
د. ناصر الكعبي
لطالما كانت القواعد العسكرية الأجنبية في الخليج جزءاً أساسياً من معادلة الأمن والردع، ولم تكن مجرد منشآت عسكرية على أراضي الدول المضيفة. فوجود قوة كبرى داخل المنطقة كان يُنظر إليه لعقود باعتباره رسالة ردع واضحة، مفادها أن أي تهديد لن يواجه الدولة المستهدفة وحدها.
على مدى عقود، قامت أجزاء مهمة من منظومة الأمن الخليجي على هذه الفكرة. فالدولة الصغيرة أو المتوسطة تستطيع، من خلال الشراكة مع قوة عسكرية كبرى، الحصول على مظلة ردع يصعب عليها بناؤها منفردة. ومن هنا، لم تكن القواعد العسكرية مجرد مواقع عملياتية، بل رسائل سياسية وعسكرية تقول إن أي اعتداء لن يواجه الدولة المستهدفة وحدها.
لكن الحروب الحديثة بدأت تقلب هذه المعادلة.
فالقوة التي تأتي إلى أرضك لحمايتك قد تجعل أرضك، في لحظة معينة، جزءاً من حسابات الحرب نفسها. وكلما ازدادت أهمية القاعدة العسكرية بالنسبة إلى حليفك، ازدادت قيمتها أيضاً في حسابات خصمه.
هنا يظهر السؤال الذي لا تحب الجغرافيا السياسية الإجابة عنه: متى تتحول الحماية إلى مصدر خطر؟
المشكلة ليست في وجود القاعدة بحد ذاته، ولا في التحالف مع قوة كبرى، وإنما في كيفية توزيع المخاطر داخل هذا التحالف.
عندما تستضيف دولة ما منشأة عسكرية ذات أهمية استراتيجية، فإنها تحصل على مزايا أمنية وسياسية واقتصادية، لكنها تتحمل، في المقابل، مستوى معيناً من المخاطر المرتبطة بأهمية المنشأة. وقد لا تكون الدولة المضيفة طرفاً مباشراً في الحرب، لكنها قد تجد نفسها داخل نطاق تداعياتها.
وهذا هو الفارق بين قرار الحرب ونتائج الحرب.
قد لا تكون الدولة قد قررت الدخول في الصراع، لكن موقعها الجغرافي أو وجود منشأة عسكرية مهمة على أراضيها قد يجعلها جزءاً من الحسابات العسكرية للخصوم. وفي عالم الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة، لم تعد المسافة الجغرافية ضمانة كافية.
فالقاعدة العسكرية لم تعد جزيرة معزولة عن محيطها.
وفي الوقت نفسه، سيكون من الخطأ النظر إلى المسألة من زاوية واحدة. فالوجود العسكري الأمريكي في الخليج لا يمثل عبئاً أمنياً فقط، بل يوفر قدرات لا يمكن تجاهلها بسهولة، من الردع والاستخبارات والمراقبة والإنذار المبكر إلى الدفاع الجوي والخبرة العملياتية والقدرة على التحرك السريع.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ينبغي للخليج أن يتخلى عن القواعد العسكرية الأجنبية؟
السؤال الأكثر واقعية هو: كيف يمكن لدول الخليج أن تستفيد من التحالفات والقواعد العسكرية، من دون أن تجعل أمنها مرتبطاً بالكامل بالقرارات العسكرية لحلفائها؟
هنا تبدأ المعادلة الأكثر أهمية.
الأمن المستدام لا يعني الاكتفاء بالحليف، كما لا يعني الاستغناء عنه. بل يعني امتلاك الدولة طبقات متعددة من القدرة تجعلها أقل تعرضاً للضغط عندما تتغير الظروف.
طبقة أولى تتمثل في القوة الذاتية: الدفاع الجوي والصاروخي، والقدرات البحرية، والأمن السيبراني، والاستطلاع، والإنذار المبكر.
وطبقة ثانية تقوم على التعاون الإقليمي، وتبادل المعلومات، وتنسيق الاستجابة للأزمات.
وطبقة ثالثة تتمثل في الشراكات الدولية المتعددة، بحيث لا يصبح الأمن الوطني معتمداً على طرف واحد، مهما بلغت قوته.
وهنا يتحول تنويع الشراكات الأمنية من خيار دبلوماسي إلى أداة لإدارة المخاطر.
فالتحالف الناجح ليس الذي يجعل الدولة غير قادرة على حماية نفسها من دون حليف، وإنما الذي يمنحها مساحة أكبر للمناورة والاختيار. وكلما امتلكت الدولة قدرات ذاتية أكبر، أصبحت شراكتها مع القوى الكبرى أكثر توازناً، وأصبح بإمكانها التعامل مع الأزمات من موقع الشريك، لا من موقع الطرف الذي ينتظر الحماية.
وهذا يقود إلى قضية أعمق: هل يمكن فصل أمن القاعدة عن أمن الدولة المضيفة؟
عملياً، قد يكون الفصل ممكناً في بعض الظروف، لكنه يصبح أكثر صعوبة عندما تدخل المنطقة مرحلة مواجهة عسكرية مفتوحة. فالقاعدة قد تكون هدفاً عسكرياً، بينما تكون الدولة المضيفة حريصة على البقاء خارج الحرب. وبين الهدفين توجد مساحة رمادية تحتاج إلى ترتيبات سياسية وعسكرية دقيقة.
وهنا تظهر أهمية قواعد الاشتباك، وقنوات الاتصال، والتنسيق المسبق، والقدرة على إدارة التصعيد. فالأمن لا يُقاس فقط بعدد الطائرات والمنظومات الدفاعية، بل أيضاً بقدرة الدولة على منع سوء التقدير من تحويل حادث عسكري إلى مواجهة أوسع.
هذه النقطة تحديداً تستحق اهتماماً أكبر في الخليج.
فالمنطقة تقع عند تقاطع طرق الطاقة والتجارة والممرات البحرية، وأي مواجهة واسعة فيها لا تتوقف آثارها عند الحدود. قد يستهدف صاروخ أو طائرة مسيّرة منشأة عسكرية، لكن تداعيات ذلك قد تمتد إلى المطارات والموانئ وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وحركة الملاحة وثقة المستثمرين.
أي أن المخاطر الأمنية أصبحت اقتصادية أيضاً.
ومن هنا، فإن مفهوم الأمن الخليجي يحتاج إلى أن يتجاوز المعنى التقليدي للدفاع العسكري. فالدولة الآمنة اليوم ليست فقط التي تستطيع اعتراض الصاروخ، بل التي تستطيع أيضاً حماية بنيتها التحتية، وضمان استمرارية النشاط الاقتصادي، وحماية بياناتها وأنظمتها المعلوماتية، والحفاظ على حركة التجارة والخدمات الأساسية أثناء الأزمات.
وهنا يصبح تعزيز القدرة الذاتية جزءاً أساسياً من معادلة الأمن، لا مجرد خيار استراتيجي؛ فالسؤال لم يعد فقط من يملك القدرة على الحماية، بل: ماذا يحدث عندما تكون الدولة محمية، لكنها تجد نفسها في قلب المعركة؟
الإجابة لا تكمن بالضرورة في الانفصال عن الحلفاء، بل في إعادة تعريف العلاقة معهم.
الخليج يحتاج إلى شراكات قوية، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى قدرة ذاتية تمنحه هامشاً من الاستقلال في القرار. ويحتاج إلى قواعد عسكرية، لكن مع تصور واضح لكيفية إدارة المخاطر التي قد تنتج عن وجودها. ويحتاج إلى الردع الخارجي، لكن من دون أن يصبح الردع الخارجي بديلاً عن بناء منظومة أمن إقليمية أكثر قدرة على الصمود.
في النهاية، ليست المشكلة في أن تكون للدولة حليفة قوية، بل في أن تكون قوتها الأمنية موزعة على مصدر واحد.
فالتحالفات تتغير، والحسابات الدولية تتبدل، والأولويات الاستراتيجية للقوى الكبرى قد تتغير من أزمة إلى أخرى. أما الدولة، فتظل موجودة في مكانها وتتحمل نتائج أي اضطراب يقع حولها.
لذلك، لا تصبح الدولة أكثر أمناً بمجرد أن تكون محاطة بالقواعد، بل عندما تمتلك القدرة على حماية نفسها في اللحظة التي تصبح فيها تلك القواعد جزءاً من الحرب.
ربما لم تتغير أهمية التحالفات، لكن معنى الحماية نفسه يتغير.
وهذا هو التحول الحقيقي الذي بدأ الخليج يواجهه: لم يعد السؤال فقط: من يحميك؟ بل: كيف تضمن أن تكون الحماية التي تحصل عليها مصدر قوة، لا نقطة ضعف؟

د. ليلى السالمي قد تبدأ الحرب قبل أن يُطلق الصاروخ الأول. وقد لا يكون أول مؤشر عليها انفجاراً، بل انقطاعاً في الاتصالات، أو اضطراباً في الطاقة، أو تعطل حركة ميناء، أو ارتباكاً في النظام المالي. في عالم تتداخل فيه القوة العسكرية مع الاقتصاد والتكنولوجيا والبنية التحتية، لم يعد الصراع يُقاس فقط بما تستطيع الجيوش تدميره، [...]

د. راشد المنصوري ربما لا يحتاج الخليج إلى مزيد من السلاح بقدر ما يحتاج إلى شيء أكثر صعوبة: القدرة على تحويل ما يملكه من قوة إلى قرار واحد في اللحظة المناسبة. قد تبدو الفكرة غير مألوفة في منطقة أنفقت مئات المليارات على بناء قدراتها الدفاعية، واستثمرت في أحدث الطائرات ومنظومات الدفاع الجوي والصاروخي والرادارات والتقنيات [...]

بقلم: مروان السالمي كان المثقف، في زمن قريب، يقف في مكان واضح داخل المجال العام. كان الكتاب يمنحه سلطة، والصحيفة تمنحه منبراً، والندوة تمنحه جمهوراً. أما اليوم، فقد تغير المشهد. صار الجميع قادراً على النشر، وأصبحت المعلومة تتحرك أسرع من صاحبها، ولم يعد المثقف يحتكر الكلام. هل انتهى دوره؟ ربما انتهى شكل من أشكال دوره، [...]
عبدالله عبدالسلام مثلما يوجد أفراد يمتصون طاقتك ويصيبونك بالإجهاد النفسى، هناك أيضًا مدن تفرض عليك نمط حياة يضع جهازك العصبى فى حالة طوارئ مستمرة. مدن تستنزفك بمجرد خروجك إلى الشارع حيث الزحام المرورى الخانق والركض المستمر للحاق بمواعيدك، الأمر الذى يستهلك طاقتك البدنية والنفسية قبل أن تبدأ يومك الفعلى. مدن تقصف حواسك بلا رحمة نتيجة [...]

د. عبدالله المدني بعد إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، شن حرب اقتصادية غير مسبوقة في التاريخ ضد النظام الإيراني لتركيعه أو إسقاطه على يد شعبه، وقوله في منشور له إن أي دولة تسمح لمؤسساتها المالية والشركات والمطارات أو الكيانات الحكومية التابعة لها بأن تمد شريان حياة لإيران ستصبح هي ذاتها عرضة لتبعات اقتصادية هائلة. وبعد [...]

سوسن الشاعر هناك اتفاق دولي ضمني على إنهاء حقبة الجماعات العابرة للحدود؛ فبعد «داعش» و«القاعدة» جاء دور الأذرع الإيرانية التي أصبحت خطراً يهدد العالم بقيادة «الحرس الثوري» الإيراني. وهنا المنعطف العالمي الذي لم يدركه «الحرس الثوري» ولا فصائله، أن نصف القرن الماضي لم يكن «الحرس الثوري» يشكل تهديداً على الطاقة أو سلاسل الإمداد الدولية، وما [...]