
ففي الوقت الذي لا تزال فيه حركة الملاحة عبر المضيق تحت ضغط شديد، تعرض خط أنابيب شرق-غرب السعودي، الذي أنشأته المملكة أصلًا لتوفير مسار بديل لصادراتها بعيدًا عن هرمز، للتعطيل وبقي خارج الخدمة، بينما شن الحوثيون في اليمن هجمات جديدة على أهداف داخل السعودية وعززوا مواقعهم على الساحل الغربي لليمن قرب البحر الأحمر.
وفي موازاة ذلك، أرجأت دول خليجية محادثات كانت مقررة مع إيران بشأن ترتيبات الملاحة في هرمز، ما يزيد الغموض حول المدة التي يمكن أن تستمر فيها أزمة الإمدادات.
وهنا تظهر المفارقة التي تهم أسواق النفط: إذا كان هرمز مضطربًا، والبديل البري السعودي متوقفًا، والضغط يتزايد قرب باب المندب، فما الخيارات المتبقية أمام أكبر مصدر للنفط في العالم؟
هجوم جديد يغيّر الحسابات
أعلن الحوثيون، الاثنين، إطلاق عشرات الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه قاعدة عسكرية في خميس مشيط جنوب السعودية، وقالوا إنهم استهدفوا منشآت عسكرية بينها حظائر طائرات وأنظمة رادار ومدارج ومخازن للذخيرة، ردًا على الغارات السعودية في اليمن.
وأصدرت السلطات السعودية تنبيهات طارئة في خميس مشيط وثلاث مدن جنوبية أخرى، فيما قالت قوات التحالف بقيادة السعودية إن الهجمات أسفرت عن إصابة 13 مدنيًا.
لكن التطور لا يكتسب أهميته من الهجوم العسكري وحده.
فبحسب مسؤولين يمنيين نقلت عنهم رويترز، يواصل الحوثيون تعزيز مواقعهم على الساحل الغربي لليمن المطل على البحر الأحمر، بعد تقدمهم في مناطق عدة، بينها جزيرة بريم، المعروفة أيضًا باسم ميون، عند مدخل البحر الأحمر.
وهذا يجعل الضغط على السعودية متصلًا بجغرافيا الطاقة والملاحة في المنطقة، حتى لو لم تكن الجبهتان السعودية واليمنية جزءًا من مسار عسكري واحد.
البديل السعودي عن هرمز خارج الخدمة
أنشأت السعودية خط شرق-غرب، المعروف باسم «بترولاين»، في ثمانينيات القرن الماضي لنقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ساحل البحر الأحمر، بما يسمح بتصدير جزء من الخام دون المرور عبر مضيق هرمز.
ويمتد الخط لنحو 1200 كيلومتر من الخليج إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
لكن الخط تعرض لهجوم جوي أدى إلى توقفه، وقالت الرياض إن الهجوم جاء من الأراضي العراقية ونسبته إلى ميليشيات مدعومة من إيران. وفي المقابل، لا توجد في أحدث المعلومات المتاحة إشارة إلى أن الحوثيين هم من نفذوا الهجوم على الخط نفسه.
وهذه نقطة جوهرية لفهم الصورة. فالسعودية لا تواجه ضغطًا من طرف واحد؛ إذ جاء تعطل خط النفط في وقت يتقدم فيه الحوثيون على الساحل الغربي لليمن ويصعدون هجماتهم على المملكة. أي أن الضغط على مسارات الطاقة يأتي من اتجاهات متعددة في الوقت نفسه.
4% من الإمدادات تحت الاختبار
قدرة خط شرق-غرب تصل إلى نحو 4 ملايين برميل يوميًا، بحسب بيانات نقلتها رويترز، أي ما يعادل قرابة 4% من الإمدادات النفطية العالمية.
ولا يعني ذلك أن هذه الكمية اختفت بالكامل من السوق؛ فالمملكة تملك مخزونات وخيارات تشغيلية أخرى، كما أن تقدير التأثير الفعلي يعتمد على مدة توقف الخط وقدرة السعودية على إعادة توجيه صادراتها.
لكن استمرار الإغلاق لفترة طويلة يمكن أن يرفع حجم النفط المعرض للخطر في السوق العالمية، خصوصًا مع استمرار اضطراب هرمز.
وهنا تتحول المسألة من هجوم على منشأة نفطية إلى سؤال عن مرونة منظومة التصدير السعودية بأكملها.
فإذا كان أحد أهم المسارات البديلة عن هرمز متوقفًا، فإن قدرة المملكة على تعويض اضطراب المضيق تصبح أكثر ارتباطًا بالمدة التي سيحتاجها إصلاح الخط وبسلامة الطرق البحرية الأخرى.
باب المندب يدخل المعادلة
في الجنوب، يتغير المشهد أيضًا. تقدم الحوثيين على الساحل الغربي لليمن ووصولهم إلى بريم عند مدخل البحر الأحمر يضيف عاملًا جديدًا إلى حسابات شركات الشحن والطاقة.
ولا يعني ذلك أن باب المندب مغلق أو أن الحوثيين يملكون وحدهم قرار الملاحة فيه.
لكن وجود قوة عسكرية معادية للسعودية بالقرب من هذا الممر يرفع مستوى المخاطر بالنسبة إلى السفن التي تستخدم البحر الأحمر، خصوصًا إذا استمر التصعيد وتوسعت قائمة الأهداف المحتملة.
وبذلك يصبح المشهد أكثر تعقيدًا: هرمز في أزمة، خط شرق-غرب متوقف، وباب المندب تحت ضغط أمني متزايد.
وهذه ليست ثلاثة أحداث منفصلة بالنسبة إلى سوق النفط؛ فهي تمس في النهاية السؤال نفسه: كيف تصل الطاقة الخليجية إلى الأسواق إذا تعرضت طرقها الرئيسية أو البديلة للخطر؟
النفط فوق 107 دولارات
بدأت الأسواق بالفعل في تسعير هذا الخطر.
وارتفع خام برنت الثلاثاء إلى 107.55 دولارًا للبرميل، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط إلى 103.27 دولارًا، وفق بيانات نقلتها رويترز، وسط مخاوف متزايدة من اضطراب الإمدادات بعد الهجمات على البنية التحتية النفطية السعودية واستمرار أزمة الملاحة في الخليج.
وكان برنت قد تجاوز حاجز 107 دولارات بعد أن ارتفعت المخاوف من استمرار توقف خط شرق-غرب وعدم وضوح موعد استئناف تشغيله.
لكن السؤال الأهم بالنسبة إلى السوق ليس فقط أين وصل النفط اليوم؟ بل كم من الوقت سيبقى البديل السعودي متوقفًا؟ فإذا عاد الخط إلى العمل سريعًا، قد تتراجع علاوة المخاطر التي أضيفت إلى أسعار النفط.
أما إذا طال التوقف بالتزامن مع استمرار اضطراب هرمز، فقد تصبح السوق أكثر حساسية لأي هجوم جديد على منشآت الطاقة أو السفن.
هرمز ليس المشكلة الوحيدة
أزمة هرمز نفسها لا تظهر مؤشرات واضحة على الانحسار السريع. فقد أرجأت دول خليجية محادثات كانت مقررة مع إيران بشأن ترتيبات مرتبطة بالملاحة في المضيق، في خطوة تعكس استمرار الخلافات السياسية في وقت تحتاج فيه الأسواق إلى مسار واضح لإعادة حركة الشحن.
وكانت أهمية هذه المحادثات أنها تستهدف البحث عن ترتيبات تسمح بمرور السفن، ولو بصورة مؤقتة، عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
لكن تأجيلها يعني أن الحل الدبلوماسي لم يصل بعد إلى نقطة يمكن معها للأسواق الاعتماد عليه.
وفي المقابل، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن إيران تريد التوصل إلى اتفاق سريع، بينما لا تزال طهران تضع شروطًا مرتبطة بالمفاوضات.
وهكذا يبقى العامل السياسي عنصرًا حاسمًا في تحديد اتجاه النفط، إلى جانب العامل العسكري.
ماذا تستطيع السعودية أن تفعل؟
السؤال الأكثر أهمية الآن هو: ما الخيارات المتاحة أمام الرياض؟ الخيار الأول هو إعادة تشغيل خط شرق-غرب بأسرع وقت ممكن، وهو الحل الأكثر مباشرة لتقليل أثر أزمة هرمز على الصادرات السعودية.
الخيار الثاني هو إعادة توزيع الصادرات واستخدام القدرات التخزينية والموانئ والمسارات المتاحة إلى أن تتم معالجة الأضرار.
أما الخيار الثالث، فهو أمني بالدرجة الأولى: رفع مستوى حماية منشآت الطاقة والطرق البحرية وخطوط التصدير لمنع تحول الهجمات المتفرقة إلى حملة مستمرة تستهدف منظومة الطاقة.
لكن كل خيار له كلفة. إصلاح الخط يحتاج إلى وقت، وإعادة توجيه الصادرات لها حدود، بينما زيادة الحماية العسكرية قد ترفع خطر اتساع المواجهة.
ولهذا فإن السعودية لا تواجه فقط تحديًا في كمية النفط التي تستطيع تصديرها، بل تواجه اختبارًا لقدرة منظومة الطاقة لديها على العمل تحت ضغط عسكري متعدد الاتجاهات.
ماذا يعني ذلك للعالم؟
إذا استمر اضطراب هرمز وتعطل خط شرق-غرب لفترة طويلة، فإن التأثير لن يبقى محصورًا في السعودية.
ارتفاع أسعار النفط يعني ارتفاع تكلفة النقل والإنتاج، ويمكن أن ينتقل تدريجيًا إلى أسعار الوقود والسلع والخدمات في اقتصادات تعتمد على استيراد الطاقة.
كما أن استمرار المخاطر البحرية يرفع تكاليف التأمين والشحن، وقد يدفع مزيدًا من شركات النقل إلى تغيير مساراتها أو الانتظار بدل دخول مناطق عالية المخاطر. وهنا تتحول أزمة الشرق الأوسط إلى مشكلة اقتصادية عالمية.
ما الذي يجب مراقبته الآن؟
هناك أربعة مؤشرات ستحدد اتجاه الأزمة خلال الأيام المقبلة:
أولًا: موعد إعادة تشغيل خط شرق-غرب السعودي.
ثانيًا: ما إذا كانت الهجمات الحوثية ستستمر في استهداف الأراضي والمنشآت السعودية.
ثالثًا: ما إذا كان باب المندب سيتحول من منطقة تهديد إلى منطقة اضطراب فعلي لحركة السفن.
رابعًا: هل تستأنف المحادثات الخليجية مع إيران، وهل يمكن أن تنتج عنها ترتيبات عملية للملاحة في هرمز؟
إذا تحسن مؤشر واحد أو أكثر من هذه المؤشرات، فقد تنخفض علاوة المخاطر في النفط. أما إذا تدهورت جميعها في وقت واحد، فإن السوق ستواجه معادلة أكثر صعوبة.
ما وراء الخبر
القصة الحقيقية ليست أن الحوثيين هاجموا السعودية اليوم، وليست أن النفط تجاوز 107 دولارات فقط.
التطور الأهم هو أن البديل الذي صممته السعودية لتجاوز هرمز أصبح نفسه تحت الاختبار، بينما تتزايد المخاطر قرب الطريق البحري الآخر في البحر الأحمر.
وهذا لا يعني أن السعودية فقدت كل خيارات تصدير النفط، لكنه يعني أن هامش المناورة أصبح أكثر حساسية للوقت والأمن.
ففي الأزمات النفطية، لا تكفي كمية الاحتياطيات ولا حجم الإنتاج وحدهما. الممر الذي يحمل النفط إلى السوق لا يقل أهمية عن النفط نفسه.
ولهذا فإن السؤال الذي ستراقبه الأسواق خلال الأيام المقبلة ليس فقط: هل سيبقى هرمز مضطربًا؟ بل: هل تستطيع السعودية إبقاء طرقها البديلة مفتوحة إذا طال أمد الأزمة؟
إذا كانت الإجابة نعم، فقد يبقى ارتفاع النفط مؤقتًا. أما إذا بدأ البديل يتآكل بينما يستمر اضطراب هرمز، فقد تتحول أزمة الممرات إلى أزمة إمدادات عالمية أكثر عمقًا.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *