
محمد فال معاوية
ليست المشكلة في أن يُغلق مضيق هرمز، ولا في المدة التي قد يستغرقها فتحه. المشكلة الأعمق أن اقتصادًا بحجم الاقتصاد الخليجي يمكن أن يجد نفسه، في لحظة واحدة، أمام سؤال أكثر خطورة: إلى أي مدى يستطيع مواصلة الحركة إذا اضطرب الطريق الذي اعتاد أن يمر عبره إلى العالم؟
لهذا تبدو أزمة هرمز أكبر من أزمة مضيق. إنها لحظة تكشف انتقال الخليج من سؤال حماية الممرات إلى سؤال أكثر تعقيدًا: كيف يحمي اقتصاده من قابلية الاختناق؟
ومن أبوظبي، في منتدى هيلي، جاءت إشارة لافتة في هذا الاتجاه. فعندما يؤكد أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، أن صادرات الطاقة والتجارة والنشاط الاقتصادي الإماراتي لن تكون رهينة للتوتر، وأن بلاده تعمل على مسارات بديلة للطاقة والتجارة، فإن المسألة تتجاوز إجراءً احترازيًا لمواجهة أزمة عابرة.
إنها تعبير عن تصور مختلف للأمن: الدولة لا ينبغي أن تكتفي بحماية الطريق الذي تعتمد عليه، بل عليها أن تقلل أصلًا من قدرة أي طريق واحد على التحكم في مصيرها.
وهنا تكمن الفكرة التي قد تكون أهم من هرمز نفسه.
تعامل الخليج طويلًا مع الجغرافيا باعتبارها قدرًا استراتيجيًا: الطاقة هنا، والموانئ هناك، وهرمز في المنتصف، والأسواق العالمية في الجهة الأخرى.
لكن الجغرافيا التي صنعت الثروة تستطيع، في لحظة اضطراب، أن تصنع الهشاشة أيضًا.
فالممر الذي يمنح الاقتصاد كفاءة عالية في زمن الاستقرار يمكن أن يتحول إلى نقطة ضغط في زمن الصراع. والاقتصاد لا يتوقف عند حدود الميناء؛ وراء كل سفينة شبكة من التأمين والتمويل والمصانع والمخازن والطاقة والأسواق.
وعندما تصاب عقدة رئيسية في هذه الشبكة، يمكن أن تنتقل الصدمة إلى عقد أخرى بعيدة عنها.
من هنا يصبح السؤال أكثر دقة.
ليس المطلوب أن يجد الخليج «هرمزًا آخر»، لأن لا طريق واحدًا يمكن أن يحل محل المضيق بكل ما يمثله من موقع وقدرة وحجم. المطلوب أن يصبح هرمز واحدًا من الخيارات، لا شرطًا وحيدًا لاستمرار الحركة.
فالبديل الحقيقي ليس مجرد طريق جديد، وإنما القدرة على توزيع المخاطر.
حين تستطيع دولة أن تعيد توجيه جزء من تجارتها، أو تنقل بعض صادراتها عبر مسارات أخرى، أو تستخدم شبكة من الموانئ والأنابيب والسكك الحديدية، فإنها لا تلغي الخطر، لكنها تمنع الخطر من امتلاك مفتاح الاقتصاد كله.
عند هذه النقطة تتحول البنية التحتية من أداة لرفع كفاءة التجارة إلى أداة لحماية حرية القرار الاقتصادي.
الميناء يصبح جزءًا من السيادة، وخط الأنابيب عنصرًا من عناصر الأمن الوطني، والسكك الحديدية وسيلة لتوسيع هامش المناورة، فيما تصبح سلاسل الإمداد ملفًا من ملفات الأمن القومي.
وهذا يقود إلى تحول أعمق في مفهوم القوة.
القوة في القرن الحادي والعشرين لا تُقاس فقط بعدد الطائرات والأساطيل والصواريخ، وإنما أيضًا بعدد الخيارات التي تستطيع الدولة استخدامها عندما تتعرض مصالحها الحيوية للضغط.
قد تمتلك دولة قدرات عسكرية هائلة، لكنها تظل شديدة الهشاشة إذا كان اقتصادها مربوطًا بمسار واحد. وقد تكون دولة أقل قوة عسكريًا، لكنها أكثر قدرة على الصمود إذا امتلكت بدائل متعددة للطاقة والتجارة والاتصال.
هنا يصبح تنويع الخيارات شكلًا من أشكال الردع.
فالردع لا يعني فقط أن تجعل تكلفة الهجوم مرتفعة، بل أن تجعل قدرة الخصم على إحداث ضرر استراتيجي محدودة أصلًا.
كلما تعددت طرق التجارة والطاقة، تقلصت قيمة نقطة الاختناق. وكلما اتسعت شبكة الشركاء والأسواق، تراجعت قدرة طرف واحد على فرض العزلة.
بهذا المعنى، لا تعني المرونة الاقتصادية أن الدولة أقل تعرضًا للخطر؛ بل تعني أن الخطر نفسه يصبح أقل قدرة على تغيير سلوكها.
وهنا يمكن فهم المسار الإماراتي في سياقه الأوسع.
الإمارات لا تستطيع تغيير موقعها الجغرافي، لكنها تستطيع تغيير أثر هذا الموقع في اقتصادها. وهذه واحدة من أهم القواعد التي تفرضها المرحلة:
الجغرافيا ثابتة، لكن درجة الاعتماد عليها ليست ثابتة.
يمكن أن يبقى هرمز مهمًا، وتبقى الملاحة عبره ضرورة اقتصادية، لكن يمكن في الوقت نفسه تقليل قدرة اضطرابه على شل الاقتصاد.
وهذه ليست مسألة اقتصادية فحسب؛ بل هي جزء من إعادة تعريف مفهوم الأمن الوطني نفسه.
فالدولة الأكثر قدرة على إعادة توزيع تجارتها وطاقة صادراتها وسلاسل إمدادها عند الأزمات، تمتلك هامشًا أكبر في اتخاذ القرار، وأقل تعرضًا للضغط الناتج عن نقطة اختناق واحدة.
غير أن البنية التحتية وحدها لا تحل مشكلة الأمن الخليجي.
فالطرق البديلة لا تنهي التنافس الجيوسياسي، والموانئ لا تعالج أزمة الثقة، وخطوط الطاقة لا توفر تلقائيًا منظومة أمن إقليمية مستقرة.
أزمة هرمز تكشف مشكلتين في آن واحد: هشاشة بعض المسارات، وتباين الحسابات السياسية.
ولهذا يحتاج الخليج إلى قدرة أكبر على العمل الجماعي في الملفات التي تتقاطع فيها مصالحه، من أمن الملاحة والطاقة إلى الغذاء وسلاسل الإمداد والبنية التحتية الحيوية.
كما يحتاج إلى هامش أوسع في علاقاته الدولية، بحيث لا تتحول الشراكة مع قوة كبرى إلى اعتماد كامل عليها.
وفي هذه المعادلة، ستظل إيران جزءًا من الجغرافيا الخليجية مهما بلغت الخلافات، كما ستظل الولايات المتحدة عنصرًا رئيسيًا في التوازن الأمني للمنطقة.
ولهذا فإن السياسة الأكثر واقعية ليست القطيعة الدائمة ولا الاعتماد الدائم، وإنما:
الحوار دون ارتهان، والردع دون قطيعة، والانفتاح دون سذاجة.
وأظهر منتدى هيلي، المنعقد تحت عنوان «الخليج عند مفترق طرق: الصراع، والتداعيات، وتصحيح المسار»، أن النقاش الخليجي يتجه إلى ما هو أبعد من إدارة الأزمة الحالية، نحو إعادة تعريف العلاقة بين الأمن والاقتصاد والجغرافيا.
فالنموذج الذي قام على وفرة الطاقة، وأمن الممرات، والتجارة العالمية، والمظلة الأمنية الخارجية، حقق للخليج عقودًا من النمو والتحول.
لكن المرحلة المقبلة قد تتطلب عنصرًا جديدًا: القدرة على الاستمرار عندما يفشل أحد أركان المعادلة.
وهنا لا يعود الأمن مجرد حماية للأصول، بل حماية لقدرة الدولة على مواصلة العمل.
ولا تعود السيادة مجرد السيطرة على الأرض والحدود، بل تشمل القدرة على اتخاذ القرار الاقتصادي في ظروف الضغط.
هذه هي النقلة التي قد تجعل «ما بعد هرمز» أكثر أهمية من هرمز نفسه.
فالأزمة قد تنتهي، وقد تعود الملاحة إلى طبيعتها، لكن الدول التي تتعلم من الصدمة لن تعود إلى نقطة البداية.
ستعيد حساب تكلفة الاعتماد، وتنويع طرق الطاقة والتجارة، وتوسيع شبكة الشركاء والأسواق، وتعزيز قدرتها على امتصاص الصدمات بدل انتظار انتهائها.
وعندها لن يكون السؤال:
هل يستطيع الخليج حماية هرمز؟
بل سيصبح السؤال الأكثر نضجًا:
هل يستطيع الخليج أن يجعل مستقبله أقل اعتمادًا على ما يحدث في هرمز؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن المنطقة لا تكون قد تجاوزت أزمة فقط، بل تكون قد بدأت في بناء نموذج جديد للقوة؛ نموذج لا يقيس القوة بما تملكه الدولة فقط، وإنما بما تستطيع أن تفعله عندما تتعرض لما تملك للاختبار.
قد لا يستطيع الخليج تغيير الجغرافيا، لكنه يستطيع تغيير علاقته بها.
وقد لا يستطيع منع الأزمات، لكنه يستطيع تقليل قدرتها على شل اقتصاده.
لذلك فإن الخليج بعد هرمز لن يكون بالضرورة خليجًا بلا مخاطر، وإنما خليجًا أكثر قدرة على الحركة داخل المخاطر.
وهذه، في النهاية، هي جوهر القوة الجديدة: أن لا يكون الطريق هو الذي يحدد مستقبلك، بل أن تكون لديك من الطرق ما يكفي كي يظل المستقبل مفتوحًا.

د. ليلى السالمي قد تبدأ الحرب قبل أن يُطلق الصاروخ الأول. وقد لا يكون أول مؤشر عليها انفجاراً، بل انقطاعاً في الاتصالات، أو اضطراباً في الطاقة، أو تعطل حركة ميناء، أو ارتباكاً في النظام المالي. في عالم تتداخل فيه القوة العسكرية مع الاقتصاد والتكنولوجيا والبنية التحتية، لم يعد الصراع يُقاس فقط بما تستطيع الجيوش تدميره، [...]

د. راشد المنصوري ربما لا يحتاج الخليج إلى مزيد من السلاح بقدر ما يحتاج إلى شيء أكثر صعوبة: القدرة على تحويل ما يملكه من قوة إلى قرار واحد في اللحظة المناسبة. قد تبدو الفكرة غير مألوفة في منطقة أنفقت مئات المليارات على بناء قدراتها الدفاعية، واستثمرت في أحدث الطائرات ومنظومات الدفاع الجوي والصاروخي والرادارات والتقنيات [...]

د. ناصر الكعبي لطالما كانت القواعد العسكرية الأجنبية في الخليج جزءاً أساسياً من معادلة الأمن والردع، ولم تكن مجرد منشآت عسكرية على أراضي الدول المضيفة. فوجود قوة كبرى داخل المنطقة كان يُنظر إليه لعقود باعتباره رسالة ردع واضحة، مفادها أن أي تهديد لن يواجه الدولة المستهدفة وحدها. على مدى عقود، قامت أجزاء مهمة من منظومة [...]

بقلم: مروان السالمي كان المثقف، في زمن قريب، يقف في مكان واضح داخل المجال العام. كان الكتاب يمنحه سلطة، والصحيفة تمنحه منبراً، والندوة تمنحه جمهوراً. أما اليوم، فقد تغير المشهد. صار الجميع قادراً على النشر، وأصبحت المعلومة تتحرك أسرع من صاحبها، ولم يعد المثقف يحتكر الكلام. هل انتهى دوره؟ ربما انتهى شكل من أشكال دوره، [...]
عبدالله عبدالسلام مثلما يوجد أفراد يمتصون طاقتك ويصيبونك بالإجهاد النفسى، هناك أيضًا مدن تفرض عليك نمط حياة يضع جهازك العصبى فى حالة طوارئ مستمرة. مدن تستنزفك بمجرد خروجك إلى الشارع حيث الزحام المرورى الخانق والركض المستمر للحاق بمواعيدك، الأمر الذى يستهلك طاقتك البدنية والنفسية قبل أن تبدأ يومك الفعلى. مدن تقصف حواسك بلا رحمة نتيجة [...]

د. عبدالله المدني بعد إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، شن حرب اقتصادية غير مسبوقة في التاريخ ضد النظام الإيراني لتركيعه أو إسقاطه على يد شعبه، وقوله في منشور له إن أي دولة تسمح لمؤسساتها المالية والشركات والمطارات أو الكيانات الحكومية التابعة لها بأن تمد شريان حياة لإيران ستصبح هي ذاتها عرضة لتبعات اقتصادية هائلة. وبعد [...]