
د. ليلى السالمي
لم تعد أخطر المناطق في الشرق الأوسط هي تلك التي تقع تحت سيطرة دولة معادية، بل تلك التي لا تخضع بالكامل لسلطة دولة، ولا تمتلك نظامًا مستقرًا لإدارة أمنها وحدودها ومصالحها.
هذه المساحات الرمادية تتسع في أكثر من مكان. وعلى امتداد البحر الأحمر، وفي اليمن والسودان وليبيا والعراق وسوريا، لم يعد الفراغ مجرد نتيجة للحرب أو ضعف الدولة؛ بل أصبح الفراغ نفسه بيئة لإنتاج القوة.
وهنا تظهر إحدى التحولات الأعمق في النظام الإقليمي: الجغرافيا التي لا تديرها الدولة لا تبقى محايدة طويلًا.
في السابق، كان من الممكن النظر إلى المناطق الهشة باعتبارها مشكلة داخلية. أما اليوم، فإن المنطقة غير المستقرة يمكن أن تتحول بسرعة إلى ممر للسلاح، أو منصة للضغط على التجارة، أو نقطة نفوذ لقوة خارجية، أو ورقة تفاوض في صراع أكبر.
وهذا ما يجعل باب المندب مثالًا بالغ الدلالة.
فالقيمة الاستراتيجية للساحل اليمني لا تأتي من مساحته، وإنما من موقعه. ومن يملك القدرة على التأثير في هذا الساحل لا يحتاج إلى امتلاك دولة كاملة حتى يؤثر في الاقتصاد العالمي. يكفي أن يمتلك قدرة محدودة على تهديد الملاحة، أو رفع تكلفة التأمين، أو تعطيل حركة السفن، حتى تتحول منطقة جغرافية محدودة إلى عامل مؤثر في حسابات دول وأسواق بعيدة عنها.
المعادلة نفسها يمكن رؤيتها في مناطق أخرى.
في السودان، لا يقتصر الصراع على مستقبل السلطة في الخرطوم. فهناك موقع على البحر الأحمر، وحدود واسعة، وموارد، وامتدادات أفريقية وعربية تجعل مسار الصراع ذا أبعاد تتجاوز الداخل السوداني.
وفي ليبيا، لا تتعلق المنافسة فقط بمن يحكم العاصمة، بل بموقع يربط شمال أفريقيا بالمتوسط والساحل وأوروبا، ويمنح الجغرافيا الليبية أهمية تتجاوز حدود الصراع المحلي.
أما في العراق وسوريا، فقد أظهرت سنوات الصراع كيف يمكن للحدود أن تصبح أقل قدرة على عزل ساحات الصراع عن بعضها، خصوصًا عندما تتداخل القوى المحلية والإقليمية.
الدولة الحديثة تفترض أن الحدود تنظم الجغرافيا، لكن الشرق الأوسط الحالي يكشف أن الجغرافيا أحيانًا تعيد تشكيل الدولة نفسها.
المشكلة أن التعامل التقليدي مع هذه المناطق غالبًا ما يبدأ من سؤال يبدو منطقيًا، لكنه قد لا يكون الأكثر أهمية: من يستطيع السيطرة عليها؟
لكن السيطرة الكاملة لم تعد دائمًا ممكنة أو حتى ضرورية.
السؤال الأكثر واقعية هو: من يستطيع إدارة المخاطر داخلها؟
هذه نقلة مهمة في التفكير الاستراتيجي.
فالدولة أو القوة الإقليمية التي تستطيع منع تحول منطقة هشة إلى منصة تهديد قد تحقق هدفها من دون أن تسيطر عليها مباشرة.
وهذا يفسر صعود أدوات جديدة في السياسة الإقليمية، من الوساطة والاستثمارات والمساعدات إلى البنى التحتية والتدريب الأمني والشراكات البحرية والدبلوماسية المتعددة الأطراف.
القوة لم تعد دائمًا هي القدرة على دخول المنطقة؛ قد تكون القدرة على منع خصمك من تحويلها إلى أصل استراتيجي.
وهنا تتغير معادلة النفوذ نفسها. فبدل أن يكون النفوذ مرتبطًا فقط بمن يسيطر على الأرض، يصبح مرتبطًا أيضًا بمن يستطيع التأثير في مسارها، وتقليل مخاطرها، ومنع خصومه من استثمار هشاشتها.
التحولات الحالية تعيد الاعتبار إلى الجغرافيا البحرية.
هرمز وباب المندب وقناة السويس والبحر الأحمر ليست نقاطًا منفصلة على الخريطة؛ إنها أجزاء من شبكة واحدة تربط الطاقة بالتجارة بالأمن.
وعندما يتعرض أكثر من ممر للخطر في الوقت نفسه، يصبح مفهوم الأمن البحري أوسع من حماية السفن.
إنه يتعلق بحماية قدرة الاقتصاد العالمي على الحركة.
وهذا يعني أن دول الخليج، ومصر، ودول البحر الأحمر، والهند، والصين، وأوروبا، والولايات المتحدة، لديها مصالح متقاطعة في منع تحويل الممرات البحرية إلى أدوات ابتزاز جيوسياسي.
لكن تقاطع المصالح لا يعني بالضرورة نشوء تحالف واحد.
وهنا تظهر معضلة أخرى: كيف يمكن بناء أمن مشترك من دون إنشاء تبعية سياسية؟
فأمن الممرات البحرية يحتاج إلى تعاون يتجاوز الحدود، لكن هذا التعاون يظل محكومًا بحسابات السيادة والنفوذ والمصالح الوطنية. وكلما اتسعت دائرة الأطراف المعنية، أصبح تحقيق التوازن بين التعاون والاستقلال أكثر تعقيدًا.
ربما تكون هذه هي الفكرة الأكثر أهمية.
المناطق التي تبدو بلا مركز قرار ليست بلا قوة. على العكس، قد تصبح أكثر جذبًا للقوى التي تبحث عن موطئ قدم منخفض التكلفة وعالي التأثير.
ولهذا فإن ترك منطقة ما بلا إدارة استراتيجية لا يعني تركها خارج الصراع.
غالبًا يعني ترك الآخرين يديرونها.
وهنا ينبغي أن يتغير التفكير العربي في الأمن الإقليمي.
بدل انتظار الأزمات حتى تصل إلى الممرات الدولية والمنشآت الحيوية، تحتاج الدول إلى الاستثمار مبكرًا في المناطق التي يمكن أن تتحول إلى نقاط اختناق.
ليس المطلوب احتلالها أو فرض نموذج سياسي عليها.
المطلوب بناء شبكات استقرار تجعل تحويلها إلى منصات للضغط أكثر كلفة، وتمنع الفراغ الأمني والسياسي من التحول إلى أصل استراتيجي في يد طرف آخر.
وهذه الشبكات لا تعني بالضرورة وجود قوة عسكرية واحدة أو تحالف دائم. فقد تشمل أدوات اقتصادية وتنموية وأمنية ودبلوماسية، إضافة إلى تعزيز قدرة الدول المحلية على إدارة أراضيها وممراتها وحدودها.
الشرق الأوسط يدخل مرحلة يصبح فيها إدارة الفراغ جزءًا من الأمن القومي.
الدولة التي تحمي حدودها فقط قد تكتشف أن التهديد وصل إليها من منطقة تقع خارج حدودها.
والدولة التي تنظر إلى البحر باعتباره ممرًا تجاريًا فقط قد تكتشف أنه أصبح ساحة صراع.
والدولة التي تنتظر ظهور الخطر قبل التحرك قد تدفع ثمنًا أعلى بكثير من الدولة التي تستثمر في منع تشكله.
لهذا فإن السؤال الاستراتيجي للمرحلة المقبلة ليس: من يملك هذه المنطقة؟
بل: من يملك القدرة على منع الفراغ فيها من أن يتحول إلى قوة بيد الآخرين؟
قد يكون هذا السؤال أكثر أهمية من سؤال السيطرة نفسه.
فالشرق الأوسط لا يواجه فقط صراعًا على الأرض، أو على الممرات البحرية، أو على النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية؛ بل يواجه صراعًا أعمق على من يملأ الفراغ عندما تتراجع قدرة الدولة على إدارة جغرافيتها.
وفي هذه المعادلة، قد لا تكون القوة الأكثر تأثيرًا هي التي تسيطر على أكبر مساحة، وإنما تلك التي تستطيع منع المساحات الهشة من التحول إلى أدوات في يد خصومها.

د. ناصر الكعبي كانت السيادة، في معناها التقليدي، مرتبطة بالأرض والحدود والجيش. ثم اتسع مفهومها ليشمل الاقتصاد والطاقة والعملة، قبل أن يدخل العالم اليوم مرحلة تضيف إلى هذه العناصر قوة أكثر هدوءًا وأشد تأثيرًا: القدرة على إنتاج المعرفة من البيانات، وتحويلها إلى قرار في الوقت المناسب. هنا يدخل الذكاء الاصطناعي إلى السياسة الدولية من باب [...]

د. راشد المنصوري كان سؤال السياسة الدولية في القرن الماضي بسيطًا نسبيًا: من حليفك؟ أما اليوم، فقد أصبح السؤال أكثر تعقيدًا: كم خيارًا لديك عندما يتغير موقف حليفك؟ هذا التحول لا يعكس فقط تغيرًا في طبيعة العلاقات بين الدول، بل يكشف عن إعادة تعريف لمفهوم القوة نفسه. فالدولة القوية لم تعد تلك التي تمتلك حليفًا [...]

محمد فال معاوية لم يعد السؤال الذي يواجه العالم العربي هو: من يقود المنطقة؟ بل أصبح أكثر تعقيداً: هل ما زال العالم العربي يحتاج إلى مركز واحد حتى يكون قادراً على إنتاج موقف أو بناء توازن أو حماية مصالحه؟ خلال السنوات الأخيرة، بدا واضحاً أن الخريطة العربية لم تعد تتحرك وفق مركز سياسي واحد، كما [...]

د. راشد المنصوري لم تعد حرب 2026 مجرد مواجهة عسكرية عابرة في حسابات الخليج، بل لحظة كشفت حدود التصورات التي حكمت الأمن الإقليمي لعقود. فالمشكلة لم تعد في قدرة دولة ما على اعتراض صاروخ أو حماية منشأة، وإنما في قدرتها على إبقاء اقتصادها وموانئها وطاقة مواطنيها وشبكاتها الحيوية قادرة على العمل عندما تتعرض المنطقة لضغط [...]

د. ليلى السالمي في الأزمات الجيوسياسية، تبدو البدائل في البداية إجابة طبيعية على الخطر: إذا تعطل طريق، يُفتح آخر، وإذا أصبح ممر بحري أكثر خطورة، تُعاد توجيه التجارة إلى مسار مختلف. لكن هذه المعادلة تصبح أقل بساطة عندما لا تبقى المخاطر محصورة في نقطة واحدة. ما يجري حول مضيق هرمز وباب المندب يضع مفهوم «البديل» [...]

محمد فال معاوية ليست المشكلة في أن يُغلق مضيق هرمز، ولا في المدة التي قد يستغرقها فتحه. المشكلة الأعمق أن اقتصادًا بحجم الاقتصاد الخليجي يمكن أن يجد نفسه، في لحظة واحدة، أمام سؤال أكثر خطورة: إلى أي مدى يستطيع مواصلة الحركة إذا اضطرب الطريق الذي اعتاد أن يمر عبره إلى العالم؟ لهذا تبدو أزمة هرمز [...]