
د. ليلى السالمي
قد تبدأ الحرب قبل أن يُطلق الصاروخ الأول.
وقد لا يكون أول مؤشر عليها انفجاراً، بل انقطاعاً في الاتصالات، أو اضطراباً في الطاقة، أو تعطل حركة ميناء، أو ارتباكاً في النظام المالي. في عالم تتداخل فيه القوة العسكرية مع الاقتصاد والتكنولوجيا والبنية التحتية، لم يعد الصراع يُقاس فقط بما تستطيع الجيوش تدميره، بل بما تستطيع الدول الحفاظ عليه عندما تتعرض للضغط.
وهنا يتغير السؤال الاستراتيجي.
لم يعد السؤال: كم صاروخاً يملك الخصم؟
بل أصبح: كم يوماً تستطيع الدولة أن تواصل حياتها الطبيعية إذا تعرضت لهجوم متعدد الجبهات؟
هذه النقلة في مفهوم الأمن ليست تفصيلاً تقنياً، بل تحوّل سياسي يمس جوهر الدولة الحديثة.
الخليج، بحكم موقعه وثقله الاقتصادي، يمتلك كثيراً من عناصر القوة التي تجعل استهدافه مكلفاً. لكنه في الوقت نفسه يعتمد على منظومة مترابطة من الطاقة والمياه والموانئ والمطارات والاتصالات والبيانات وسلاسل الإمداد. وهذه الدرجة العالية من الترابط صنعت قوة اقتصادية هائلة، لكنها خلقت أيضاً نوعاً جديداً من الهشاشة الاستراتيجية.
فالخصم لا يحتاج دائماً إلى مهاجمة القوة مباشرة.
قد يحاول تعطيل ما يجعل هذه القوة تعمل.
ميناء متوقف لساعات قد تكون له آثار تتجاوز موقعه الجغرافي. واضطراب في شبكة اتصالات قد ينعكس على قطاعات واسعة. وتعطيل منظومة مالية قد يربك النشاط الاقتصادي من دون طلقة واحدة. أما استهداف منشأة للمياه أو الطاقة، فقد يحول عملية أمنية محدودة إلى أزمة سياسية وإنسانية واسعة.
وهنا تصبح القدرة على الصمود جزءاً من القوة الوطنية، وليست مجرد إجراء احترازي.
الدولة القوية ليست فقط التي تستطيع الرد على الهجوم، وإنما التي تستطيع منع الهجوم من تغيير سلوكها أو تعطيل وظائفها الأساسية.
وهذا يفرض إعادة النظر في مفهوم الردع نفسه.
فالردع التقليدي يقوم بدرجة كبيرة على إقناع الخصم بأن تكلفة الهجوم ستكون أعلى من مكاسبه. لكن الحروب الحديثة تفتح مساحة أخرى للصراع: استنزاف القدرة على العمل، وإرباك القرار، ورفع كلفة الحياة اليومية، وإحداث فجوة بين مؤسسات الدولة والمجتمع.
إذا استطاع خصم ما أن يضرب منظومة حيوية من دون أن يحقق نصراً عسكرياً، لكنه نجح في إرباك الاقتصاد أو تعطيل الخدمات أو إبطاء القرار السياسي، فقد حقق جزءاً من هدفه.
لذلك، فإن حماية البنية التحتية الحيوية لم تعد قضية هندسية أو أمنية فرعية. إنها جزء من الأمن القومي والسيادة السياسية.
وهذا مهم بصورة خاصة في الخليج.
فالاقتصادات الخليجية الحديثة لا تقوم على مورد واحد، وإنما على شبكات متداخلة من التجارة والطاقة والخدمات اللوجستية والقطاع المالي والتكنولوجيا. وكلما زادت هذه الشبكات تطوراً، أصبح الحفاظ على استمراريتها في أوقات الأزمات أكثر أهمية من مجرد حماية منشأة منفردة.
المطلوب إذن ليس تحصين كل شيء بالدرجة نفسها؛ فهذا غير ممكن ولا اقتصادي.
المطلوب هو معرفة ما الذي لا يجوز أن يتوقف.
ما الذي يجب أن يستمر مهما كان مستوى التصعيد؟
وما البدائل الموجودة إذا تعطلت منشأة رئيسية؟
وأين توجد نقاط الاختناق التي يمكن أن يؤدي ضربها إلى تأثير يتجاوز حجمها بكثير؟
هذه الأسئلة ينبغي أن تصبح جزءاً من التفكير الاستراتيجي، لا أن تُترك لمرحلة الأزمة.
والأهم أن الصمود لا يمكن أن يكون مسؤولية مؤسسة واحدة.
لا تستطيع وزارة الدفاع وحدها حماية الأمن الوطني الجديد، كما لا تستطيع المؤسسات المدنية التعامل منفردة مع أزمة واسعة. الأمن الحقيقي أصبح يتطلب اتصالاً مستمراً بين القرار السياسي والعسكري والاقتصادي والتقني.
وهنا تبرز قضية أكثر حساسية: سرعة القرار.
في الأزمات التقليدية، كان لدى الدولة وقت نسبي لجمع المعلومات وتقييمها واتخاذ القرار. أما في بيئة الصراع الجديدة، فقد تتحرك الأحداث خلال دقائق، بينما تحتاج المؤسسات إلى التنسيق والتحقق والاستجابة.
الدولة التي ترى الهجوم لكنها تتأخر في فهمه قد تكون في وضع أسوأ من دولة أقل تسليحاً لكنها أسرع في اتخاذ القرار.
وهذا يعني أن الأمن الوطني لم يعد مسألة قدرات فقط، بل مسألة جاهزية مؤسسية.
كما أن بناء القدرة على الصمود لا يعني الانغلاق أو الاستغناء عن الحلفاء. على العكس، ستظل الشراكات الدولية جزءاً مهماً من أمن الخليج، خصوصاً في مجالات الإنذار المبكر والاستخبارات والدفاع الجوي والبحري والتقنيات المتقدمة.
لكن الشراكة شيء، والاعتماد الكامل شيء آخر.
كلما امتلكت الدولة قدرة أكبر على حماية وظائفها الأساسية ومواصلة عملها أثناء الأزمات، أصبحت شراكاتها الخارجية أكثر توازناً، وأصبح قرارها السياسي أكثر استقلالاً.
وهنا ربما يكون التحول الأهم: الانتقال من مفهوم حماية الحدود إلى مفهوم حماية الدولة كمنظومة متكاملة.
فالحدود لم تعد خطوطاً مرسومة على الخريطة فقط. قد تمتد إلى البحر، وإلى الفضاء الرقمي، وإلى شبكات الطاقة، وإلى سلاسل الإمداد، وإلى مراكز البيانات، وإلى الممرات البحرية التي تعتمد عليها التجارة.
والسيادة بدورها لم تعد تعني فقط القدرة على منع قوة أجنبية من دخول أراضي الدولة. إنها تعني أيضاً القدرة على إبقاء الدولة قادرة على اتخاذ قراراتها وممارسة وظائفها الأساسية تحت الضغط.
لهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل صانع القرار الخليجي ليس فقط: كيف نمنع الحرب؟
بل أيضاً: كيف نضمن أن الدولة ستبقى قادرة على العمل إذا بدأت الحرب؟
الفرق بين السؤالين هو الفرق بين الاستعداد للتهديد والاستعداد لتحمّل آثاره.
وقد يكون هذا هو الشكل الجديد للردع: أن يعرف الخصم مسبقاً أن تعطيل منشأة أو شبكة أو مرفق لن يؤدي إلى شلل الدولة، وأن الهجوم المحدود لن يتحول إلى مكسب استراتيجي.
في النهاية، لن تختفي الصواريخ من الحروب، ولن تصبح الجيوش أقل أهمية. لكن الحرب نفسها أصبحت أوسع من ساحة المعركة.
قد تبدأ في البحر، أو في شبكة، أو في سوق، أو في كابل، ثم تنتقل آثارها إلى حياة الملايين.
ومن هنا، فإن الدولة الأكثر أمناً ليست بالضرورة التي تملك السلاح الأكثر تطوراً، بل التي تستطيع اكتشاف الخطر مبكراً، واتخاذ القرار سريعاً، وحماية وظائفها الحيوية، ومواصلة العمل رغم الصدمة.
ففي الحروب الجديدة، قد لا يكون السؤال من يستطيع تدمير خصمه أولاً.
السؤال الأخطر هو: من يستطيع أن يبقى واقفاً عندما يحاول الخصم إسقاطه من الداخل؟
وهذه، قبل الصاروخ وبعده، هي المعركة الحقيقية على قوة الدولة وسيادتها.

د. راشد المنصوري ربما لا يحتاج الخليج إلى مزيد من السلاح بقدر ما يحتاج إلى شيء أكثر صعوبة: القدرة على تحويل ما يملكه من قوة إلى قرار واحد في اللحظة المناسبة. قد تبدو الفكرة غير مألوفة في منطقة أنفقت مئات المليارات على بناء قدراتها الدفاعية، واستثمرت في أحدث الطائرات ومنظومات الدفاع الجوي والصاروخي والرادارات والتقنيات [...]

د. ناصر الكعبي لطالما كانت القواعد العسكرية الأجنبية في الخليج جزءاً أساسياً من معادلة الأمن والردع، ولم تكن مجرد منشآت عسكرية على أراضي الدول المضيفة. فوجود قوة كبرى داخل المنطقة كان يُنظر إليه لعقود باعتباره رسالة ردع واضحة، مفادها أن أي تهديد لن يواجه الدولة المستهدفة وحدها. على مدى عقود، قامت أجزاء مهمة من منظومة [...]

بقلم: مروان السالمي كان المثقف، في زمن قريب، يقف في مكان واضح داخل المجال العام. كان الكتاب يمنحه سلطة، والصحيفة تمنحه منبراً، والندوة تمنحه جمهوراً. أما اليوم، فقد تغير المشهد. صار الجميع قادراً على النشر، وأصبحت المعلومة تتحرك أسرع من صاحبها، ولم يعد المثقف يحتكر الكلام. هل انتهى دوره؟ ربما انتهى شكل من أشكال دوره، [...]
عبدالله عبدالسلام مثلما يوجد أفراد يمتصون طاقتك ويصيبونك بالإجهاد النفسى، هناك أيضًا مدن تفرض عليك نمط حياة يضع جهازك العصبى فى حالة طوارئ مستمرة. مدن تستنزفك بمجرد خروجك إلى الشارع حيث الزحام المرورى الخانق والركض المستمر للحاق بمواعيدك، الأمر الذى يستهلك طاقتك البدنية والنفسية قبل أن تبدأ يومك الفعلى. مدن تقصف حواسك بلا رحمة نتيجة [...]

د. عبدالله المدني بعد إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، شن حرب اقتصادية غير مسبوقة في التاريخ ضد النظام الإيراني لتركيعه أو إسقاطه على يد شعبه، وقوله في منشور له إن أي دولة تسمح لمؤسساتها المالية والشركات والمطارات أو الكيانات الحكومية التابعة لها بأن تمد شريان حياة لإيران ستصبح هي ذاتها عرضة لتبعات اقتصادية هائلة. وبعد [...]

سوسن الشاعر هناك اتفاق دولي ضمني على إنهاء حقبة الجماعات العابرة للحدود؛ فبعد «داعش» و«القاعدة» جاء دور الأذرع الإيرانية التي أصبحت خطراً يهدد العالم بقيادة «الحرس الثوري» الإيراني. وهنا المنعطف العالمي الذي لم يدركه «الحرس الثوري» ولا فصائله، أن نصف القرن الماضي لم يكن «الحرس الثوري» يشكل تهديداً على الطاقة أو سلاسل الإمداد الدولية، وما [...]