لا ينبغي أن يُقاس أمن السعودية بقدرتها على امتصاص الهجمات، ولا أن يُطلب منها التعايش مع استهداف منشآتها المدنية باعتباره كلفة طبيعية للصراع الإقليمي. فحماية المواطنين والمقيمين والمصالح الاقتصادية ليست مجرد مسؤولية أمنية، بل شرط لتمكين المملكة من مواصلة مسيرتها التنموية واتخاذ قراراتها السيادية بعيداً عن التهديد المسلح.
يعيد الهجوم على مطار الملك خالد الدولي في الرياض هذه القضية إلى صدارة الاهتمام الإقليمي والدولي. ووفقاً للأرقام الواردة في التقارير المتعلقة بالهجوم، أسفر الاعتداء في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2026 عن مقتل 12 شخصاً وإصابة 309 آخرين، بينهم حالات حرجة. وتمثل هذه الحصيلة مأساة إنسانية تتجاوز حدود المملكة، وتؤكد خطورة تحويل المنشآت المدنية إلى أدوات ضغط في الصراعات الإقليمية.
فالمطارات والموانئ والمنشآت الحيوية ليست أهدافاً معزولة عن الحياة اليومية؛ إنها شرايين للاقتصاد وحركة السفر والتجارة. واستهدافها يهدد سلامة المدنيين، ويزيد المخاطر على استمرارية الأعمال وثقة المستثمرين. وعندما تتكرر الهجمات، لا يعود التحدي مقتصراً على احتواء أضرارها، بل يمتد إلى منع تحولها إلى وسيلة لفرض وقائع سياسية بالقوة.
جعلت السعودية التنمية وتنويع الاقتصاد والانفتاح على الاستثمار ركائز لمستقبلها. وحماية هذه المسيرة جزء من أمنها الوطني، لا ملف منفصل عنه. ومع ذلك، فإن مواجهة التهديد لا تُقاس بقدرة الدفاعات على اعتراض الهجمات وحدها، بل بمدى القدرة على الحد من تكرارها ومنع الأطراف المسلحة من التأثير في القرار السعودي عبر تعريض المدنيين والمنشآت الحيوية للخطر.
ومن هذا المنطلق، فإن حق المملكة في حماية أراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها حق سيادي تمارسه وفق القانون الدولي. ولا ينبغي أن تتحول الدعوات إلى ضبط النفس إلى مطالبة السعودية بتحمل الاعتداءات من دون معالجة أسبابها. فخفض التصعيد لا يعني التسليم باستمرار التهديد، كما أن حماية المدنيين لا يجوز أن تصبح موضع مساومة سياسية.
لكن الردع الفاعل لا يُقاس بحجم الرد العسكري وحده، بل بقدرته على تغيير حسابات الطرف المهاجم. ويتطلب ذلك تعزيز الإنذار المبكر وحماية المنشآت الحيوية، ومواجهة شبكات نقل الأسلحة، وتقليص قدرة الجماعات المسلحة على تكرار اعتداءاتها. فالهدف ليس الاكتفاء بالاستجابة لكل هجوم، بل جعل تكراره أقل قدرة على تحقيق أهدافه السياسية والعسكرية.
وهنا تبرز أهمية الشراكة السعودية الأمريكية. فاستقرار المملكة يرتبط بأمن الخليج وأسواق الطاقة وحركة التجارة والطيران، ما يجعل حماية منشآتها المدنية مصلحة تتجاوز حدودها. والمطلوب من واشنطن تعاون عملي يشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتطوير القدرات الدفاعية والإنذار المبكر، ومواجهة شبكات تسليح الجماعات المسلحة.
ولا يعني هذا أن السعودية تحتاج إلى من يتولى الدفاع عنها أو يقرر نيابة عنها؛ فالمملكة تمتلك مؤسساتها وقدراتها وخياراتها السيادية. إنما تقوم الشراكة الفاعلة على تكامل القدرات وتبادل المصالح واحترام استقلال القرار السعودي، وعلى نتائج ملموسة تقلل المخاطر بدلاً من الاكتفاء ببيانات الإدانة.
وفي المقابل، لا يمكن فصل أمن السعودية عن مستقبل اليمن. فالتسويات التي توقف المواجهات من دون معالجة مسألة السلاح خارج مؤسسات الدولة وقرار الحرب والسلم قد تؤجل الأزمة بدلاً من حلها. ولذلك، يتطلب الاستقرار دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وتعزيز مؤسسات الدولة وقدرتها على بسط سلطتها، وإنهاء استخدام الأراضي اليمنية منصة لتهديد دول الجوار.
إن بناء دولة يمنية قادرة على ضبط السلاح وقرار الحرب والسلم مصلحة لليمنيين قبل غيرهم، كما أنه ضرورة لأمن المنطقة. ولا يتحقق ذلك بوقف إطلاق النار وحده، بل بترتيبات سياسية وأمنية قابلة للتنفيذ، تعالج مصادر التهديد وتحد من قدرة الجماعات المسلحة على فرض إرادتها بالقوة، مع فتح الطريق أمام اليمنيين لاستعادة مؤسساتهم وتسوية خلافاتهم السياسية.
ولا يعني التمسك بهذا المسار تجاهل تعقيدات الصراع أو افتراض أن الحل عسكري حصراً. فالردع والحل السياسي ليسا خيارين متناقضين؛ إذ يمكن للأول أن يحد من الاعتداءات، فيما يعالج الثاني الظروف التي تسمح بتجددها. أما التسويات التي تتجاهل أمن المدنيين والمنشآت الحيوية، فتظل معرضة للانتكاس.
إن استهداف المطارات يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تتجاوز الخلافات السياسية: حماية المدنيين والمرافق المدنية من الاستخدام أداةً للضغط والإكراه. فالتساهل مع هذه الممارسات يهدد سلامة الطيران والتجارة، ويفتح الباب أمام تكرارها في مناطق أخرى.
السعودية ليست مطالبة بإثبات حقها في الأمن، ولا بتقديم تنازلات تحت وطأة التهديد. والتحدي أمامها وأمام شركائها هو منع الهجمات من التحول إلى واقع دائم، وبناء ردع يقلل جدواها، ودعم تسوية في اليمن تنهي مصادر التهديد وتحفظ للدولة مؤسساتها وسيادتها.
فأمن السعودية ليس ورقة تفاوض، وأرض الحرمين ليست ساحة للابتزاز المسلح.

التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *