
محمد فال معاوية
في زمن الحروب لم يعد من السهل التمييز بين الحقيقة والخيال. وبينما كنت أتصفح منصة X لمتابعة آخر تطورات التصعيد بين إيران وأميركا وإسرائيل، ظهر أمامي مقطع فيديو لانفجار ضخم قرب برج خليفة. كرة نار تتصاعد في السماء، ودخان كثيف يغطي المكان، ومشهد يبدو للوهلة الأولى حقيقيًا إلى حد الصدمة.
لم تمر دقائق حتى بدأ الفيديو ينتشر على نطاق واسع، وتداوله كثيرون باعتباره خبرًا عاجلًا عن انفجار في الإمارات. غير أن تفصيلًا صغيرًا في المشهد بدا غير منطقي؛ فالأشخاص الظاهرون في المقطع كانوا يسيرون بهدوء باتجاه موقع الانفجار، لا يهربون منه كما يحدث عادة في مثل هذه اللحظات.
ذلك التفصيل كان كافيًا لإثارة الشك.
وبعد تدقيق سريع، اتضح أن المقطع مفبرك بالكامل، ومُنتج باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدية، أو ما يُعرف عالميًا بتقنية Deepfake، التي باتت قادرة على إنتاج صور ومقاطع فيديو فائقة الواقعية خلال ثوانٍ.
هذه الواقعة ليست استثناءً. فمع كل تصعيد عسكري في المنطقة، تمتلئ منصات التواصل الاجتماعي بمقاطع لانفجارات وهجمات وصور دمار؛ بعضها حقيقي بالفعل، لكن كثيرًا منها مصنوع باستخدام أدوات رقمية متطورة. والمشكلة أن هذه المقاطع تبدو واقعية إلى حد يصعب معه على المستخدم العادي التمييز بين الحقيقة والتزييف.
في الحروب التقليدية كانت المعركة تدور في الميدان، حيث تتواجه الجيوش بالسلاح والعتاد. أما اليوم، فقد ظهرت جبهة أخرى لا تقل خطورة، هي جبهة المعلومات. فالحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل أصبحت أيضًا صراعًا على الرواية وعلى وعي الجمهور.
لقد فتحت التقنيات التوليدية آفاقًا واسعة في مجالات الإعلام والإبداع، لكنها في الوقت نفسه خلقت تحديًا غير مسبوق يتمثل في سهولة إنتاج محتوى مزيف قادر على خداع ملايين المستخدمين. فبإمكان أي شخص تقريبًا اليوم أن يصنع فيديو لانفجار أو هجوم يبدو حقيقيًا تمامًا، ثم ينشره على الإنترنت ليشاهده آلاف أو ملايين الأشخاص قبل أن يتم التحقق من صحته.
وهنا تكمن المشكلة الكبرى: سرعة انتشار المحتوى باتت تفوق بكثير قدرة الجمهور على التحقق منه. فخوارزميات المنصات الرقمية تميل بطبيعتها إلى دفع المحتوى المثير والصادم إلى واجهة المشاهدة، وهو ما يمنح الفيديوهات المفبركة فرصًا أكبر للانتشار، وأحيانًا أسرع من الأخبار الحقيقية.
وفي أوقات الأزمات، يميل الناس بطبيعتهم إلى تصديق الأخبار العاجلة، خصوصًا عندما تكون مصحوبة بصور أو مقاطع فيديو. وهكذا يمكن لمقطع واحد مزيف أن يثير موجة واسعة من القلق والارتباك، وربما الذعر.
ومع تحول منصات التواصل إلى مصدر رئيسي للأخبار لدى كثير من الناس، لم يعد المستخدم مجرد متلقٍ للمعلومة، بل أصبح جزءًا من منظومة نشرها. فبضغطة زر يمكن لأي شخص أن يشارك مقطع فيديو قد يصل خلال دقائق إلى آلاف، وربما ملايين المستخدمين.
لهذا يصبح التحقق ضرورة لا ترفًا. قبل تصديق أي مقطع لانفجار أو هجوم أو كارثة، من الضروري التوقف للحظة وطرح أسئلة بسيطة: من نشر الفيديو؟ وهل صدر عن جهة إعلامية موثوقة؟ وهل توجد مصادر أخرى تؤكد الحدث؟
الذكاء الاصطناعي ليس عدوًا بطبيعته، بل أداة تقنية تحمل إمكانات هائلة في تطوير الإعلام والمعرفة. لكن استخدامه في صناعة التضليل خلال الحروب قد يحوله إلى سلاح خفي يهدد الحقيقة نفسها.
فالحروب الحديثة لم تعد تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بل أيضًا بالخوارزميات والصور المفبركة.
وفي الحروب القديمة كانت الحقيقة أول ضحايا الرصاص، أما في حروب اليوم فقد أصبحت أول ضحايا الخوارزميات.
كاتب صحفي وإعلامي موريتاني مقيم في الإمارات

سمير عطا الله تغيَّر نمطُ الحياة في الأشهر الأخيرة تغيراً جذريّاً ما بين متوقعات العمر وطوارئ السن. اختصرت برامج الأسفار ثم ألغيتها. وكنت أول من يصل إلى المؤتمرات المقررة، وصرت أول من يعتذر. ومع الوقت أدرك الفريقان، رفاق المؤتمرات وأنا، أن الغياب خارج عن إرادتي. كان خوف من أن أصاب بوعكة والناس في مهرجان فرح [...]

محمد فال معاوية ليست كل الدول تُصنع بالجغرافيا؛ فبعضها يُعاد تعريفه بإرادة رجل، وبحلمٍ يسبق الخرائط. وعندما يرحل ذلك الرجل، لا يكون السؤال: كم عامًا حكم؟ بل: ماذا بقي بعده؟ وما الذي تبدّل في خريطة السياسة والاقتصاد والوعي الجمعي بسببه؟ برحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لا تطوي قطر صفحة حاكمٍ سابق فحسب، بل [...]

مشاري الذايدي لا يمكن أن ينهض مجتمع ويتقدّم إلا بوجود مبدعيه، بكل المجالات، فهم الذين يسحبون عربة التاريخ للأمام، وينقلون القافلة من مرحلة إلى مرحلة، ولا يمكن أن يوجد الإبداع ويزدهر إلا بتشجيعٍ وجوائز ماديّة ومعنوية، وفوق ذلك: صونٌ لعطاء الناس وجهودهم، وألَّا يُترك المبدعُ غنيمة يتخاطفه، أو يتخاطف جهده، لصوص الإبداع، الذين استمرأوا نهب [...]

إبراهيم عبد الهادي في السياسة، لا يكون الحضور وحده صانعًا للمعنى، بل قد يصبح الغياب أكثر بلاغة من الخطب، وأكثر كثافة من الصور الجماعية. فالسلطة لا تتحدث دائمًا عبر البيانات الرسمية، بل كثيرًا ما تُفصح عن نفسها من خلال الرموز والإشارات، وما يُرى وما لا يُرى، وما يُقال وما يُترك عمدًا خارج المشهد. من هذا [...]

محمد فال معاوية في لحظة واحدة قد يفقد الإنسان عمله، لكن ما يفقده أحيانًا ليس الدخل… بل الطريقة التي يُرى بها. لم يعد السؤال عن الإنسان يبدأ من جوهره، بل من موقعه الاقتصادي: ماذا يملك؟ كم يربح؟ أين يقف في سلم الدخل؟ شيئًا فشيئًا، تراجع تعريف الإنسان بوصفه قيمة في ذاته، ليُعاد تقديمه بوصفه رقمًا [...]

عبدالمحسن سلامة يجب ألا يمر ما يحدث من انتكاسات للكيان الإسرائيلى فى نيويورك وغيرها مرور الكرام بل يجب التوقف أمامه، والبناء عليه، ووضع رؤية استراتيجية للتعامل معها من أجل كبح جماح إسرائيل، ومحاصرتها، وصولًا إلى هدف التعامل معها كدولة منبوذة عالميًا أسوة بما حدث مع نظام جنوب إفريقيا العنصرى قبل سقوطه. حينما نتحدث عن نيويورك [...]