الرئيسية/مقالات/ترمب المنتصر والمنكسر!
مقالات

ترمب المنتصر والمنكسر!

لكلّ رئيسٍ أميركي انتصاراتُه وانكساراتُه. وبحكم أنَّ أميركا هي القوةُ العظمى، فإنَّ شعوباً كثيرة، وليس الأميركيين وحدَهم، تدخلُ في حسابات الربح والخسارة.

لكلّ رئيسٍ أميركي انتصاراتُه وانكساراتُه. وبحكم أنَّ أميركا هي القوةُ العظمى، فإنَّ شعوباً كثيرة، وليس الأميركيين وحدَهم، تدخلُ في حسابات الربح والخسارة. والمفارقة أنَّ تداعياتِ ما يفعله الرئيس الأميركي لا تتَّضح غالباً إلَّا بعد سنواتٍ من خروجه من البيت الأبيض.

استقالَ الرئيسُ الأميركيُّ نيكسون في أعقاب فضيحة، لكنَّ إرثَه لا يزال مستمراً. فقد قامَ بالمصالحة الشهيرة مع الصين، وفتحَ الباب أمام تقاربها مع الولايات المتحدة، قبل أن تتحوَّل إلى العملاق الذي نعرفُه اليوم. ولا يزال نيكسون يتعرَّضُ للهجوم والمهانة في الإعلام الأميركي وهوليوود، بسبب فضيحة «ووترغيت» وتسجيلاتِه السّرية، وغالباً ما يكون ذلك لثاراتٍ حزبية. لكن، مهمَا قِيل، فإنَّه غيَّر التاريخَ إلى الأبد.

نجحَ الرئيس كارتر في رعاية اتفاقية كامب ديفيد بين مصرَ وإسرائيل، لكنَّه فشلَ في التعامل مع الثورة الخمينية واحتجاز موظفي السفارة الأميركية في طهران. وانهارَ الاتحادُ السوفياتي بعد انتهاء عهدِ ريغان، لكنْ يُنسب إليه الفضلُ في ذلك. وحدَّ الرئيس بوش الأبُ من تغوّل صدام حسين بعد احتلاله الكويت، وحمى منطقة الخليج من فوضى عارمة. وتعرّض الرئيس كلينتون لفضيحةٍ جنسيةٍ مخجلة، لكنَّه أسهم، عبرَ التدخل الأميركي ضمنَ حلف الناتو، في إنهاء حرب البوسنة. أمَّا بوش الابن، فأضعفَ تنظيماً شريراً مثل «القاعدة»، وأسقطَ نظامَ البعث، لكنَّه سلَّمه إلى الإيرانيين. ويرى مناصرو «الربيع العربي» أنَّ تعاطفَ الرئيس أوباما مع تلك الانتفاضات حسنةٌ تُكتب في رصيده، فيما يرى منتقدوه أنَّ ذلك الربيعَ تحوّل إلى شتاءٍ قارس.

في الواقع، لا نعرفُ على وجهِ التحديد إرثَ الرئيس ترمب السياسي، ومن المبكّر الحكمُ عليه. تُشنّ عليه اليوم حملةُ سكاكينَ بسبب الهزيمةِ الانتخابية الموجعة التي مُني بها حزبه، وغالباً بسبب الحربِ على إيران. وقد تذهب نتائجُ الحربِ في أكثرَ من اتجاه: فقد تقود إلى نظامٍ إيراني أكثرَ تصلباً يقوده «الحرس الثوري»، وقد تثبتِ الأيامُ أنَّ ترمب كان الرئيسَ الوحيدَ الذي واجه النظامَ الإيرانيَّ المتنمّرَ ودفعه إلى حافَّةِ الهاوية. وكانَ اغتيال قاسم سليماني بدايةَ إضعافِ النفوذ الإيراني ومحور «المقاومة» في المنطقة.

لا نعرف ماذا يخبّئُ المستقبل، لكنَّ إرثَ الرؤساءِ الأميركيين معقدٌ ويختلط فيه الخيرُ والشر، ويتَّضح بعد سنواتٍ من مغادرتهم مناصبَهم، وأحياناً بعد رحيلهم عن الحياة. وفي خضمّ الانكسار الذي يعيشُه ترمب هذه الأيام، فإنَّه يرى أنَّ النتائجَ الإيجابيةَ للحرب ستُعرف لاحقاً، وسيحكم عليه التاريخ من خلالها. نأمل أن يكونَ محقّاً!

نقلا عن الشرق الأوسط

"
“لكلّ رئيسٍ أميركي انتصاراتُه وانكساراتُه. وبحكم أنَّ أميركا هي القوةُ العظمى، فإنَّ شعوباً كثيرة، وليس الأميركيين وحدَهم، تدخلُ في حسابات الربح والخسارة. والمفارقة أنَّ تداعياتِ ما يفعله الرئيس الأميركي لا تتَّضح غالباً إلَّا بعد سنواتٍ من خروجه من البيت الأبيض. استقالَ الرئيسُ الأميركيُّ نيكسون في أعقاب فضيحة، لكنَّ إرثَه لا يزال مستمراً. فقد قامَ بالمصالحة”
— اليوم ميديا / مقالات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في مقالات ←
أنقرة ومعادلة الردع في اليمن

أنقرة ومعادلة الردع في اليمن

لم يعد اليمن ساحةً يمكن عزل تداعياتها عن التحولات التي تعيد تشكيل الأمن الإقليمي. فالتوترات المتصلة بالخليج والبحر الأحمر جعلت أمن المنطقة منظومة مترابطة، تتجاوز حدود المواجهات المحلية إلى حسابات القوى الإقليمية ومصالح التجارة والملاحة الدولية. ومن هذه الزاوية، تكتسب مصادقة البرلمان التركي على اتفاقية مكة للدفاع المشترك مع السعودية وباكستان دلالة تتجاوز التعاون العسكري

خالد بن ناصر العتيبي
الجمعة، ٦ نوفمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
هل انتصرت إيران؟

هل انتصرت إيران؟

ليست كل حرب تنتهي بانتصار عسكري واضح، وليست كل قوة تنجح في تدمير خصمها قادرة على فرض النتيجة السياسية التي دخلت الحرب من أجلها. وبين هذين الحدّين تقف المواجهة الأمريكية الإيرانية، التي كشفت، بعد أشهر من القتال والاستنزاف، عن فجوة واضحة بين التفوق العسكري والقدرة على حسم الصراع. ومع خسارة الجمهوريين السيطرة على مجلسي الكونغرس

داريوش كيان
الجمعة، ٦ نوفمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
جائزة هارون الرشيد

جائزة هارون الرشيد

لا تستمد الجوائز الثقافية قيمتها من أسمائها وحدها، بل من المعنى الذي تحمله، والأثر الذي تتركه في حياة المعرفة والإبداع. وحين تحمل جائزة دولية اسم هارون الرشيد، فإنها تستحضر مرحلة مهمة من التاريخ العربي ارتبطت بازدهار العلم والأدب واتساع حركة التأليف والترجمة، وتطرح سؤالاً يتجاوز الاحتفاء بشخصية تاريخية: كيف يمكن تحويل الذاكرة الحضارية إلى قوة

محمد فال معاوية
الخميس، ٥ نوفمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
وجه شبه بين ترمب والسادات

وجه شبه بين ترمب والسادات

في كتابه «محاوراتي مع السادات» روى الأستاذ أحمد بهاء الدين جانباً طريفاً من حوار طويل جرى بينه وبين الرئيس أنور السادات. كان ذلك في أعقاب نصر أكتوبر (تشرين الأول) 1973، وكانت مصر تتوجه إلى اقتصاد السوق وتتخلص من فكر القطاع العام في نهجها الاقتصادي، وكانت القاهرة تتهيأ لاسترداد ما يتبقى من أرض سيناء بالسلام، بعد

سليمان جودة
الخميس، ٥ نوفمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة