الرئيسية/مقالات/إرسال القوات الأميركية إلى الخليج: هل يتكرر كابوس العراق وأفغانستان؟
مقالات

إرسال القوات الأميركية إلى الخليج: هل يتكرر كابوس العراق وأفغانستان؟

محمد فارس الكمالي تجربة العراق وأفغانستان تبقى درسًا صارخًا حول مخاطر إرسال القوات البرية الأمريكية إلى الشرق الأوسط.

محمد فارس الكمالي

تجربة العراق وأفغانستان تبقى درسًا صارخًا حول مخاطر إرسال القوات البرية الأمريكية إلى الشرق الأوسط. فقد أثبت التاريخ أن التدخل العسكري لم يكن مجرد عملية محدودة، بل تحول إلى صراع طويل الأمد أرهق الاقتصاد الأمريكي، وأسفر عن خسائر بشرية جسيمة، وترك فراغًا سياسيًا كبيرًا في المنطقة لم يُسد إلا بعد سنوات طويلة من الجهود الدبلوماسية والمبادرات الدولية.

اليوم، مع احتمال إرسال قوات برية أمريكية إلى الخليج لمواجهة إيران، يطرح السؤال نفسه: هل الولايات المتحدة مستعدة لتكرار الأخطاء السابقة، أم أنها اكتسبت دروسًا كافية من التجارب السابقة؟ فالتوتر الحالي بين واشنطن وطهران يتصاعد بشكل يومي، بينما تستمر إيران في تعزيز قدراتها العسكرية وميليشياتها الإقليمية، ما يزيد من صعوبة أي عملية عسكرية محتملة ويضع الإدارة الأمريكية أمام خيارات محفوفة بالمخاطر.

إضافة إلى ذلك، فإن الاعتماد على الحلفاء الإقليميين لم يعد كما كان في الماضي. فالقواعد الأمريكية في بعض الدول الخليجية، والتي كانت تعتبر يومًا ضمانة للاستقرار، باتت الآن عبئًا على تلك الدول، والدعم السياسي الذي كانت الولايات المتحدة تأمل فيه من بعض الأطراف العربية محدود للغاية، خاصة بعد فقدان الثقة في قدرة واشنطن على تقديم التزامات طويلة الأمد. وفي ظل هذا الواقع، فإن أي حشد للقوات الأمريكية يضع الإدارة الأمريكية أمام تحديات لوجستية وأمنية كبيرة، بما في ذلك تأمين خطوط الإمداد، وضمان الحماية للقوات في بيئة متوترة، ومواجهة تهديدات الهجمات الصاروخية والعمليات غير التقليدية.

التجربة التاريخية تظهر أن أي تدخل عسكري واسع قد يؤدي إلى نتائج غير متوقعة، حتى لو بدأ بأهداف محددة. ففي العراق، بدأت العملية العسكرية بغرض الإطاحة بنظام صدام حسين، لكنها تحولت إلى صراع طويل استنزف الموارد الأمريكية وأضعف الاستقرار الإقليمي، مع تصاعد العنف الطائفي وظهور جماعات مسلحة جديدة. أما في أفغانستان، فقد استمرت العمليات لأكثر من عقدين، مع خسائر بشرية كبيرة ونتائج متواضعة على صعيد استقرار الدولة، مما أظهر محدودية القوة العسكرية وحدود تأثيرها على تغيير الواقع السياسي والاجتماعي في منطقة معقدة مثل الشرق الأوسط.

اليوم، يشكل احتمال إرسال القوات الأمريكية إلى الخليج اختبارًا حقيقيًا لقدرة الإدارة على التعلم من الماضي وتطبيق الدروس المستفادة. فالخيار العسكري المباشر قد يحقق أهدافًا محدودة على المدى القصير، لكنه يحمل تبعات طويلة الأمد، منها تدهور العلاقات مع الحلفاء، وزيادة التوترات الإقليمية، وإثارة احتجاجات شعبية داخل الولايات المتحدة وحلفائها، قد تؤدي إلى إضعاف الموقف الأمريكي على المدى الطويل.

ومن زاوية أخرى، فإن إيران تظهر صمودًا ملحوظًا. هذا الصمود يجعل أي عملية برية أمريكية محفوفة بالمخاطر، إذ من المتوقع أن تواجه القوات الأمريكية مقاومة شرسة، سواء من القوات الإيرانية النظامية أو من التحركات غير التقليدية التي قد تستهدف المصالح الأمريكية في الخليج ومضيق هرمز، ما يزيد من احتمال تصعيد الصراع إلى حرب أوسع.

علاوة على ذلك، فإن التداعيات الاقتصادية لأي تدخل عسكري قد تكون كبيرة، خصوصًا على أسعار النفط والتجارة العالمية، نظرًا لاعتماد الاقتصاد العالمي على أمن مضيق هرمز وموانئ الخليج الحيوية. أي تهديد لهذه الشرايين الاقتصادية قد ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة العالمية، ويزيد من تعقيد المشهد السياسي والاقتصادي على مستوى الدول الكبرى والناشئة على حد سواء.

في ضوء ذلك، يصبح السؤال الأهم ليس مجرد خيار إرسال القوات الأمريكية أو التراجع عنه، بل حول قدرة الإدارة الأمريكية على الموازنة بين القوة العسكرية والخيارات الدبلوماسية لتحقيق أهداف استراتيجية دون الانزلاق إلى مأساة عسكرية قد تؤثر على استقرار المنطقة والعالم بأسره. وفي هذا السياق، يتعين على صناع القرار مراعاة الدروس المستفادة من العراق وأفغانستان، وإدراك أن القوة وحدها لا تكفي، بل تتطلب الحكمة في التعامل مع الأزمات، وفهم عمق التعقيدات السياسية والثقافية والتاريخية للمنطقة.

في النهاية، فإن إرسال القوات الأمريكية إلى الخليج اليوم ليس مجرد مسألة عسكرية، بل اختبار لقدرة الإدارة الأمريكية على التعلم من الماضي وتجنب كارثة محتملة. فالاستراتيجية المتوازنة، التي تجمع بين القوة والعقلانية السياسية، قد تكون السبيل الوحيد للحفاظ على مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط، وتجنب الانزلاق إلى صراع طويل ومكلف، يهدد الأمن الإقليمي والعالمي على حد سواء.

"
“محمد فارس الكمالي تجربة العراق وأفغانستان تبقى درسًا صارخًا حول مخاطر إرسال القوات البرية الأمريكية إلى الشرق الأوسط. فقد أثبت التاريخ أن التدخل العسكري لم يكن مجرد عملية محدودة، بل تحول إلى صراع طويل الأمد أرهق الاقتصاد الأمريكي، وأسفر عن خسائر بشرية جسيمة، وترك فراغًا سياسيًا كبيرًا في المنطقة لم يُسد إلا بعد سنوات طويلة”
— اليوم ميديا / مقالات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في مقالات ←
غطرسة شاهنشاهية

غطرسة شاهنشاهية

قامت السياسة السعودية المعاصرة على مجموعة أسس مثبتة غير معلنة حيال إيران، أهمها المداراة. فالجار التاريخي عبر الخليج له طباع وعادات خاصة جداً في النظرة إلى نفسه، بالتالي إلى غيره، بالتالي إلى العالم أجمع. فالحاكم في العالم ملك إلا في إيران، فهو ملك الملوك، الشاهنشاه. والتاريخ في كل مكان مشاركات وتحولات إلا في طهران، فهو

سمير عطا الله
الثلاثاء، ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
ما بعد صندوق الاقتراع: كيف تبدأ الديمقراطية في التصدع؟

ما بعد صندوق الاقتراع: كيف تبدأ الديمقراطية في التصدع؟

لا يُقاس رسوخ الديمقراطية بمجرد الإقبال على صناديق الاقتراع، بل يتوقف أيضًا على طبيعة الممارسات السياسية التي تحكم العلاقة بين الأحزاب المتنافسة. فالديمقراطية لا تكتمل بإجراء الانتخابات وحده، وإنما تحتاج إلى احترام نتائجها القانونية، والتداول السلمي للسلطة، وصون حقوق المعارضة، وضمان قدرتها على التعبير والوصول إلى المجال العام، إلى جانب إتاحة فرص عادلة للتنافس السياسي.

د. طلال الخزرجي
الاثنين، ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
ليبيا… بعد ليلة سقوط المستشار

ليبيا… بعد ليلة سقوط المستشار

المستشار عقيلة صالح الذي تربَّع على كرسي رئاسة مجلس النواب الليبي اثنتي عشرة سنة (2014 – 2026)، أُزيح عنه في أقل من أربع وعشرين ساعة. جاءت الإزاحة فجأة، وبدَفعةٍ واحدةٍ من أغلبية النواب، الذين صوّت منهم نحو 98 نائباً لصالح تعديل اللائحة الداخلية للمجلس، بحيث تُحدَّد ولاية الرئاسة بعام واحد وتُجرى انتخابات فورية. لكن سيناريو

جمعة بوكليب
الأحد، ١١ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
أرض الحرمين ليست ساحة للابتزاز الحوثي

أرض الحرمين ليست ساحة للابتزاز الحوثي

لا ينبغي أن يُقاس أمن السعودية بقدرتها على امتصاص الهجمات، ولا أن يُطلب منها التعايش مع استهداف منشآتها المدنية باعتباره كلفة طبيعية للصراع الإقليمي. فحماية المواطنين والمقيمين والمصالح الاقتصادية ليست مجرد مسؤولية أمنية، بل شرط لتمكين المملكة من مواصلة مسيرتها التنموية واتخاذ قراراتها السيادية بعيداً عن التهديد المسلح. يعيد الهجوم على مطار الملك خالد الدولي

محمد فال معاوية
الأحد، ١١ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة