الرئيسية/مقالات/نخب عربية على غرار فوكو المهووس
مقالات

نخب عربية على غرار فوكو المهووس

قبل نحو 47 عاماً، انبهر جملة من مُثقفّي الغرب العلمانيين الثوريين، بحركة الخميني وتلاميذه في إيران، وتعاطوا معه بصفته «قِدّيساً ثورياً» يهدم العالم الفاسد، بعنفٍ نبيل، ويخلق العالم الحُرّ المتوحش توحشّاً نبيلاً.

قبل نحو 47 عاماً، انبهر جملة من مُثقفّي الغرب العلمانيين الثوريين، بحركة الخميني وتلاميذه في إيران، وتعاطوا معه بصفته «قِدّيساً ثورياً» يهدم العالم الفاسد، بعنفٍ نبيل، ويخلق العالم الحُرّ المتوحش توحشّاً نبيلاً. كان على رأس هؤلاء، الفيلسوف الفرنسي المابعد حداثي ميشيل فوكو.

حول ذلك كتب الأستاذ هاشم صالح قطعة جميلة بهذه الجريدة، ومما جاء فيها، أن فوكو أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس، كان قد اتفق مع صديقه، جان دانييل، رئيس تحرير أهم مجلة أسبوعية فرنسية وأكثرها استنارة «النوفيل أوبسرفاتور» على الذهاب إلى طهران لتغطية الأحداث المشتعلة هناك. كان ذلك في أثناء وجود الخميني بضواحي باريس، وكانت تقارير فوكو وزميله، مجرد ترويج للدعاية الخمينية، لكن بثوب علماني يساري ثوري!

ينقل صالح، هذا الوصف المثير من عارفٍ بفوكو يقول عنه: «كان فوكو شخصياً معجباً جداً بالعنف، ومبهوراً به. كان يكره كل مجتمع مستقر. وكان معجباً جداً أيضاً بالجماهير الهائجة المائجة، وبالزلازل، والبراكين وكانت عدميته النيتشوية قد وجدت إشباعاً لها في هذه الثورة العارمة التدميرية». كما يشير لمقالة له بعنوان: «الشاه متأخرٌ عن عصره مائة عام».

ويعلّق صالح ساخراً: «لاحظوا المفارقة: الشاه الذي حدّث إيران هو المتأخر عن عصر الحداثة، وليس الخميني»! مع التنبيه إلى مفاسد النظام الملكي وعائلة الشاه ومحاسيبه في إيران كما يشير الكاتب. ثم بلغ الضلال بفوكو مبلغه – كما وصف صالح – عندما كتب قائلاً: «الخميني ليس رجل سياسة. إنه رجل دين فقط. لن يوجد حزب سياسي خميني بعد سقوط الشاه، ولا حكومة خمينية في إيران بعد الانتصار عليه».

لا حاجة للقول إن تاريخ إيران على مدى حياة الخميني وخليفته خامنئي، يدحض كل هراء وتوقعات وتحليلات وأحلام فوكو. السؤال هل فوكو حالة استثنائية شاذّة، أو نسقٌ مُتكرّر!؟

اليوم لدينا بعض النخب العربية – دعنا من الغربية – يزعمون أنهم سلالة الفكر الحديث والنزعة العلمية العلمانية في التفكير والتحليل السياسي والاجتماعي، لكنهم يستخدمون مهاراتهم الكتابية وقدراتهم الكلامية والإنشائية، في تلميع الحوثي أو الحشد أو «حزب الله» أو «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، بل وربما وصل بهم الأمر لتمجيد تنظيم «القاعدة»، على اعتبار أنها حركات ثورية إنسانية تهدم الفساد وتقوّض مباني السلطات الاستبدادية المرتهنة للغرب هكذا بكل صفاقة!

نراهم اليوم على الشاشات ومنصات السوشيال ميديا والبودكاست، يشكّلون ظهيراً فكرياً «علمانياً» لأمثال حسن نصر الله وعبد الملك الحوثي.

إذن الهوَس الذي وقع فيه فيلسوف مثيرٌ مثل فوكو بحركة ظلامية خرافية ثورية مثل الخمينية، ليس حالة شاذّة، بل حيلة نفسية يداوي بها بعض النخب العربية الحكّة التي تثير جلودهم.

نقلا عن الشرق الأوسط

"
“قبل نحو 47 عاماً، انبهر جملة من مُثقفّي الغرب العلمانيين الثوريين، بحركة الخميني وتلاميذه في إيران، وتعاطوا معه بصفته «قِدّيساً ثورياً» يهدم العالم الفاسد، بعنفٍ نبيل، ويخلق العالم الحُرّ المتوحش توحشّاً نبيلاً. كان على رأس هؤلاء، الفيلسوف الفرنسي المابعد حداثي ميشيل فوكو. حول ذلك كتب الأستاذ هاشم صالح قطعة جميلة بهذه الجريدة، ومما جاء فيها،”
— اليوم ميديا / مقالات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في مقالات ←
«عيال زايد» حكمة تصون الوطن

«عيال زايد» حكمة تصون الوطن

كيف تبقى حكمة القائد حاضرة بعد أن تتحول سيرته إلى تاريخ؟ تبقى حين تنتقل من الكتب إلى الإنسان؛ إلى طريقة تفكيره، وميزانه في المواقف، ومسؤوليته تجاه وطنه. وهنا تتجلى بصمة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي ترك دولة راسخة، وأرسى مدرسة وطنية امتد أثرها من بناء الاتحاد إلى بناء

فيصل الشامسي
الجمعة، ٩ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
استعادة صنعاءَ مثل تحرير دمشق

استعادة صنعاءَ مثل تحرير دمشق

حربُ اليمن الحالية قد تقودُ إلى تغيير تاريخي، كما حدث في سوريا بإسقاط نظامٍ موالٍ آخرَ لإيران. فالشرعية تمدُّ نفوذَها على أكثرَ من ثلثي البلاد وتقاتل على ما تبقَّى. لكنَّ هذا الثلث ليس نزهةً لاعتبارات تضاريسيةٍ وعسكرية، فهي حربٌ مع «الحرس الثوري» الإيراني و«حزب الله» اللبناني اللذين يعملان ضمن قياداتِ وصفوف الحوثي. وقد لا تحسمُ

عبد الرحمن الراشد
الجمعة، ٩ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
دولة الاستنفار الدائم

دولة الاستنفار الدائم

بعد ثلاثة أعوام على هجوم 7 أكتوبر 2023، تبدو إسرائيل أكثر قدرة عسكريًا على خوض حروب متعددة، لكنها في الوقت نفسه أقل يقينًا بشأن قدرتها على تحويل هذه القوة إلى استقرار سياسي وأمني طويل الأمد. الهجوم الذي شكّل أكبر صدمة أمنية في تاريخ إسرائيل الحديث لم يغيّر فقط طبيعة المواجهة مع الفلسطينيين، بل أعاد تشكيل

د. ناصر الكعبي
الأربعاء، ٧ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
أقوى سلاح

أقوى سلاح

عندما عُرض فيلم «صوت الموسيقى» للمرة الأولى في بريطانيا، احتل دور السينما 65 أسبوعاً على التوالي. كان من دون شك من أروع المسرحيات الغنائية التي عرفتها الشاشة. يروي الفيلم قصة الكابتن النمساوي والمتقاعد فون تراب، وأبنائه السبعة، في مقاومة النازية خلال الحرب. وكان أجمل ما فيه، عدا موسيقاه، مشاهد الطبيعة النمساوية. رغم جمالياته الساحرة، كان

سمير عطا الله
الأربعاء، ٧ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة