
تعرضت موسكو ومحيطها لهجوم واسع بالطائرات المسيّرة خلال الليل، وصفه رئيس بلدية العاصمة سيرغي سوبيانين بأنه الأكبر من نوعه على موسكو حتى الآن، في تصعيد جديد ينقل حرب المسيّرات الروسية-الأوكرانية إلى عمق الأراضي الروسية، بالتزامن مع اليوم الثالث والأخير من الانتخابات البرلمانية في روسيا.
وقالت السلطات الروسية إن أكثر من ألف مسيّرة استهدفت مناطق مختلفة من روسيا، فيما أعلنت وزارة الدفاع الروسية إسقاط 1,110 مسيّرات فوق الأراضي الروسية وشبه جزيرة القرم ومياه البحر الأسود. وقال سوبيانين إن 450 مسيّرة جرى تدميرها أثناء توجهها نحو موسكو.
وفي منطقة موسكو، أسفر الهجوم، وفق السلطات المحلية، عن مقتل شخصين وإصابة 20 آخرين، بينما أُجلي نحو 400 شخص من مبنى سكني تضرر جراء الهجمات. كما أعلنت السلطات تعرض منشأة في مصفاة موسكو النفطية لأضرار، ما يضيف بُعدًا اقتصاديًا إلى الهجوم، في ظل تركيز كييف المتزايد على البنية التحتية للطاقة الروسية.
وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن الهجوم استخدم مزيجًا من المسيّرات والصواريخ، مشيرًا إلى استهداف منشآت للنفط والخدمات اللوجستية. ولم تقدم كييف في المصادر التي راجعناها تأكيدًا مستقلًا لكل تفاصيل الأضرار التي أعلنتها السلطات الروسية.
موسكو.. الهدف والرسالة
يحمل توقيت الهجوم أهمية خاصة؛ فقد وقع في اليوم الأخير من الانتخابات البرلمانية الروسية، التي تجري للمرة الأولى خلال الحرب الشاملة المستمرة منذ 2022.
واتهم سوبيانين أوكرانيا بمحاولة تعطيل الانتخابات، وقال إن الهجوم لم يحقق هذا الهدف. لكن هذه الرواية تمثل تقييمًا روسيًا رسميًا، ولا توجد في المصادر المتاحة أدلة مستقلة تثبت أن تعطيل الانتخابات كان الهدف الوحيد أو الرئيسي للهجوم. كما لم تتحقق رويترز بصورة مستقلة من بعض تفاصيل الهجمات التي أعلنتها السلطات الروسية.
في المقابل، تواصل أوكرانيا منذ فترة تطوير قدراتها على تنفيذ ضربات بعيدة المدى داخل روسيا، مستفيدة من انتشار تقنيات المسيّرات منخفضة التكلفة نسبيًا وقدرتها على تجاوز مسافات طويلة والوصول إلى منشآت استراتيجية.
وهنا تكمن دلالة الهجوم الأخير: المعركة الجوية لم تعد محصورة بالقرب من خطوط الجبهة، بل باتت المنشآت النفطية واللوجستية داخل العمق الروسي جزءًا متزايدًا من الحسابات العسكرية.
النفط يدخل قلب المعركة
استهداف مصفاة موسكو يكتسب أهمية خاصة بسبب الدور الذي تلعبه منشآت الطاقة في الاقتصاد الروسي وفي تمويل العمليات العسكرية.
وتشير رويترز إلى أن الهجمات على البنية التحتية للطاقة تأتي في وقت تواجه فيه روسيا ضغوطًا مرتبطة بإمدادات المنتجات النفطية وارتفاع أسعار الوقود، بينما تستمر موسكو وكييف في تبادل الضربات على منشآت الطاقة رغم حديث سابق عن تفاهمات لتجنب استهدافها.
ولا يعني ذلك أن الهجوم وحده سيحدث تحولًا في سوق الطاقة، لكن استمرار استهداف المصافي والمنشآت النفطية يمكن أن يرفع تكلفة الحرب على الاقتصاد الروسي ويضغط على سلاسل الإمداد الداخلية.
حرب المسيّرات تتغير
تُظهر التطورات الأخيرة أن المسيّرات أصبحت إحدى الأدوات الرئيسية في الحرب بين روسيا وأوكرانيا، خصوصًا مع صعوبة تحقيق اختراقات واسعة على خط الجبهة البري.
وتقول أسوشيتد برس إن القتال البري على امتداد الجبهة التي يبلغ طولها نحو 1,250 كيلومترًا أصبح أكثر تعقيدًا بسبب انتشار المسيّرات والروبوتات الأرضية، بينما طورت أوكرانيا قدرات لإطلاق مسيّرات بعيدة المدى داخل روسيا.
وفي الجهة المقابلة، تعرضت مناطق أوكرانية لهجمات روسية جديدة، بينها كييف، حيث أعلنت السلطات مقتل أم وطفليها في هجوم روسي، قبل أن تعلن لاحقًا وفاة طفل آخر متأثرًا بإصاباته.
ماذا بعد موسكو؟
الهجوم الأخير لا يعني بالضرورة تحولًا فوريًا في مسار الحرب، لكنه يؤكد أن عمق الأراضي الروسية أصبح جزءًا متزايدًا من ميدان المواجهة.
ومع دخول المنشآت النفطية واللوجستية والمراكز الحضرية الكبرى ضمن نطاق الضربات، يصبح السؤال الأهم هو ما إذا كانت موسكو سترد بتوسيع نطاق عملياتها ضد البنية التحتية الأوكرانية، أم أن الطرفين سيواصلان حرب الاستنزاف الجوية المتبادلة.
وفي كلتا الحالتين، تكشف ضربة موسكو الأخيرة شيئًا واحدًا بوضوح: حرب المسيّرات لم تعد حرب جبهة فقط.. إنها حرب على العمق والاقتصاد والقدرة على الاستمرار.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *