
لم يعد التقدم العسكري للحوثيين في اليمن مجرد تطور جديد في مسار الحرب اليمنية، بل بدأ يتحول إلى اختبار مباشر لقدرة الولايات المتحدة وحلفائها على حماية أحد أهم ممرات التجارة والطاقة في العالم، في وقت تحاول فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب إدارة حربها مع إيران من دون فتح جبهة عسكرية جديدة.
ووصول الحوثيين إلى جزيرة بريم، المعروفة أيضًا باسم ميون، في قلب مضيق باب المندب، بعد تقدمهم جنوبًا على الساحل الغربي لليمن، منح الجماعة موقعًا أكثر حساسية تجاه حركة الملاحة بين البحر الأحمر وخليج عدن. وبالنسبة إلى واشنطن، تأتي هذه التطورات في توقيت بالغ الصعوبة، مع استمرار اضطراب مضيق هرمز وارتفاع أسعار الطاقة وانخراط القوات الأميركية أصلًا في مواجهة مع إيران.
من هرمز إلى باب المندب.. تضيق مساحة المناورة
تكمن أهمية التطور الجديد في أنه يضع اثنين من أهم الاختناقات البحرية في المنطقة داخل أزمة واحدة.
فاضطراب الملاحة في مضيق هرمز دفع السعودية إلى زيادة الاعتماد على طرق وموانئ البحر الأحمر لتصدير النفط، باعتبارها أحد البدائل عن المسار الخليجي. لكن تقدم الحوثيين باتجاه باب المندب يهدد هذه المعادلة من الجهة الأخرى.
وبحسب رويترز، وصل الحوثيون إلى جزيرة بريم الجمعة، فيما انسحبت قوات الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا من الجزيرة، كما أفادت مصادر بأن الحوثيين سيطروا على بلدة ذباب الساحلية المقابلة لها. وهذا التطور يعزز قدرة الجماعة على تهديد الملاحة عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، من دون أن يعني بالضرورة إغلاق المضيق بالكامل.
وهنا تتجاوز المسألة حدود اليمن: إذا بقي هرمز مضطربًا وبات باب المندب أكثر عرضة للتهديد، فإن هامش المناورة أمام أسواق الطاقة والشحن ينكمش بصورة حادة.
خط الأنابيب السعودي.. البديل يتعرض للضغط
تزامن التقدم الحوثي مع تطور آخر أكثر حساسية بالنسبة إلى السعودية. فقد أوقفت المملكة مؤقتًا خط أنابيب النفط شرق–غرب بعد هجوم بطائرات مسيّرة، في إجراء وصفته السلطات السعودية بأنه احترازي. وقالت الرياض إن الطائرات المسيّرة جاءت من العراق، بينما أعلنت بغداد لاحقًا أن الهجمات انطلقت من موقع في محافظة ميسان وفتحت تحقيقًا في الواقعة. ولم يكن من الممكن، وفق المعلومات المتاحة، الجزم بالجهة التي نفذت الهجوم.
وتزداد أهمية الخط لأنه يمثل أحد المسارات الرئيسية التي تمكن السعودية من نقل النفط إلى ساحل البحر الأحمر بعيدًا عن مضيق هرمز.
وبحسب رويترز، كان الخط ينقل في الأشهر الأخيرة نحو 4 إلى 5 ملايين برميل يوميًا، أي ما يعادل نحو 4 إلى 5% من الإمدادات العالمية، وفق بيانات تتبع الناقلات ومحللين.
وهكذا، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا: الطريق البحري البديل يواجه خطر باب المندب، والمسار النفطي البديل تعرض بدوره لهجوم وتعطيل مؤقت.
وهذا بالضبط ما يجعل التطورات الأخيرة أكبر من مجرد جولة جديدة في الحرب اليمنية.
مأزق ترامب: التدخل أم ترك الحلفاء؟
المشكلة الأساسية أمام واشنطن ليست في قدرتها العسكرية على تنفيذ ضربات ضد الحوثيين، وإنما في كلفة فتح جبهة جديدة في توقيت بالغ الحساسية.
فبحسب مصادر نقلت عنها رويترز، طلب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان دعمًا عسكريًا أميركيًا في مواجهة الحوثيين، لكن واشنطن لم توافق في الوقت الحالي على تدخل عسكري مباشر، ووافقت بدلًا من ذلك على تقديم دعم استخباراتي ومساعدة في الاستهداف.
ويعكس ذلك محاولة أميركية واضحة للفصل بين هدفين متعارضين: حماية حرية الملاحة من جهة، وتجنب التورط مجددًا في حرب واسعة مع الحوثيين من جهة أخرى. لكن استمرار التقدم الحوثي قد يجعل الفصل بين الهدفين أكثر صعوبة.
لماذا تتردد واشنطن؟
واجهت الولايات المتحدة الحوثيين عسكريًا من قبل، ولم تؤد الضربات إلى إزالة قدرتهم على شن هجمات صاروخية واستخدام الطائرات المسيّرة.
والعودة إلى حملة عسكرية واسعة تعني تخصيص مزيد من الطائرات والسفن وموارد الاستخبارات، في وقت تستهلك فيه الحرب مع إيران موارد عسكرية وسياسية كبيرة.
كما أن أي تصعيد أميركي مباشر قد يمنح الحوثيين حافزًا للرد على القوات والسفن الأميركية، وهو ما قد يحول أزمة الملاحة إلى مواجهة عسكرية مفتوحة. لذلك، تبدو استراتيجية واشنطن الحالية أقرب إلى تمكين الحلفاء من المواجهة مع إبق




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *