لم يعد اليمن ساحةً يمكن عزل تداعياتها عن التحولات التي تعيد تشكيل الأمن الإقليمي. فالتوترات المتصلة بالخليج والبحر الأحمر جعلت أمن المنطقة منظومة مترابطة، تتجاوز حدود المواجهات المحلية إلى حسابات القوى الإقليمية ومصالح التجارة والملاحة الدولية. ومن هذه الزاوية، تكتسب مصادقة البرلمان التركي على اتفاقية مكة للدفاع المشترك مع السعودية وباكستان دلالة تتجاوز التعاون العسكري التقليدي، لتفتح باباً جديداً أمام قراءة معادلة الردع في اليمن.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية بالنظر إلى أن الاتفاقية وُقّعت في أغسطس 2026، أي قبل التطورات العسكرية الأخيرة، ما يعني أنها لم تنشأ استجابةً للهجمات الحوثية الراهنة، وإن كانت هذه التطورات قد منحتها أبعاداً أمنية أكثر إلحاحاً.
جوهر الاتفاقية لا يكمن في جمع ثلاث قوى إقليمية تحت مظلة دفاعية واحدة فحسب، بل في إقرار مبدأ يعتبر الاعتداء المسلح على أحد أطرافها اعتداءً على الأطراف الأخرى، مع الالتزام بالتعاون وتقديم المساعدة وفق طبيعة التهديد والقدرات المتاحة. وهذا التطور يضيف إلى الحسابات الأمنية في المنطقة عاملاً جديداً، خصوصاً في ظل التهديدات التي تواجه السعودية، والهجمات التي ينفذها الحوثيون بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
بالنسبة إلى أنقرة، تمثل المصادقة خطوة في اتجاه توسيع حضورها الاستراتيجي خارج محيطها الجغرافي المباشر، وترسيخ موقعها شريكاً في ترتيبات الأمن الإقليمي. فتركيا تمتلك قاعدة صناعية وعسكرية متنامية، وخبرات في أنظمة الطائرات المسيّرة والدفاع الجوي والتكنولوجيا العسكرية، فضلاً عن ثقلها داخل حلف شمال الأطلسي. وإدراج هذه القدرات ضمن إطار تعاون مع الرياض وإسلام آباد يمنح الاتفاقية أبعاداً عملية، تتصل بتبادل المعلومات والتنسيق العسكري وتطوير الصناعات الدفاعية.
لكن أهمية الخطوة لا تعني أن أنقرة تتجه بالضرورة إلى خوض مواجهة مباشرة في اليمن. فالمصادقة البرلمانية على الاتفاقية لا تساوي تفويضاً بإرسال قوات تركية إلى مسرح العمليات، إذ يخضع نشر القوات التركية خارج البلاد لإجراءات دستورية وتفويضات برلمانية ذات صلة. كما أن إقرار الاتفاقية لا يعني صدور قرار تركي بالمشاركة في عمليات هجومية ضد الحوثيين. ومن ثم، فإن اختزال الدور التركي في احتمال التدخل العسكري المباشر يحجب الأثر الأهم للاتفاقية: توسيع مظلة الردع ورفع كلفة استهداف السعودية.
فالردع لا يبدأ بالضرورة من تحريك القوات، بل من إعادة تشكيل حسابات الطرف الذي يفكر في استخدام القوة. عندما يصبح الاعتداء على دولة ما قابلاً لاستدعاء مساندة عسكرية وتقنية من شركائها، تتسع دائرة المخاطر التي ينبغي احتسابها قبل التصعيد. وهذا ما قد يفرض على الحوثيين مراجعة تقديراتهم، إذا تحولت التفاهمات الثلاثية إلى تنسيق فعلي في مجالات الإنذار المبكر والدفاع الجوي وتبادل المعلومات وحماية المنشآت الحيوية.
لقد اعتمدت الجماعة، في جانب من استراتيجيتها، على توظيف الصواريخ والطائرات المسيّرة لإبقاء الضغط الأمني قائماً، واستنزاف قدرات الدفاع، وتحويل التهديد العسكري إلى ورقة تأثير سياسي واقتصادي. وأي تحسن في قدرة السعودية على رصد هذه الهجمات واعتراضها، مدعوماً بخبرات وتقنيات من شركائها، يمكن أن يحد من فاعلية هذا الأسلوب.
وقد لا يقتصر التعاون التركي المحتمل على توفير المعدات والأنظمة الدفاعية، بل يمكن أن يمتد إلى التدريب والدعم الفني وتبادل الخبرات والمعلومات الاستخباراتية، وهي مجالات تمنح الشراكة قيمة عملية. غير أن ذلك لا يعني اختفاء التهديد أو تبدل ميزان القوة تلقائياً؛ ففاعلية الردع تُقاس بالقدرة على منع التصعيد، لا بمجرد امتلاك منظومات أكثر تطوراً.
وتتجاوز دلالات الاتفاقية الساحة اليمنية إلى حسابات طهران، وإن لم تعلن الدول الثلاث أن الترتيب يستهدف إيران أو دولة بعينها. فتنويع السعودية لشراكاتها الأمنية، وانخراط تركيا وباكستان في إطار دفاعي مشترك معها، يعكسان توجهاً نحو توزيع أعباء الأمن الإقليمي على شبكة أوسع من العلاقات. وبالنسبة إلى إيران، فإن أي تعزيز لقدرات السعودية الدفاعية سيظل عنصراً حاضراً في تقدير موازين القوة، ولا سيما في ظل تشابك الملفات الخليجية واليمنية والبحرية.
أما البحر الأحمر وباب المندب، فيمنحان هذا التطور بعداً يتجاوز الحسابات الثنائية. فالموقع الجغرافي لليمن يجعل أي تصعيد على سواحله أو في محيط الممرات البحرية شأناً يتصل بالتجارة الدولية وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد. ولذلك، فإن حماية السعودية من الهجمات لا تنفصل عن استقرار المجال البحري المحيط بها، ولا عن ضرورة منع تحول الممرات الاستراتيجية إلى أوراق ضغط في الصراعات الإقليمية.
ومع ذلك، تظل الاتفاقية اختباراً لقدرة أطرافها على تحويل الالتزامات السياسية إلى آليات دفاعية قابلة للتنفيذ. فالنصوص المشتركة لا تصنع الردع وحدها؛ ما يصنعه هو مستوى التنسيق، وسرعة تبادل المعلومات، وتكامل القدرات، ووضوح القرار عند وقوع التهديد. كما أن أي ترتيبات عسكرية، مهما بلغت فاعليتها، لن تكون بديلاً عن معالجة جذور الأزمة اليمنية، أو عن تسوية سياسية تنهي حالة الانقسام وتعيد للدولة مؤسساتها.
هنا تتحدد قيمة الدور التركي: ليس في فتح جبهة جديدة، بل في المساهمة في بناء بيئة أمنية تجعل التصعيد أكثر كلفة وأقل جدوى. وبالنسبة إلى الحوثيين، فإن الرسالة الأبرز تتمثل في أن الحسابات التي حكمت المواجهة خلال السنوات الماضية قد لا تظل على حالها، وأن توسيع شبكة التعاون الدفاعي حول السعودية يضيف متغيراً ينبغي أخذه في الاعتبار.
فمعادلة الردع في اليمن لن يحسمها عدد الصواريخ ولا اتساع التحالفات وحدهما، بل قدرة الأطراف الإقليمية على منع السلاح من التحول إلى وسيلة دائمة لفرض الوقائع. وبين أنقرة والرياض وإسلام آباد، يتشكل إطار جديد لاختبار هذه المعادلة؛ أما نجاحه الحقيقي، فلن يقاس بقدرته على توسيع المواجهة، بل بقدرته على احتواء التهديد وتهيئة الطريق أمام سلام لا يبقى اليمن فيه رهينة الحسابات الإقليمية.

التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *