
د. سعود بن فهد الحارثي
يمثل الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، اليوم واحدًا من أكثر الشخصيات تأثيرًا في الشرق الأوسط، إذ يقود المملكة في مسار تحول غير مسبوق على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ومع اشتعال الحرب بين أمريكا وإسرائيل وإيران، واستهداف طهران لدول الخليج، أصبح قيادته تحت مجهر التحديات الجديدة، التي لم تعد اقتصادية واجتماعية فقط، بل أضحت مسألة أمن واستقرار استراتيجي.
منذ إطلاق رؤية 2030، وضع ولي العهد هدفًا واضحًا: تقليل الاعتماد على النفط وبناء اقتصاد متنوع قائم على الابتكار والاستثمار. وقد شهدت السنوات الماضية خطوات ملموسة، من مشاريع ضخمة مثل نيوم، إلى إصلاحات اقتصادية هيكلية تهدف إلى خلق بيئة استثمارية جاذبة. هذه التحولات الاقتصادية لا تمثل فقط سعيًا لتحديث المملكة، بل هي جزء من استراتيجية شاملة لتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، خاصة في ظل تصاعد التوترات في المنطقة.
لكن رؤية الأمير محمد بن سلمان لم تقتصر على الاقتصاد، بل شملت تغييرات اجتماعية واسعة. تمكين المرأة، توسيع قطاع الترفيه، تطوير البنية الثقافية والرياضية، كلها خطوات تشير إلى مشروع اجتماعي طموح يسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع السعودي بما يتوافق مع التحديات العالمية. هذه الإصلاحات، رغم ما تثيره أحيانًا من مقاومة داخلية، تُظهر رغبة واضحة في التكيف مع عالم سريع التغير.
سياسيًا ودبلوماسيًا، انتهجت السعودية تحت قيادته نهجًا براغماتيًا، يعتمد على تنويع علاقاتها الدولية وعدم الاقتصار على حلفاء تقليديين. فتقارب المملكة مع الصين، إلى جانب الحفاظ على علاقات قوية مع الولايات المتحدة، يعكس استراتيجية تهدف إلى منح السعودية هامش مناورة أوسع في أوقات عدم الاستقرار الإقليمي.
في ضوء الحرب المستمرة بين أمريكا وإسرائيل وإيران، واستهداف طهران لدول الخليج، يكتسب هذا النهج أهمية قصوى، إذ يسعى ولي العهد إلى حماية المصالح الوطنية دون الانجرار إلى صراعات مباشرة قد تهدد الاستقرار الداخلي والخارجي.
لكن التحديات كبيرة. التحولات السريعة، سواء اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، قد تواجه مقاومة من بعض الفئات الداخلية، في حين أن البيئة الإقليمية المضطربة تضيف ضغوطًا جديدة. الهجمات الإيرانية الأخيرة على البنية التحتية الخليجية، بالإضافة إلى التوترات العسكرية المستمرة بين القوى الكبرى، تجعل إدارة الأزمة أكثر تعقيدًا، وتتطلب من ولي العهد مهارات فائقة في الموازنة بين الأمن الداخلي والتحولات الطموحة.
في هذا السياق، يظهر بوضوح السؤال: هل سينجح الأمير محمد بن سلمان في توظيف علاقته مع ترامب لوضع حد للأزمة الحالية التي تهدد وجود الخليج؟ العلاقة الوثيقة بين الزعيمين تمنح المملكة القدرة على لعب دور موازن واستراتيجي في تهدئة النزاعات الكبرى، مع الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والأمنية. استخدام النفوذ الأمريكي عبر هذه القناة يمكن أن يقلل من المخاطر المباشرة ويمنح الخليج فرصة لتجنب كارثة شاملة.
المملكة تحت قيادته لا تسعى فقط إلى حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية، بل تعمل على تقديم نفسها كوسيط مؤثر قادر على إدارة الأزمات الإقليمية، مستخدمة شبكة علاقاتها مع القوى الكبرى لتحقيق الاستقرار ومنع أي تصعيد قد يهدد وجود الخليج واستقرار شعوبه. هذه القدرة على التحرك الدبلوماسي تضع ولي العهد في موقع استراتيجي مهم، حيث يصبح رسم الخرائط السياسية والضغط من أجل تهدئة الأوضاع جزءًا من أدواته للحفاظ على أمن المملكة والمنطقة بأسرها.
في الوقت نفسه، يظهر الأمير محمد بن سلمان إيمانًا واضحًا بأن الوقت والتحرك الاستراتيجي هما مفتاح النجاح. فهو يراهن على أن الاستثمارات في الاقتصاد المتنوع، وتعزيز القدرات الدفاعية، وتطوير المجتمع المدني، كلها عوامل ستساعد المملكة على الصمود أمام الأزمات الإقليمية، وتحقيق مكانة دولية قوية. ورغم التحديات، يبدو أن الرؤية طويلة المدى هي الأداة التي يمكنها تحويل الضغوط الحالية إلى فرص للترسيخ الاستراتيجي للمملكة.
تجربة المملكة تحت قيادته تقدم نموذجًا غير مألوف في المنطقة، حيث تتلاقى الطموحات الاقتصادية والاجتماعية مع الاحتياجات الأمنية والسياسية. وفي ظل التصعيد الإقليمي الأخير، يصبح كل قرار يتخذ على المستويين الداخلي والخارجي حاسمًا. فالنجاح الاقتصادي وحده لم يعد كافيًا، والاستقرار الاجتماعي وحده لا يكفي، بل لابد من تناغم بين الرؤية الطموحة والقدرة على إدارة الأزمات الإقليمية بذكاء وهدوء.
في الختام، يبقى التحدي الأكبر أمام الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، هو عبور المملكة بأمان عبر الحرب الدائرة بين أمريكا وإسرائيل وإيران، وحماية مصالح الخليج من الانزلاق إلى كارثة شاملة. فنجاحه لن يُقاس فقط بالإصلاحات الاقتصادية أو التحولات الاجتماعية، بل بقدرته على توظيف علاقاته الدولية، وخصوصًا مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لإيجاد توازن يضمن استقرار المملكة والمنطقة بأكملها. الزمن وحده كفيل بالإجابة، لكن الدور الذي يلعبه اليوم قد يكون الفارق بين الاستقرار والانزلاق نحو صراعات أكبر تهدد مستقبل الخليج.

سمير عطا الله تغيَّر نمطُ الحياة في الأشهر الأخيرة تغيراً جذريّاً ما بين متوقعات العمر وطوارئ السن. اختصرت برامج الأسفار ثم ألغيتها. وكنت أول من يصل إلى المؤتمرات المقررة، وصرت أول من يعتذر. ومع الوقت أدرك الفريقان، رفاق المؤتمرات وأنا، أن الغياب خارج عن إرادتي. كان خوف من أن أصاب بوعكة والناس في مهرجان فرح [...]

محمد فال معاوية ليست كل الدول تُصنع بالجغرافيا؛ فبعضها يُعاد تعريفه بإرادة رجل، وبحلمٍ يسبق الخرائط. وعندما يرحل ذلك الرجل، لا يكون السؤال: كم عامًا حكم؟ بل: ماذا بقي بعده؟ وما الذي تبدّل في خريطة السياسة والاقتصاد والوعي الجمعي بسببه؟ برحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لا تطوي قطر صفحة حاكمٍ سابق فحسب، بل [...]

مشاري الذايدي لا يمكن أن ينهض مجتمع ويتقدّم إلا بوجود مبدعيه، بكل المجالات، فهم الذين يسحبون عربة التاريخ للأمام، وينقلون القافلة من مرحلة إلى مرحلة، ولا يمكن أن يوجد الإبداع ويزدهر إلا بتشجيعٍ وجوائز ماديّة ومعنوية، وفوق ذلك: صونٌ لعطاء الناس وجهودهم، وألَّا يُترك المبدعُ غنيمة يتخاطفه، أو يتخاطف جهده، لصوص الإبداع، الذين استمرأوا نهب [...]

إبراهيم عبد الهادي في السياسة، لا يكون الحضور وحده صانعًا للمعنى، بل قد يصبح الغياب أكثر بلاغة من الخطب، وأكثر كثافة من الصور الجماعية. فالسلطة لا تتحدث دائمًا عبر البيانات الرسمية، بل كثيرًا ما تُفصح عن نفسها من خلال الرموز والإشارات، وما يُرى وما لا يُرى، وما يُقال وما يُترك عمدًا خارج المشهد. من هذا [...]

محمد فال معاوية في لحظة واحدة قد يفقد الإنسان عمله، لكن ما يفقده أحيانًا ليس الدخل… بل الطريقة التي يُرى بها. لم يعد السؤال عن الإنسان يبدأ من جوهره، بل من موقعه الاقتصادي: ماذا يملك؟ كم يربح؟ أين يقف في سلم الدخل؟ شيئًا فشيئًا، تراجع تعريف الإنسان بوصفه قيمة في ذاته، ليُعاد تقديمه بوصفه رقمًا [...]

عبدالمحسن سلامة يجب ألا يمر ما يحدث من انتكاسات للكيان الإسرائيلى فى نيويورك وغيرها مرور الكرام بل يجب التوقف أمامه، والبناء عليه، ووضع رؤية استراتيجية للتعامل معها من أجل كبح جماح إسرائيل، ومحاصرتها، وصولًا إلى هدف التعامل معها كدولة منبوذة عالميًا أسوة بما حدث مع نظام جنوب إفريقيا العنصرى قبل سقوطه. حينما نتحدث عن نيويورك [...]