
محمد فال معاوية
لم يعد السؤال الذي يواجه العالم العربي هو: من يقود المنطقة؟ بل أصبح أكثر تعقيداً: هل ما زال العالم العربي يحتاج إلى مركز واحد حتى يكون قادراً على إنتاج موقف أو بناء توازن أو حماية مصالحه؟
خلال السنوات الأخيرة، بدا واضحاً أن الخريطة العربية لم تعد تتحرك وفق مركز سياسي واحد، كما لم تعد المصالح العربية تتقاطع بالدرجة نفسها التي كانت عليها في مراحل سابقة. ومع التحولات الأمنية التي شهدتها المنطقة خلال 2026، والأزمات التي امتدت من الخليج إلى البحر الأحمر، وصولاً إلى تباينات عربية ظهرت في ملفات الأمن والطاقة والاستثمار والعلاقات الدولية، أصبح من الصعب التعامل مع العالم العربي باعتباره كتلة سياسية واحدة تتحرك من عاصمة واحدة.
ولعل القطيعة الدبلوماسية بين الجزائر والإمارات في سبتمبر 2026 تقدم مثالاً على اتساع مساحة التباعد بين بعض مراكز القرار العربية، لكنها ليست موضوع هذه الأزمة بحد ذاتها، بقدر ما تكشف عن ظاهرة أوسع: انتقال النظام العربي من مرحلة كانت تبحث عن مركز سياسي جامع إلى مرحلة تتعدد فيها مراكز القوة والمصالح والتأثير.
السؤال الحقيقي، إذن، ليس ما إذا كانت عاصمة عربية قد فقدت دورها، وإنما ما إذا كان زمن «المركز العربي الواحد» قد انتهى بالفعل.
فالعالم العربي اليوم لا يخلو من مراكز القوة، بل ربما أصبح أكثر امتلاءً بها من أي وقت مضى. الرياض تمتلك ثقلاً اقتصادياً وسياسياً وأمنياً متصاعداً، وأبوظبي راكمت نفوذاً واسعاً عبر الاستثمار والتكنولوجيا وشبكات العلاقات الدولية، والدوحة رسخت موقعاً مهماً في الوساطة والدبلوماسية، والقاهرة لا تزال تستند إلى ثقلها السكاني والعسكري والتاريخي، بينما تحتفظ الجزائر بوزن خاص في المغرب العربي ومنطقة الساحل وملفات الطاقة وفلسطين. وفي المقابل، تمتلك عواصم أخرى مثل بغداد ومسقط والرباط أدواراً تتجاوز حجمها الجغرافي أو الاقتصادي في ملفات محددة.
هذه ليست بالضرورة علامة ضعف. المشكلة الجديدة في النظام العربي ليست غياب القوة، وإنما غياب التطابق بين مراكز القوة.
وهنا يكمن التحول الأهم. فالدول العربية لم تعد تنظر إلى الأمن والمصالح من زاوية واحدة. الدولة الخليجية التي تواجه تهديداً مباشراً للملاحة والطاقة ليست بالضرورة الدولة العربية التي تضع أمن الساحل أو أمن المتوسط في مقدمة أولوياتها. والدولة التي ترى في الاستثمار والتكنولوجيا بوابة لنفوذها العالمي قد لا تشارك الدولة الأخرى ترتيبها نفسه للملفات الإقليمية. وحتى داخل المجال الخليجي نفسه، يمكن أن تتطابق المصالح في ملف، وتتباين في ملف آخر، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انهيار العلاقات.
لقد أصبح من الممكن أن تتعاون دول عربية في الطاقة، وتختلف في السياسة؛ أو تنسق أمنياً، بينما تحتفظ كل منها بعلاقات دولية مختلفة؛ أو تلتقي حول أزمة محددة، ثم تتباعد عندما تتغير طبيعة الأزمة. وهذا يعني أن المنطقة تتجه تدريجياً نحو ما يمكن تسميته «التحالفات الانتقائية»: شراكات تتشكل حول قضية أو مصلحة محددة، بدلاً من التحالفات الشاملة التي تفترض تطابقاً واسعاً في الرؤية.
وقد يكون هذا التحول أكثر واقعية من محاولة إعادة إنتاج مركز عربي واحد لم تعد الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية تسمح بوجوده.
لكن التعدد يحمل خطراً موازياً. فحين تتوزع القوة من دون أن توجد آليات لإدارة اختلافاتها، يمكن أن تتحول تعددية المراكز إلى تعدد في الأجندات، ثم إلى تنافس، ثم إلى قطيعة. وهنا يصبح السؤال الأكثر أهمية: هل يستطيع العالم العربي إدارة التعدد، أم سيظل ينظر إلى الاختلاف باعتباره تهديداً؟
هذه النقطة ستكون حاسمة في مستقبل الجامعة العربية أيضاً. فالمشكلة لم تعد في محاولة إيجاد إجماع عربي كامل؛ فهذا الهدف أصبح أكثر صعوبة في ظل اختلاف المصالح وتباين مصادر القوة. التحدي الحقيقي هو بناء صيغة تسمح للدول العربية بالعمل معاً عندما تتطابق مصالحها، من دون أن يصبح الاختلاف في ملف معين سبباً لتعطيل التعاون في كل الملفات.
قد يكون المطلوب، لذلك، الانتقال من مفهوم «الإجماع العربي» بمعناه التقليدي إلى مفهوم أكثر مرونة: التنسيق العربي المتعدد. أي أن تتشكل دوائر تعاون مختلفة وفق طبيعة القضية، من دون الحاجة إلى أن تتطابق جميع العواصم في كل شيء.
في الأمن، قد تظهر ترتيبات خليجية وعربية مختلفة. وفي الطاقة يمكن أن تتشكل شبكات مصالح تتجاوز الحدود التقليدية. وفي التجارة والاستثمار قد تتقدم عواصم بعينها لتقود مشاريع إقليمية. وفي الوساطة السياسية يمكن أن تمتلك دول صغيرة الحجم دوراً يفوق وزنها التقليدي. أما في الملفات التي تحتاج إلى ثقل جماعي، مثل الأمن الغذائي والمائي أو استقرار الملاحة أو مواجهة الأزمات الممتدة عبر الحدود، فقد يصبح التعاون متعدد الأطراف ضرورة لا خياراً.
المفارقة أن القوى الدولية بدأت بالفعل تتعامل مع العالم العربي بهذه الطريقة. لم تعد واشنطن أو بكين أو موسكو أو العواصم الأوروبية تنظر إلى المنطقة باعتبارها وحدة سياسية متجانسة، بل تتعامل مع كل مركز عربي وفق موقعه وقدرته ومصالحه وشبكة علاقاته. وهذا يمنح الدول العربية مساحة أكبر للمناورة، لكنه يحمل في الوقت نفسه خطراً واضحاً: أن يصبح النفوذ العربي موزعاً من دون أن يتحول إلى قوة تفاوضية جماعية.
لهذا فإن المرحلة المقبلة لن تكون معركة على استعادة «العاصمة العربية المركزية»، بقدر ما ستكون اختباراً لقدرة العواصم المتعددة على تحويل اختلافاتها إلى نوع من التوازن بدلاً من تحويلها إلى صراع نفوذ.
العالم العربي لا ينهار إلى فراغ؛ بل يعاد توزيعه.
والقضية ليست أن تحل الرياض محل القاهرة، أو أبوظبي محل بغداد، أو الدوحة محل أي عاصمة أخرى. المسألة أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام نظام عربي جديد تتوزع فيه القوة على أكثر من مركز، وتتغير فيه طبيعة القيادة من مفهوم «المركز» إلى مفهوم «الأدوار».
إذا نجحت الدول العربية في بناء قواعد لإدارة هذا التعدد، فقد تتحول اللامركزية إلى مصدر قوة ومرونة، وتصبح المنطقة أكثر قدرة على التعامل مع الأزمات المتغيرة. أما إذا بقيت الخلافات أسيرة منطق الاصطفاف والقطيعة، فإن تعدد المراكز قد يتحول إلى تعدد في الأزمات.
ربما انتهى زمن القرار العربي الذي يبحث عن مركز واحد. لكن ذلك لا يعني بالضرورة نهاية القرار العربي.
التحدي الحقيقي هو أن يتعلم العالم العربي كيف يعمل من دون مركز واحد، من دون أن يفقد اتجاهه.

د. ناصر الكعبي كانت السيادة، في معناها التقليدي، مرتبطة بالأرض والحدود والجيش. ثم اتسع مفهومها ليشمل الاقتصاد والطاقة والعملة، قبل أن يدخل العالم اليوم مرحلة تضيف إلى هذه العناصر قوة أكثر هدوءًا وأشد تأثيرًا: القدرة على إنتاج المعرفة من البيانات، وتحويلها إلى قرار في الوقت المناسب. هنا يدخل الذكاء الاصطناعي إلى السياسة الدولية من باب [...]

د. راشد المنصوري كان سؤال السياسة الدولية في القرن الماضي بسيطًا نسبيًا: من حليفك؟ أما اليوم، فقد أصبح السؤال أكثر تعقيدًا: كم خيارًا لديك عندما يتغير موقف حليفك؟ هذا التحول لا يعكس فقط تغيرًا في طبيعة العلاقات بين الدول، بل يكشف عن إعادة تعريف لمفهوم القوة نفسه. فالدولة القوية لم تعد تلك التي تمتلك حليفًا [...]

د. ليلى السالمي لم تعد أخطر المناطق في الشرق الأوسط هي تلك التي تقع تحت سيطرة دولة معادية، بل تلك التي لا تخضع بالكامل لسلطة دولة، ولا تمتلك نظامًا مستقرًا لإدارة أمنها وحدودها ومصالحها. هذه المساحات الرمادية تتسع في أكثر من مكان. وعلى امتداد البحر الأحمر، وفي اليمن والسودان وليبيا والعراق وسوريا، لم يعد الفراغ [...]

د. راشد المنصوري لم تعد حرب 2026 مجرد مواجهة عسكرية عابرة في حسابات الخليج، بل لحظة كشفت حدود التصورات التي حكمت الأمن الإقليمي لعقود. فالمشكلة لم تعد في قدرة دولة ما على اعتراض صاروخ أو حماية منشأة، وإنما في قدرتها على إبقاء اقتصادها وموانئها وطاقة مواطنيها وشبكاتها الحيوية قادرة على العمل عندما تتعرض المنطقة لضغط [...]

د. ليلى السالمي في الأزمات الجيوسياسية، تبدو البدائل في البداية إجابة طبيعية على الخطر: إذا تعطل طريق، يُفتح آخر، وإذا أصبح ممر بحري أكثر خطورة، تُعاد توجيه التجارة إلى مسار مختلف. لكن هذه المعادلة تصبح أقل بساطة عندما لا تبقى المخاطر محصورة في نقطة واحدة. ما يجري حول مضيق هرمز وباب المندب يضع مفهوم «البديل» [...]

محمد فال معاوية ليست المشكلة في أن يُغلق مضيق هرمز، ولا في المدة التي قد يستغرقها فتحه. المشكلة الأعمق أن اقتصادًا بحجم الاقتصاد الخليجي يمكن أن يجد نفسه، في لحظة واحدة، أمام سؤال أكثر خطورة: إلى أي مدى يستطيع مواصلة الحركة إذا اضطرب الطريق الذي اعتاد أن يمر عبره إلى العالم؟ لهذا تبدو أزمة هرمز [...]