
د. راشد المنصوري
لم تعد حرب 2026 مجرد مواجهة عسكرية عابرة في حسابات الخليج، بل لحظة كشفت حدود التصورات التي حكمت الأمن الإقليمي لعقود. فالمشكلة لم تعد في قدرة دولة ما على اعتراض صاروخ أو حماية منشأة، وإنما في قدرتها على إبقاء اقتصادها وموانئها وطاقة مواطنيها وشبكاتها الحيوية قادرة على العمل عندما تتعرض المنطقة لضغط متزامن.
لهذا يبدو السؤال: «هل تستطيع الولايات المتحدة حماية الخليج؟» أقل أهمية من سؤال آخر أكثر إلحاحًا: هل يستطيع الخليج بناء منظومة أمن لا تتوقف فعاليتها على مظلة واحدة؟
المقصود هنا ليس الانفصال عن الولايات المتحدة، ولا التقليل من أهمية الشراكات الدفاعية القائمة. فالوجود الأميركي سيظل عنصرًا مهمًا في معادلة الأمن الإقليمي. لكن التجربة أثبتت أن الاعتماد الكامل على قوة خارجية، مهما بلغت قدراتها، يترك للدولة هامشًا محدودًا عندما تتغير أولويات تلك القوة أو تتسع جبهات انشغالها.
المعادلة الجديدة يجب أن تكون مختلفة: الحليف جزء من الأمن، لكنه ليس الأمن كله.
أحد أهم دروس الحرب أن المنشأة الحيوية لا تعمل بمعزل عن محيطها. يمكن حماية منشأة إنتاج النفط، لكن ماذا يحدث إذا تعطلت طرق تصديره؟ ويمكن تأمين الميناء، لكن ماذا يحدث إذا أصبحت الملاحة في الممر المؤدي إليه شديدة الخطورة؟ ويمكن الحفاظ على محطات الكهرباء، لكن ماذا يحدث إذا تعطلت إمدادات الوقود أو شبكات الاتصالات أو أنظمة التحكم؟
هنا تظهر الحاجة إلى الانتقال من مفهوم أمن المنشآت إلى مفهوم أوسع هو أمن التدفقات.
فالطاقة ليست مجرد آبار ومصافي، وإنما إنتاج وتخزين ونقل وتأمين وتمويل وأسواق. والغذاء ليس مخزونًا في المستودعات فقط، وإنما موانئ وسفن وتأمين وسلاسل توريد. والاتصالات ليست أبراجًا وكابلات فقط، وإنما مراكز بيانات وطاقة وأنظمة رقمية وبدائل تشغيل.
وبالتالي، فإن استهداف حلقة واحدة في سلسلة مترابطة قد تكون كلفته أكبر من استهداف المنشأة نفسها.
هذه هي النقطة التي ينبغي أن يعاد على أساسها تعريف الأمن الخليجي.
الأمن في المرحلة المقبلة يحتاج إلى أن يصبح متعدد الطبقات. الطبقة الأولى عسكرية، وتشمل الدفاع الجوي والصاروخي، وأمن المجال البحري، وحماية المنشآت، ومواجهة الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية. لكنها لا تكفي.
هناك طبقة اقتصادية تتعلق بقدرة الدولة على الحفاظ على حركة التجارة والأسواق والتمويل في ظروف الأزمة. وطبقة لوجستية تقوم على تعدد الموانئ والمطارات والطرق ومسارات الطاقة. وطبقة غذائية ومائية تقلل مخاطر الاعتماد على مسار خارجي واحد. وطبقة رقمية تحمي الاتصالات ومراكز البيانات وأنظمة الطاقة والموانئ والمدفوعات من التعطيل. ثم تأتي الطبقة الدبلوماسية، التي تمنح الدولة خيارات أوسع عندما تتغير موازين القوى أو تتسع دائرة الصراع.
هذه الطبقات لا تعمل منفصلة. قوتها الحقيقية تأتي من قدرتها على تعويض بعضها بعضًا.
فإذا تعطل طريق، يوجد طريق بديل. وإذا تراجع دور شريك، توجد شراكات أخرى. وإذا تعرض قطاع لهجوم، لا ينتقل أثره تلقائيًا إلى كامل الاقتصاد.
وهنا يظهر مفهوم يمكن أن يصبح أساسًا جديدًا للتفكير الخليجي: الاستقلال الوظيفي.
لن يكون الخليج مستقلًا بالكامل عن القوى الكبرى، ولا يحتاج إلى ذلك. القوة الحقيقية ليست في الاعتقاد بأن الدولة تستطيع مواجهة كل شيء وحدها، بل في ألا تكون لديها نقطة فشل واحدة يمكن أن يؤدي تعطيلها إلى شل الدولة.
الاستقلال الوظيفي يعني أن تكون للدولة قدرة كافية على مواصلة وظائفها الأساسية حتى عندما تتعرض المظلة الخارجية للاختبار.
أن تستطيع تصدير جزء من طاقتها عبر أكثر من مسار. أن تستطيع استقبال الغذاء عبر أكثر من ميناء. أن تمتلك بدائل للاتصالات والبيانات. أن يكون لديها احتياط مالي ولوجستي يسمح بامتصاص الصدمة. وأن تمتلك شبكة من العلاقات الدولية تجعل قرارها السياسي أقل تعرضًا للابتزاز الناتج عن الاعتماد على طرف واحد.
وهنا تتجاوز المسألة حدود الترتيبات الدفاعية لتلامس طبيعة النظام الدولي نفسه. فلم تعد القوى الكبرى قادرة، أو راغبة دائمًا، في منح أي دولة ضمانة أمنية غير مشروطة. المصالح تت

د. ناصر الكعبي كانت السيادة، في معناها التقليدي، مرتبطة بالأرض والحدود والجيش. ثم اتسع مفهومها ليشمل الاقتصاد والطاقة والعملة، قبل أن يدخل العالم اليوم مرحلة تضيف إلى هذه العناصر قوة أكثر هدوءًا وأشد تأثيرًا: القدرة على إنتاج المعرفة من البيانات، وتحويلها إلى قرار في الوقت المناسب. هنا يدخل الذكاء الاصطناعي إلى السياسة الدولية من باب [...]

د. راشد المنصوري كان سؤال السياسة الدولية في القرن الماضي بسيطًا نسبيًا: من حليفك؟ أما اليوم، فقد أصبح السؤال أكثر تعقيدًا: كم خيارًا لديك عندما يتغير موقف حليفك؟ هذا التحول لا يعكس فقط تغيرًا في طبيعة العلاقات بين الدول، بل يكشف عن إعادة تعريف لمفهوم القوة نفسه. فالدولة القوية لم تعد تلك التي تمتلك حليفًا [...]

د. ليلى السالمي لم تعد أخطر المناطق في الشرق الأوسط هي تلك التي تقع تحت سيطرة دولة معادية، بل تلك التي لا تخضع بالكامل لسلطة دولة، ولا تمتلك نظامًا مستقرًا لإدارة أمنها وحدودها ومصالحها. هذه المساحات الرمادية تتسع في أكثر من مكان. وعلى امتداد البحر الأحمر، وفي اليمن والسودان وليبيا والعراق وسوريا، لم يعد الفراغ [...]

محمد فال معاوية لم يعد السؤال الذي يواجه العالم العربي هو: من يقود المنطقة؟ بل أصبح أكثر تعقيداً: هل ما زال العالم العربي يحتاج إلى مركز واحد حتى يكون قادراً على إنتاج موقف أو بناء توازن أو حماية مصالحه؟ خلال السنوات الأخيرة، بدا واضحاً أن الخريطة العربية لم تعد تتحرك وفق مركز سياسي واحد، كما [...]

د. ليلى السالمي في الأزمات الجيوسياسية، تبدو البدائل في البداية إجابة طبيعية على الخطر: إذا تعطل طريق، يُفتح آخر، وإذا أصبح ممر بحري أكثر خطورة، تُعاد توجيه التجارة إلى مسار مختلف. لكن هذه المعادلة تصبح أقل بساطة عندما لا تبقى المخاطر محصورة في نقطة واحدة. ما يجري حول مضيق هرمز وباب المندب يضع مفهوم «البديل» [...]

محمد فال معاوية ليست المشكلة في أن يُغلق مضيق هرمز، ولا في المدة التي قد يستغرقها فتحه. المشكلة الأعمق أن اقتصادًا بحجم الاقتصاد الخليجي يمكن أن يجد نفسه، في لحظة واحدة، أمام سؤال أكثر خطورة: إلى أي مدى يستطيع مواصلة الحركة إذا اضطرب الطريق الذي اعتاد أن يمر عبره إلى العالم؟ لهذا تبدو أزمة هرمز [...]