الرئيسية/مقالات/الخليج.. هشاشة البدائل
مقالات

الخليج.. هشاشة البدائل

ليلى السالمي في الأزمات الجيوسياسية، تبدو البدائل في البداية إجابة طبيعية على الخطر: إذا تعطل طريق، يُفتح آخر، وإذا أصبح ممر بحري أكثر خطورة، تُعاد توجيه التجارة إلى مسار مختلف.

د. ليلى السالمي

في الأزمات الجيوسياسية، تبدو البدائل في البداية إجابة طبيعية على الخطر: إذا تعطل طريق، يُفتح آخر، وإذا أصبح ممر بحري أكثر خطورة، تُعاد توجيه التجارة إلى مسار مختلف.

لكن هذه المعادلة تصبح أقل بساطة عندما لا تبقى المخاطر محصورة في نقطة واحدة.

ما يجري حول مضيق هرمز وباب المندب يضع مفهوم «البديل» أمام اختبار مختلف. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط باحتمال تعطل طريق رئيسي، وإنما بقدرة المسارات الأخرى على الحفاظ على وظيفتها عندما تمتد المخاطر إلى أكثر من عقدة استراتيجية في الوقت نفسه.

وهنا تظهر هشاشة البدائل.

استثمرت دول الخليج، على مدى سنوات، في الموانئ وخطوط الأنابيب ومرافق التخزين وشبكات النقل والمسارات البحرية البديلة. وأسهم ذلك في تقليل الاعتماد على مسار واحد، ومنح اقتصادات المنطقة قدرة أكبر على التعامل مع الصدمات.

لكن وجود مسار بديل على الخريطة لا يعني بالضرورة أنه بديل مكتمل من الناحية التشغيلية.

فأي مسار آخر يحتاج إلى موانئ قادرة على استقبال الشحنات، وطاقة استيعابية مناسبة، وتأمين بحري يمكن تحمله، وبنية لوجستية قادرة على العمل تحت الضغط، فضلًا عن أسواق تستطيع استيعاب الزيادة في التكلفة.

وقد يبقى الطريق مفتوحًا من الناحية الجغرافية، لكنه يفقد جزءًا من قيمته الاقتصادية إذا ارتفعت كلفة استخدامه أو أصبحت شركات النقل عاجزة عن التنبؤ بسلامة الرحلة ومدتها.

في عالم الطاقة والتجارة، لا تُقاس الاستمرارية بمجرد وجود الممر، وإنما بقدرته على العمل بصورة منتظمة ويمكن الاعتماد عليها.

وتزداد حساسية المشهد مع الضغوط المتزامنة على هرمز وباب المندب. فمضيق هرمز يظل أحد أهم الممرات العالمية للطاقة، فيما يمثل باب المندب حلقة أساسية في حركة التجارة بين البحر الأحمر والمحيط الهندي وقناة السويس.

ومع اضطراب حركة الملاحة في هرمز وارتفاع كلفة الوقود والشحن، تزداد أهمية المسارات الأخرى. لكن التطورات الأخيرة على الساحل الغربي اليمني تكشف في المقابل حدود هذه البدائل. فقد سيطر الحوثيون على مدينة المخا، ووصلوا إلى جزر حنيش، في تطور يعزز قدرتهم على الضغط على البيئة البحرية المحيطة بباب المندب ويضيف عاملًا جديدًا من عدم اليقين إلى أحد أهم مسارات التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.

وهنا تكمن المفارقة: المسار الذي يفترض أن يخفف أثر اضطراب طريق ما قد يجد نفسه تحت ضغط جغرافي أو أمني مختلف.

وهذا لا يعني أن باب المندب أصبح مغلقًا، ولا أن خطوط التصدير البديلة فقدت وظيفتها. لكنه يعني أن قيمة هذه الخيارات ينبغي أن تُقاس بقدرتها على الاستمرار في ظروف الضغط، لا بمجرد وجودها.

من هنا يصبح التنويع الحقيقي أكثر من مجرد الانتقال من طريق إلى آخر. المطلوب هو بناء شبكة من المسارات لا تعتمد جميعها على مصدر الخطر نفسه.

فإذا كان المسار البحري البديل يمر بمنطقة معرضة للتهديد ذاته، أو إذا كان خط الأنابيب ينتهي في ميناء يمكن أن يتأثر بالاضطراب نفسه، فإن التنويع يظل جزئيًا، حتى لو بدا واسعًا على الورق.

وهنا ينبغي التمييز بين كثرة الخيارات ومرونتها. فعدد المسارات المتاحة لا يساوي بالضرورة قدرتها على العمل عندما تتعرض البيئة المحيطة لضغط متزامن.

وهذه إحدى أهم القضايا التي ينبغي أن تدخل في حسابات أمن الطاقة في المنطقة: الانتقال من التفكير في المسار البديل إلى التفكير في منظومة متكاملة للاستمرارية.

فالخطر لا يبدأ عندما تتوقف السفن. قد يبدأ قبل ذلك بكثير.

ارتفاع أقساط التأمين، وزيادة تكاليف الشحن والتمويل، وطول الرحلات، وتغيير المسارات، وصعوبة تأمين بعض مستلزمات التشغيل، كلها تكاليف قد لا تظهر في صورة إغلاق للممر، لكنها تصل في النهاية إلى الاقتصاد الحقيقي.

وهذا يوضح مسألة أساسية: المرونة الاقتصادية لا تعني منع الصدمة، وإنما الحد من قدرتها على التحول إلى أزمة ممتدة.

وينطبق الأمر نفسه على خطوط الأنابيب والمسارات البرية التي استثمرت فيها دول خليجية لتجاوز بعض الاختناقات البحرية. فهي توفر هامشًا مهمًا للمناورة، لكنها لا تلغي العامل الجغرافي.

فالنفط الذي يخرج عبر مسار بري يحتاج في النهاية إلى نقطة تصدير، والنقطة البحرية تحتاج إلى ممر آمن، والميناء يحتاج إلى خدمات لوجستية وتأمين وطاقة تشغيلية.

وبذلك يمكن تجاوز عقدة معينة من دون التخلص من سلسلة المخاطر كلها.

ولهذا لا ينبغي أن يتوقف تقييم أمن الطاقة عند سؤال: كم برميلًا يمكن تصديره خارج هرمز؟ بل يجب أن يمتد إلى سؤال أكثر أهمية: كم من هذه القدرة سيظل متاحًا إذا تعرضت أكثر من حلقة في سلسلة التصدير للضغط في الوقت نفسه؟

وهنا يتسع مفهوم أمن الطاقة نفسه.

فالسفينة والميناء وخط الأنابيب والتأمين والوقود البحري والاتصالات والتمويل والقدرة على تغيير المسار، كلها حلقات مترابطة في منظومة واحدة. وأي ضعف في إحدى هذه الحلقات يمكن أن يرفع تكلفة المنظومة بأكملها.

لذلك لا تكفي حماية المنشآت النفطية والموانئ وحدها. المطلوب هو بناء مرونة تشغيلية تسمح للاقتصاد بالاستمرار حتى عندما تتعرض بعض عناصره للاضطراب.

وهذا لا يعني أن الاستثمارات الخليجية في الموانئ وخطوط الأنابيب والمسارات البديلة كانت غير كافية أو خاطئة. على العكس، أثبتت هذه الاستثمارات أهميتها في تخفيف أثر الأزمات وتقليص الاعتماد على بعض نقاط الاختناق.

لكن التطورات الحالية تكشف أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مستوى أكثر تعقيدًا من التخطيط: ألا تتركز الخيارات كلها حول نقطة ضعف مشتركة، وألا يكون المسار البديل معتمدًا على سلسلة يمكن أن تتأثر بالأزمة نفسها.

فالخيار الأكثر قيمة ليس بالضرورة ذلك الذي يعمل في الظروف الطبيعية، وإنما الذي يحتفظ بجدواه عندما تصبح الظروف استثنائية.

وهذا يتطلب اختبارات دورية للقدرة التشغيلية، وتقييمًا متكاملًا للموانئ والممرات وخطوط الأنابيب، ومحاكاة لصدمات متزامنة، بدل الاكتفاء بقياس الطاقة الاستيعابية في الظروف العادية.

كان السؤال التقليدي في أزمات الطاقة هو: هل يوجد بديل؟

أما السؤال الأكثر أهمية اليوم فهو: هل يستطيع البديل أن يصمد؟

والفرق بين السؤالين كبير.

فوجود خيار آخر يمنح الدولة هامشًا للمناورة، لكن قدرته على الاستمرار هي التي تمنح الاقتصاد القدرة على مواصلة العمل.

ومن هنا، فإن أمن الخليج في المرحلة المقبلة لن يُقاس فقط بحجم الإنتاج أو عدد الموانئ أو طول خطوط الأنابيب، وإنما بمدى ترابط هذه العناصر ضمن شبكة قادرة على امتصاص الصدمات وإعادة توزيع المخاطر.

الخليج لا يواجه مشكلة في امتلاك الخيارات بقدر ما يواجه تحديًا في درجة استقلال هذه الخيارات عن المخاطر نفسها.

وهذه ربما تكون أهم خلاصة تفرضها أزمات هرمز وباب المندب: لا يكفي امتلاك طريق ثانٍ إذا كان هذا الطريق معرضًا لأن يصبح امتدادًا للأزمة الأولى.

المستقبل لا ينتمي إلى من يملك طريقًا واحدًا، ولا حتى إلى من يملك أكبر عدد من الطرق، وإنما إلى من يملك شبكة خيارات تستطيع الاستمرار عندما تصبح الجغرافيا نفسها مصدرًا للخطر.

وهنا تكمن المسألة الاستراتيجية الحقيقية أمام الخليج: ليس فقط بناء بدائل للأزمات، بل بناء بدائل لا تنتقل إليها الأزمة بسهولة.

  • باحثة سياسية بريطانية

"
“د. ليلى السالمي في الأزمات الجيوسياسية، تبدو البدائل في البداية إجابة طبيعية على الخطر: إذا تعطل طريق، يُفتح آخر، وإذا أصبح ممر بحري أكثر خطورة، تُعاد توجيه التجارة إلى مسار مختلف. لكن هذه المعادلة تصبح أقل بساطة عندما لا تبقى المخاطر محصورة في نقطة واحدة. ما يجري حول مضيق هرمز وباب المندب يضع مفهوم «البديل»”
— اليوم ميديا / مقالات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في مقالات ←
من اليمن إلى الأردن… حاربوا الإرهاب

من اليمن إلى الأردن… حاربوا الإرهاب

لا بد أن تتصدى للإرهاب قيادة كل بلد مع قوى المجتمع التنويرية الوطنية وتجتهد في تقليص فرص ظهوره شتان بين دولةٍ غدت فيها الاضطرابات ديدناً، وأخرى ديدنها مجابهة نوازع الاضطراب والتصدي لمختلف أشكال الإرهاب حال وقوعها. إنما يبقى الهم أو الجرح العربي واحداً من المحيط إلى الخليج، ومن الشام إلى اليمن. لذا يتَضامنَ العربُ -بمن

لطفي فؤاد نعمان
الخميس، ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
من أجل روح الخليج

من أجل روح الخليج

لماذا نشأ مجلس التعاون لدول الخليج العربية؟! الهدف الجوهري هو «تعزيز» الارتباط وتعظيم المصالح وصون أمن ورخاء ومستقبل شعوب هذه الدول. لستُ بحاجة للرجوع إلى مواثيق التأسيس ووثائقه، هي موجودة في المواقع الرسمية لأمانة المجلس، وهي مبثوثة على مدى جلسات المجلس منذ أول يوم في 25 مايو (أيار) 1981 خلال القمة الأولى التي عُقدت في

مشاري الذايدي
الخميس، ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
أول عسكري وآخر مدني… الزعيم الخائن

أول عسكري وآخر مدني… الزعيم الخائن

من تذمّر حسني الزعيم من السياسيين إلى تساؤلات القوتلي عن صلة الانقلاب بموقفه من فلسطين، نتابع مع مذكّراته تفاصيل الأيام التي سبقت سقوطه: «ذهب الزعيم إلى منزل السيد خالد بك العظم، الذي خلف جميل مردم بك في رئاسة الحكومة وفي وزارة الدفاع في خريف عام 1948، ليشكو إليه تصرفات فيصل العسلي. كان معه بعض الضباط

سمير عطا الله
الخميس، ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
ترامب في مأزق، وقد يهاجم إيران مجدداً.. كيف يمكن تجنّب هذه الكارثة؟

ترامب في مأزق، وقد يهاجم إيران مجدداً.. كيف يمكن تجنّب هذه الكارثة؟

بمجرد انتهاء انتخابات التجديد النصفي، سيصبح ترامب أكثر تحرراً للتحرك وفق سياسة الانتقام. لكن يمكن كبح جماحه بالإرادة والدبلوماسية. مع اقتراب كارثة جديدة تتعلق بإيران، يبرز سؤال أهم من أي شيء آخر: كيف يمكن منع وقوعها قبل فوات الأوان؟ وبغض النظر عن النتيجة النهائية للانتخابات الإسرائيلية وانتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة الأسبوع المقبل، يبدو أن

سايمون تيسدال
الأربعاء، ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة