
د. الهادي عبدالله ابوضفائر
لم تكن المملكة العربية السعودية يوماً مجرد كيان يمارس السياسة ضمن محيطه العربي، بل كانت، في لحظات التحولات الكبرى، محوراً يُعاد عنده رسم موازين القوى، وتُختبر فيه قدرة السياسة على أن تتحول إلى أخلاقٍ متجلية في القرار. ففي تاريخها الحديث، لم يُفصل الفعل السياسي عن البعد الإنساني، بل اندمجا في معادلة دقيقة يصبح فيها الموقف فعلَ إنقاذ، والحزمُ رؤيةً متجسدة، والقيادةُ مسؤوليةً تتخطى حدود الجغرافيا لتصوغ للعالم درساً في الجمع بين القوة والرحمة، وبين المبادرة والحكمة.
حين وقف الملك فيصل بن عبدالعزيز في أعقاب نكسة 1967، لم يكن يتحدث باسم دولة فقط، بل باسم كرامة عربية جريحة تبحث عن يقين. وجاءت قمة الخرطوم بما عُرف تاريخياً بـ«لاءات الخرطوم الثلاثة» لتعلن أن الانكسار ليس قدراً، وأن السياسة يمكن أن تكون سياجاً للهوية لا غطاءً للهزيمة. لم تكن تلك اللاءات مجرد موقف تفاوضي، بل إعادة صياغة لروح أمة كادت أن تتبدد. في تلك اللحظة انتقلت السعودية من موقع المساند إلى موقع الضامن المعنوي والعملي، ومن دور الداعم إلى مركز الثقل الذي تُبنى حوله معادلات الصمود.
ولم يبق أثر ذلك النهج أسير الخطاب، بل ترجمته الوقائع في مساحات أنهكتها الصراعات، من لبنان إلى العراق وسوريا، حيث لم يكن الحضور السعودي استجابة عابرة لطارئ سياسي، بل تعبيراً عن رؤية تستبق السقوط الكامل للكيانات وتصون ما تبقى من نسيجها الاجتماعي. كان فيصل يدرك أن انهيار الدولة لا يخلّف فراغاً في السلطة فحسب، بل يفتح جرحاً حضارياً يمتد أثره في الوعي والتاريخ، ويصعب تضميده عبر أجيال.
وفي الزمن الراهن يبرز محمد بن سلمان بوصفه امتداداً مختلف الإيقاع، لكنه متصل الجوهر. فالعالم لم يعد ثنائي القطبية، والمنطقة لم تعد تحتمل رفاهية الانتظار، والسياسة لم تعد تحتمل البطء. من هنا جاءت مقاربته أكثر ديناميكية، تعيد تعريف أدوات التأثير وتنتقل من رد الفعل إلى صناعة الفعل. ففي ملفات سوريا والسودان واليمن والصومال لم يكن الحراك السعودي مجرد وساطات، بل محاولة لإعادة هندسة معادلة الاهتمام الدولي وفتح نوافذ للحل وسط انسداد الأفق.
وفي الحالة السودانية لم يكن الدور السعودي حضوراً عابراً، بل فعلاً سياسياً مقصوداً سعى إلى جمع الأطراف وتقريب المسافات، وإعادة تعريف الأزمة خارج القوالب الاختزالية التي شوّهت فهمها دولياً. لقد انصرف الجهد إلى تصحيح زاوية النظر قبل تثبيت المواقف، لأن الخلل في الإدراك يسبق الخلل في القرار. وفي هذا السياق جاء الحوار مع الإدارة الأمريكية، حيث أقرّ دونالد ترامب بعدم إلمامه الكامل بتفاصيل القضية، في إشارة إلى فجوةٍ كان لا بد من ردمها. لم يكن الهدف تسجيل موقف سياسي بقدر ما كان إعادة ضبط بوصلة الوعي الدولي ليتناغم مع تعقيدات الواقع ونبض المنطقة.
ليست المقارنة بين فيصل ومحمد بن سلمان مقارنة أشخاص، بل مقارنة مرحلتين من تاريخ الدولة: طورٌ انشغل بترسيخ الثوابت وصون الهوية، وطورٌ يندفع إلى تسريع التحول وصناعة المبادرة. جسّد فيصل حزماً أعاد للأمة اتزانها، وثبّت للموقف السياسي هيبته في زمن الاضطراب، بينما يقود محمد بن سلمان إعادة تموضع كبرى تنقل السعودية من موقع التأثر إلى مركز التأثير، ومن دائرة الاستجابة إلى فضاء صياغة التوازنات.
وهكذا لا تبدو السعودية في هذين الطورين دولةً تمارس السياسة فحسب، بل كياناً يختبر قدرته على تحويل الثقل إلى تكليف، والقوة إلى رافعة توازن، والقرار إلى معبر خلاص. بين رصانة التاريخ واندفاعة الغد تتشكل حكاية وطنٍ أبى أن يكتفي بدور الشاهد على أزمات أمته، واختار أن يكون شريكاً في صياغة مخارجها وصانعاً لمساراتها.
في عالمٍ تتسارع فيه الانهيارات وتتلاشى الحدود بين التهديد والإمكان، لا يعود السؤال: ماذا تصنع الدول بقوتها؟ بل ماذا تصنع القوةُ بالدول؟ والسعودية، في امتدادها التاريخي، تبدو كمن وعى أن القوة إن لم تُسخَّر لصون الإنسان وترسيخ الاستقرار غدت عبئاً أخلاقياً يثقل كاهل أصحابها. أما إذا أُحسن توجيهها ببصيرة نافذة، فإنها لا تنتج نفوذاً فحسب، بل تفتح أفقاً تصبح فيه السياسة رعايةً للحياة، ويغدو الحزم حكمةً مؤجلة، وتتحول الجرأة إلى بيانٍ جديدٍ للخلاص في زمنٍ يقلّ فيه صُنّاع الخلاص.

الدكتور عادل عثمان في حلقة جديدة من مسلسل الرعب الذي يطارد السودانيين في مصر، قُتلت اللاجئة السودانية الحامل زينب حسن (29 عامًا) مع جنينها في القاهرة، بعدما اقتحمت قوة من الشرطة المصرية الشقة التي تقيم فيها أسرة سودانية وسط إطلاق كثيف للنار، ما أثار حالة من الذعر داخل المبنى. وفي محاولة يائسة للفرار من الرعب، [...]

حازم صاغية لم تشكّل حرب «طوفان الأقصى» و«حرب الإسناد» وسقوط النظام السوريّ أحداثاً حربيّة ضخمةً فحسب، بل كانت أيضاً حدثاً آيديولوجيّاً جبّاراً مفاده انهيار السرديّات النضاليّة التي سيطرت لعقود على المنطقة. فالإخوانيّة السنّيّة ممثّلة بـ«حماس» أصيبت بضربة قاتلة شاركتها مأساتَها المسألةُ الفلسطينيّة في قراءتها الإسلاوميّة. والتداعي نفسه أصاب، بإصابته «حزب الله»، الشيعيّةَ الراديكاليّة، ومعها تصوّر [...]

إبراهيم أبو عواد تتجدد بين الحين والآخر التكهنات حول احتمال مواجهة مباشرة بين إيران وأمريكا، في ظل توترات مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، والوجود العسكري الأمريكي في الخليج، وشبكة التحالفات الإقليمية المتشابكة. ودراسة أدوات القوة العسكرية لكلٍ منهما تكشف اختلافًا عميقًا في العقيدة القتالية وطبيعة الاستعداد للحرب. في سلاح الجو، تمتلك واشنطن مقاتلات شبحية متقدمة، إضافة [...]

مشاري الذايدي كما ذكرنا آنفاً، فإنَّ هناك مواضع من الأرض تملك طاقةً تاريخية لا تفنى، مهما تبدّلت العصور، لأسبابٍ يشقُّ شرحُها هنا. منها بلدة أو مدينة (سامرّاء) العراقية، وسبب توقفّنا اليوم في سلسلة «موضعٌ وموضوع» هو أنّه في مثل هذا اليوم، 22 فبراير (شباط) من عام 2006 وقعت الواقعة في المدينة ذات العبَق العبّاسي، حين [...]

إبراهيم أبو عواد القلق الوجودي ليس حالة نفسية عابرة، بل هو سؤال الكائن حين يضع رأسه على حافة المعنى، وينظر في هوّة الوجود دون وسائط مطمئنة. وفي الشعر يتحوّل هذا القلق إلى لغة ونبرة وجسد لغوي يرتجف وهو يحاول تسمية ما لا يُسمّى. في هذا الأفق تلتقي تجربتان شعريتان متباعدتان جغرافيًا وثقافيًا، لكنهما متجاورتان روحيًا. [...]

إبراهيم أبو عواد الشكّ المنهجي هو وسيلة مؤقتة لفحص مصادر المعرفة ومبادئها، واستبعاد كل ما لا يقوم على أساس يقيني، تمهيدًا لإقامة معرفة صحيحة ثابتة. في هذا المجال يلتقي الغزالي وديكارت، على اختلاف السياق الحضاري والمرجعية الدينية واللغة الفلسفية. فكلاهما جعل من الشك طريقًا لا غاية، ومن الهدم المؤقت سبيلًا إلى بناء الحقيقة. غير أن [...]