
د. راشد المنصوري
ربما لا يحتاج الخليج إلى مزيد من السلاح بقدر ما يحتاج إلى شيء أكثر صعوبة: القدرة على تحويل ما يملكه من قوة إلى قرار واحد في اللحظة المناسبة.
قد تبدو الفكرة غير مألوفة في منطقة أنفقت مئات المليارات على بناء قدراتها الدفاعية، واستثمرت في أحدث الطائرات ومنظومات الدفاع الجوي والصاروخي والرادارات والتقنيات العسكرية. لكن التجارب الحديثة أثبتت أن التفوق في عدد المنظومات لا يساوي بالضرورة تفوقاً في القدرة على الرد.
فالمعضلة الأمنية لا تبدأ دائماً من سؤال: ماذا نملك؟
بل من سؤال أكثر حساسية: كيف نستخدم ما نملك عندما يبدأ الخطر؟
في الحروب الحديثة، لا تمنح التكنولوجيا وحدها أفضلية حاسمة. فالتهديدات أصبحت أسرع، وأكثر انتشاراً، وأقل قابلية للتنبؤ. صاروخ قد يقطع مئات الكيلومترات خلال دقائق، وطائرة مسيّرة يمكن أن تغير مسارها أو تستهدف منشأة حيوية، وهجوم سيبراني قد يبدأ في شبكة دولة ويمتد أثره إلى أخرى قبل أن تتضح الجهة التي تقف وراءه.
في مثل هذه البيئة، تصبح سرعة القرار جزءاً من منظومة الدفاع نفسها.
وهنا تظهر الفجوة التي ينبغي أن ينشغل بها الخليج أكثر من أي وقت مضى: القدرات موجودة، لكن هل تتحرك كمنظومة واحدة؟
قد تمتلك كل دولة منظومات متقدمة للكشف والاعتراض والاستطلاع، لكن قيمة هذه القدرات تتراجع إذا ظلت المعلومات موزعة بين مراكز مختلفة، وإذا احتاجت الاستجابة إلى المرور بسلسلة طويلة من الاتصالات والتقديرات قبل اتخاذ القرار.
الخطر لا ينتظر اكتمال الصورة السياسية.
وفي الدقائق الأولى لأي أزمة، قد تكون المعلومة التي تمتلكها دولة ما هي القطعة التي تكمل الصورة لدى دولة أخرى. وقد يكون الهدف الذي يظهر في سماء دولة خليجية مؤشراً على تهديد أوسع للمنطقة كلها.
لهذا، فإن الأمن الخليجي يحتاج إلى الانتقال من مفهوم التنسيق إلى مفهوم أكثر تقدماً هو الاندماج العملياتي.
الفرق بين الاثنين جوهري.
التنسيق يعني أن تتبادل الدول المعلومات وتتعاون عندما تقع الأزمة. أما الاندماج العملياتي فيعني أن تكون هناك بنية مسبقة تسمح بتبادل المعلومات في الوقت الحقيقي، وتوحيد معايير الإنذار، وربط أنظمة الرصد والاستشعار، وتحديد آليات واضحة للاستجابة قبل أن يبدأ الخطر.
إنها ليست فكرة إنشاء «جيش خليجي» بالضرورة، ولا تتطلب إلغاء خصوصية الجيوش الوطنية.
ما تحتاجه المنطقة هو عقل أمني مشترك.
غرفة عمليات قادرة على رؤية المجال الجوي والبحري والرقمي باعتباره مسرحاً واحداً، لا مجموعة مسارح منفصلة. منظومة تعرف أن التهديد الذي يظهر على حدود دولة قد يتحول خلال دقائق إلى مشكلة إقليمية. وآلية تسمح بتحويل المعلومات إلى قرار بسرعة تقترب من سرعة التهديد نفسه.
لكن بناء هذه المنظومة أصعب بكثير من شراء معداتها.
فالأسلحة يمكن شراؤها، أما الثقة فلا تُشترى.
والدول لا تسلم معلوماتها الأكثر حساسية بسهولة، ولا تقبل تفويض قراراتها السيادية من دون ضوابط سياسية وقانونية واضحة. وهنا تصطدم فكرة الأمن الجماعي بأحد أكثر المفاهيم رسوخاً في النظام الدولي: السيادة الوطنية.
غير أن السيادة في القرن الحادي والعشرين لا تعني بالضرورة أن تعمل الدولة منفردة.
على العكس، قد تكون القدرة على العمل المشترك إحدى أكثر صور حماية السيادة تطوراً. فالدولة التي تستطيع الوصول إلى معلومات أوسع، وتحصل على إنذار مبكر، وتملك خيارات متعددة للاستجابة، تكون أكثر قدرة على اتخاذ قرارها بنفسها، لا أقل.
وهذا هو التحول المطلوب في التفكير الخليجي: الانتقال من سؤال «من يحمينا؟» إلى سؤال «كيف نحمي أنفسنا بصورة أكثر فاعلية، مع الاستفادة من تحالفاتنا وشراكاتنا؟»
الإجابة لا تعني الاستغناء عن الشركاء الدوليين. فالوجود العسكري والشراكات الدفاعية الدولية يقدمان قدرات مهمة في الردع والاستخبارات والاستطلاع والدفاع الجوي والإنذار المبكر. لكن الاعتماد على الخارج لا ينبغي أن يكون بديلاً عن بناء قدرة خليجية مترابطة تستطيع العمل في اللحظات التي يكون فيها القرار الوطني والإقليمي تحت ضغط الوقت.
وهنا يصبح التكامل الدفاعي الخليجي مشروعاً استراتيجياً، لا مجرد ملف عسكري.
فالمطلوب ليس فقط ربط الرادارات، بل ربط مراكز القرار. وليس فقط مشاركة البيانات، بل بناء ثقة تسمح باستخدامها. وليس فقط إجراء المناورات، بل اختبار قدرة المنظومة على اتخاذ قرار مشترك في ظروف حقيقية ومفاجئة.
وقد يكون من الضروري، في هذا السياق، التفكير في تطوير آلية خليجية دائمة للإنذار المبكر وإدارة الأزمات، تعمل على مدار الساعة، وتضم قدرات الرصد الجوي والبحري والسيبراني، وتملك بروتوكولات واضحة لتبادل المعلومات والتعامل مع التهديدات العابرة للحدود.
لكن الأهم من التكنولوجيا هو قواعد القرار.
من يعلن مستوى الخطر؟ من يطلب المساندة؟ متى تنتقل المعلومات من المستوى الوطني إلى المستوى الخليجي؟ وكيف يمكن منع اختلاف التقديرات بين العواصم من إبطاء الاستجابة؟
هذه الأسئلة قد تبدو إجرائية، لكنها في الحقيقة تقع في قلب الأمن الاستراتيجي.
ففي الأزمات، لا تكفي القدرة على اكتشاف التهديد إذا كانت آلية اتخاذ القرار أبطأ منه. ولا تكفي المنظومة الدفاعية إذا كانت كل دولة ترى جزءاً من الصورة بينما يحتاج الجميع إلى رؤية المشهد كاملاً.
لهذا، قد لا يكون التحدي الخليجي المقبل هو امتلاك منظومات أكثر تطوراً، بل جعل المنظومات الموجودة تتحدث اللغة نفسها وتعمل وفق إيقاع واحد.
إن الخليج لا يفتقر إلى المال، ولا إلى التكنولوجيا، ولا إلى العلاقات الدولية، ولا إلى الخبرات العسكرية. ما يحتاجه هو تحويل هذه العناصر المتفرقة إلى قدرة جماعية قابلة للاستخدام في اللحظة الحاسمة.
وربما لا يحتاج الخليج إلى «ناتو جديد».
قد يحتاج فقط إلى أن يتوقف عن مواجهة الخطر بعقلية الجزر المنفصلة.
ففي الحروب الحديثة، لا تكون الأفضلية دائماً لمن يملك السلاح الأكثر تطوراً، بل لمن يستطيع أن يرى الخطر أولاً، ويفهمه أسرع، ويتخذ القرار قبل أن يتحول الوقت نفسه إلى سلاح في يد الخصم.
وهنا تبدأ معادلة الأمن الخليجي الجديدة: قوة متعددة، لكن رؤية واحدة؛ قدرات وطنية، لكن إنذار مشترك؛ وسيادة كاملة، لكن قرار أسرع عندما يكون الخطر عابراً للحدود.

د. ليلى السالمي قد تبدأ الحرب قبل أن يُطلق الصاروخ الأول. وقد لا يكون أول مؤشر عليها انفجاراً، بل انقطاعاً في الاتصالات، أو اضطراباً في الطاقة، أو تعطل حركة ميناء، أو ارتباكاً في النظام المالي. في عالم تتداخل فيه القوة العسكرية مع الاقتصاد والتكنولوجيا والبنية التحتية، لم يعد الصراع يُقاس فقط بما تستطيع الجيوش تدميره، [...]

د. ناصر الكعبي لطالما كانت القواعد العسكرية الأجنبية في الخليج جزءاً أساسياً من معادلة الأمن والردع، ولم تكن مجرد منشآت عسكرية على أراضي الدول المضيفة. فوجود قوة كبرى داخل المنطقة كان يُنظر إليه لعقود باعتباره رسالة ردع واضحة، مفادها أن أي تهديد لن يواجه الدولة المستهدفة وحدها. على مدى عقود، قامت أجزاء مهمة من منظومة [...]

بقلم: مروان السالمي كان المثقف، في زمن قريب، يقف في مكان واضح داخل المجال العام. كان الكتاب يمنحه سلطة، والصحيفة تمنحه منبراً، والندوة تمنحه جمهوراً. أما اليوم، فقد تغير المشهد. صار الجميع قادراً على النشر، وأصبحت المعلومة تتحرك أسرع من صاحبها، ولم يعد المثقف يحتكر الكلام. هل انتهى دوره؟ ربما انتهى شكل من أشكال دوره، [...]
عبدالله عبدالسلام مثلما يوجد أفراد يمتصون طاقتك ويصيبونك بالإجهاد النفسى، هناك أيضًا مدن تفرض عليك نمط حياة يضع جهازك العصبى فى حالة طوارئ مستمرة. مدن تستنزفك بمجرد خروجك إلى الشارع حيث الزحام المرورى الخانق والركض المستمر للحاق بمواعيدك، الأمر الذى يستهلك طاقتك البدنية والنفسية قبل أن تبدأ يومك الفعلى. مدن تقصف حواسك بلا رحمة نتيجة [...]

د. عبدالله المدني بعد إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، شن حرب اقتصادية غير مسبوقة في التاريخ ضد النظام الإيراني لتركيعه أو إسقاطه على يد شعبه، وقوله في منشور له إن أي دولة تسمح لمؤسساتها المالية والشركات والمطارات أو الكيانات الحكومية التابعة لها بأن تمد شريان حياة لإيران ستصبح هي ذاتها عرضة لتبعات اقتصادية هائلة. وبعد [...]

سوسن الشاعر هناك اتفاق دولي ضمني على إنهاء حقبة الجماعات العابرة للحدود؛ فبعد «داعش» و«القاعدة» جاء دور الأذرع الإيرانية التي أصبحت خطراً يهدد العالم بقيادة «الحرس الثوري» الإيراني. وهنا المنعطف العالمي الذي لم يدركه «الحرس الثوري» ولا فصائله، أن نصف القرن الماضي لم يكن «الحرس الثوري» يشكل تهديداً على الطاقة أو سلاسل الإمداد الدولية، وما [...]