ولم نسمع من قبل عن جيش خاض معركة من معاركه بغير أن تكون حسابات الطقس أمام عينيه.
إننا يمكن أن نغفر للجيش الأول من هذه الجيوش الثلاثة، ويمكن أن نلتمس له عذراً في هزيمته، ولكن العذر نفسه لا يمكن أن نلتمسه للجيش الفرنسي، ولا للجيش الألماني، وإذا كانت القاعدة المنطقية تقول إنك لا يمكن أن تفعل الشيء نفسه للمرة الثانية ثم تحصل على نتيجة مختلفة، فهذه القاعدة غابت عن نابليون وعن هتلر بغير سبب مفهوم. وحتى لو لم يكن هناك جيش حاول قبلهما وانهزم، كيف يمكن لقائد في وزن نابليون أن يغفل عن موقع الطقس على خريطة الحروب، وكيف لواحد مثل هتلر غزا ما غزا بامتداد العالم أن تغيب عنه حسابات الطقس في موسكو أو في غير موسكو؟
سؤال أو تساؤل لا تقع له على إجابة مقنعة، ولكن بعيداً عن السؤال وجوابه الغائب يبقى حديث الشرع عن «الجنرال ثلج» من نوع الحديث، الذي يفتح أبواب موسكو بالمعنى السياسي أمام ضيوفها الرسميين، فالجنرال ثلج أغلق الأبواب أمام الأعداء ولا يزال يغلقه، ولكن حديثه يفتح الأبواب والقلوب أمام الأصدقاء، وكيف لا يفتحها وهو يعيد تذكير الروس بالأمجاد، التي كان الجنرال ثلج شريكاً في صناعتها على الأرض؟
إذا كانت موسكو قد بقيت حصينة محصنة في أكثر من معركة فالفضل كان يعود في كل مرة إلى ذلك الجنرال العجيب!
نقلا عن البيان
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

سمير عطا الله تغيَّر نمطُ الحياة في الأشهر الأخيرة تغيراً جذريّاً ما بين متوقعات العمر وطوارئ السن. اختصرت برامج الأسفار ثم ألغيتها. وكنت أول من يصل إلى المؤتمرات المقررة، وصرت أول من يعتذر. ومع الوقت أدرك الفريقان، رفاق المؤتمرات وأنا، أن الغياب خارج عن إرادتي. كان خوف من أن أصاب بوعكة والناس في مهرجان فرح [...]

محمد فال معاوية ليست كل الدول تُصنع بالجغرافيا؛ فبعضها يُعاد تعريفه بإرادة رجل، وبحلمٍ يسبق الخرائط. وعندما يرحل ذلك الرجل، لا يكون السؤال: كم عامًا حكم؟ بل: ماذا بقي بعده؟ وما الذي تبدّل في خريطة السياسة والاقتصاد والوعي الجمعي بسببه؟ برحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لا تطوي قطر صفحة حاكمٍ سابق فحسب، بل [...]

مشاري الذايدي لا يمكن أن ينهض مجتمع ويتقدّم إلا بوجود مبدعيه، بكل المجالات، فهم الذين يسحبون عربة التاريخ للأمام، وينقلون القافلة من مرحلة إلى مرحلة، ولا يمكن أن يوجد الإبداع ويزدهر إلا بتشجيعٍ وجوائز ماديّة ومعنوية، وفوق ذلك: صونٌ لعطاء الناس وجهودهم، وألَّا يُترك المبدعُ غنيمة يتخاطفه، أو يتخاطف جهده، لصوص الإبداع، الذين استمرأوا نهب [...]

إبراهيم عبد الهادي في السياسة، لا يكون الحضور وحده صانعًا للمعنى، بل قد يصبح الغياب أكثر بلاغة من الخطب، وأكثر كثافة من الصور الجماعية. فالسلطة لا تتحدث دائمًا عبر البيانات الرسمية، بل كثيرًا ما تُفصح عن نفسها من خلال الرموز والإشارات، وما يُرى وما لا يُرى، وما يُقال وما يُترك عمدًا خارج المشهد. من هذا [...]

محمد فال معاوية في لحظة واحدة قد يفقد الإنسان عمله، لكن ما يفقده أحيانًا ليس الدخل… بل الطريقة التي يُرى بها. لم يعد السؤال عن الإنسان يبدأ من جوهره، بل من موقعه الاقتصادي: ماذا يملك؟ كم يربح؟ أين يقف في سلم الدخل؟ شيئًا فشيئًا، تراجع تعريف الإنسان بوصفه قيمة في ذاته، ليُعاد تقديمه بوصفه رقمًا [...]

عبدالمحسن سلامة يجب ألا يمر ما يحدث من انتكاسات للكيان الإسرائيلى فى نيويورك وغيرها مرور الكرام بل يجب التوقف أمامه، والبناء عليه، ووضع رؤية استراتيجية للتعامل معها من أجل كبح جماح إسرائيل، ومحاصرتها، وصولًا إلى هدف التعامل معها كدولة منبوذة عالميًا أسوة بما حدث مع نظام جنوب إفريقيا العنصرى قبل سقوطه. حينما نتحدث عن نيويورك [...]