
رائد برقاوي
في اللحظات الفاصلة من تاريخ الأمم تظهر المعادن الحقيقية للدول والمجتمعات، فحين تهبّ العواصف وتشتد التحديات لا يبقى في الواجهة سوى قوة القيادة، وصلابة المؤسسات، وتماسك المجتمع، وفي هذه اللحظة التي تواجه فيها دولة الإمارات اعتداءً إيرانياً سافراً، تتجلى صورة دولة استثنائية لم تُبنَ على الصدفة، بل على رؤية بعيدة، وإدارة كفؤة، وعمل متواصل على مدار عقود.
أثبتت الإمارات مرة أخرى أن الدول العظيمة لا تُقاس فقط بما حققته في أوقات الرخاء، بل بقدرتها على حماية منجزاتها في أوقات الاختبار، وبينما تتعرض لضغوط وهجمات غير مسبوقة، تمضي الحياة فيها بثبات وثقة.. اقتصاد يعمل ومطارات مفتوحة وموانئ نابضة ومجتمع مطمئن يثق بقيادته وقدرات دولته.
كم هو عظيم نموذج الإمارات، فهو متفرد في المنطقة، بل يتفوق في جوانب عديدة على تجارب عالمية في التنمية والنمو والازدهار، وفي الأمن والأمان والعدالة والكفاءة التشغيلية والقدرة المالية.. هذه العظمة وهذا التمدد الطبيعي لا بد أن يخلقا لهما أعداء، فالأمر لا يدعو للعجب، فهذه هي طبيعة بعض المجتمعات والأنظمة التي تمارس ما يمكن تسميته ب«الحسد السياسي».
الإمارات، بقيادتها وحكومتها الرشيدة عملت خلال بناء هذا النموذج بشكل مباشر على تقديم تجربتها لمنطقتها الخليجية والعربية والإسلامية للاستفادة منها ومحاكاتها، فهي تؤمن بأن البناء هو أساس الازدهار، وأن الازدهار هو الطريق الأكيد للاستقرار، كما حرصت، بشكل غير مباشر، على أن يكون هذا النموذج الناجح محفزاً للآخرين عرباً وأجانب، ليستلهموا فكرته ويبنوا عليه.
لكن، للأسف الشديد، فإن النجاح غالباً ما يُواجَه بالمقاومة والعداء قولاً وفعلاً، ويُرمى من القريب والبعيد معاً، لا لشيء إلا لأنه يكشف عيوب الفاشلين ويعريهم أمام شعوبهم، ويفنّد في الوقت ذاته نظرياتهم وشعاراتهم البالية التي «لا تسمن ولا تغني من جوع».. هكذا هو حال الإمارات اليوم في تصديها للاعتداء الإيراني السافر.
عظمة الإمارات يعرفها الجميع، فنحن نعيشها ونلمسها يومياً، وتجلت بأعلى مستوياتها خلال هذا الاعتداء الغاشم، حيث ظهرت الإمارات كما عهدناها: دولة كبيرة بنموذجها، قوية بقدراتها، راسخة بقيادتها، عالية الجاهزية بمؤسساتها وكفاءاتها.
استطاعت الإمارات أن تجعل الحياة تسير كما هي، وأن تبقي عجلة الاقتصاد والعمل والإنتاج دائرة بلا توقف، رغم كل الضغوط والمخاطر التي تتعرض لها على مدار الساعة خلال الأسبوعين الماضيين.. لم تتعطل المطارات، ولم تتوقف الموانئ، ولم تهتز ثقة المستثمرين، ولم يفقد المجتمع طمأنينته، بل على العكس تماماً، ازداد التماسك وارتفعت الثقة وتعمّق الإيمان بقدرة هذا الوطن على تجاوز التحديات.
هذا الإنجاز ليس حدثاً عابراً، بل تجربة ستُدرّس بلا شك في مراكز الأبحاث والجامعات العالمية: كيف يمكن لدولة في بقعة جغرافية صغيرة نسبياً أن تتصدى لما يقارب 150 هجوماً يومياً، وفي الوقت ذاته تحافظ على استمرارية الحياة الطبيعية، وتدير مطارات عالمية وموانئ دولية، وتواصل تصدير النفط، وتشغّل مصانعها، وتبث الطمأنينة في مجتمعها.
إنها القيادة الحكيمة، والإدارة الحكومية الكفؤة، والرؤية التي لا تتزعزع أمام التحديات.. إنه الوطن بأكمله، موطنين ومقيمين حيث المصير واحد والمستقبل واحد.. إنها الإمارات.. إمارات المستقبل،
ولعل من أجمل ما كشفته هذه اللحظة الصعبة، ذلك المشهد الإنساني الرائع الذي صنعه المقيمون في الإمارات، فهذه الأرض التي تحتضن أكثر من 200 جنسية لم تكن لهم مجرد مكان للعمل أو الإقامة، بل أصبحت وطناً ثانياً يسكن قلوبهم. في الأيام الماضية ظهر حبهم للإمارات صادقاً وعميقاً، رأيناهم يقفون معها بثقة وطمأنينة، يواصلون أعمالهم، ويتحدثون عنها بفخر، ويدافعون عن صورتها بكل محبة.
أدركوا أن هذا البلد منحهم الأمان والفرص والكرامة، فكان ردهم الطبيعي هو الوفاء والانتماء، وهكذا تجلت صورة الإمارات الحقيقية: وطن يجمع البشر على قيم العمل والتسامح والإنسانية، فيتحول من دولة تستضيف المقيمين إلى بيت كبير يحتضنهم جميعاً.
وفي المقابل، لعب «الحسّاد» وأصحاب الحسابات المجهولة وكتّاب الصحف الصفراء دورهم السلبي المعتاد في تلفيق الأكاذيب وتضخيم الشائعات ومحاولة بث القلق والتشكيك في الإنجاز، لكن هذه المحاولات كانت، كما في كل مرة، أضعف من أن تؤثر في وعي مجتمع يعرف بلاده جيداً ويثق بقيادته ثقة راسخة.
الإمارات لم تبنِ قوتها في يوم أو عام، بل بنتها برؤية وصبر وعمل متواصل، ولذلك فهي قادرة على حماية منجزاتها وصون أمنها والاستمرار في مسيرتها بثبات.
وما بين حسد الحاسدين وثقة المؤمنين بهذا الوطن، تبقى الحقيقة واضحة: الإمارات ليست مجرد دولة ناجحة، بل نموذج حضاري أثبت أن البناء الحقيقي أقوى من الضجيج، وأن العمل الصادق أبقى من الشعارات، وأن الوطن الذي يصنع المستقبل لا توقفه العواصف.
نقلاعن صحيفة الخليج

محمد فال معاوية في زمن الحروب لم يعد من السهل التمييز بين الحقيقة والخيال. وبينما كنت أتصفح منصة X لمتابعة آخر تطورات التصعيد بين إيران وأميركا وإسرائيل، ظهر أمامي مقطع فيديو لانفجار ضخم قرب برج خليفة. كرة نار تتصاعد في السماء، ودخان كثيف يغطي المكان، ومشهد يبدو للوهلة الأولى حقيقيًا إلى حد الصدمة. لم تمر [...]

عبد الرحمن الراشد تجارُ الإشاعاتِ ومنظرو المؤامراتِ مثل تجارِ الحروب، يقتاتونَ على خوفِ النَّاس وهواجسهم. معَ أوَّلِ رصاصةٍ في المعركة، انطلقتْ نظرياتٌ أبرزُها أنَّ الحربَ ليست إلَّا مخططاً استراتيجيّاً أميركيّاً ضد الصّين للسَّيطرةِ على بترولِ الخليج وممراتِه البحرية. الثَّانيةُ تقولُ إنَّ ترمب ورَّطَ المنطقةَ في حربٍ مدمّرةٍ، وسيهربُ تاركاً دولَ الخليج تواجهُ مَصيرَها. وهناكَ من [...]

رضوان السيد يفكر الإيرانيون بالنووي منذ أيام الشاه. ويومها كانوا أشدّ أنصار الولايات المتحدة حماسة، لكن الاعتبارات القومية والإسلامية حالت دون أن يخطوا خطوة الأتراك الحاسمة باتجاه الانضمام إلى «الأطلسي» في الحرب الباردة. الأتراك تولوا مهامّ في مواجهة الاتحاد السوفياتي، والأميركيون والبريطانيون حاولوا إعطاء إيران دوراً زعامياً في «حلف السنتو (CENTO)» الذي انهار بالتغيير في [...]

زيد بن كمي قبل اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى بيومين فقط، كتبت مقالاً في هذه الصحيفة بعنوان «الشرق الأوسط بعد ثلاثين عاماً» ومحاولة قراءة مسار منطقة اعتادت أن تتحرك بين استقرار هش وانفجارات مفاجئة، لكن بعد أن دارت عجلة الحرب فعلياً، أصبح السؤال أكثر إلحاحاً ووضوحاً: إلى أين [...]

مشاري الذايدي هناك منطقة جغرافية لها روحها الخاصّة في هذا العالم؛ فهي مهد الديانات، وموئل الشعوب والحضارات، ومعبر التجارات، ومسرح الحروب والصراعات. إنها ما يُعرَف لدى الغربيين بـ«شرق المتوسط» أو Levant-Levantine، من قبرص وكريت وغيرهما من الجزر/ الدول بشرق البحر الأبيض المتوسط إلى بلاد الشام قاطبة وجنوب الأناضول، بسواحله المتوسطية. كان الوصول إلى هذه الموانئ [...]

محمد فال معاوية في لحظة إقليمية تتسارع فيها التطورات وتتصاعد فيها التوترات في الشرق الأوسط، جاءت عبارة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، مختصرة لكنها بالغة الدلالة: الإمارات "لحمتها مرّة". قد تبدو الجملة قصيرة في كلماتها، لكنها تحمل في طياتها رسالة سياسية ووطنية عميقة تعكس فلسفة دولة بُنيت على التماسك [...]