
لم تعد أزمة مضيق هرمز تضغط على تجارة النفط والطاقة فقط، بل بدأت تعيد رسم حركة البضائع داخل الخليج، بعدما تراجعت حركة سفن الحاويات عبر المضيق إلى مستويات حادة، واضطرت شركات الشحن إلى البحث عن طرق بديلة أطول وأكثر كلفة.
هذا ما ترصده صحيفة Financial Times في تقرير بعنوان «The Gulf cargo trade that vanished»، مشيرة إلى أن اضطراب الملاحة عبر هرمز أصاب بصورة خاصة تجارة السلع غير النفطية، وغيّر حسابات الشركات التي تعتمد على الخليج بوصفه مركزًا للتجارة بين آسيا وأوروبا.
من 1250 إلى 10 آلاف دولار
تنقل الصحيفة عن رجل أعمال بريطاني يعمل في دبي أن تكلفة شحن حاوية بطول 40 قدمًا من الصين إلى الإمارات وصلت في بعض الحالات إلى نحو 10 آلاف دولار، مقابل 1250 دولارًا قبل الأزمة.
كما ارتفعت تكلفة التأمين البحري للحاوية من نحو 120 دولارًا إلى ألف دولار، بينما تضاعف زمن الرحلة المعتاد من الصين إلى الإمارات ليصل إلى نحو 60 يومًا، مع بقاء شحنات في موانئ وسيطة مثل موندرا الهندي وكولومبو السريلانكي بانتظار مسارات مناسبة إلى الخليج.
وتقول FT إن المشكلة لا تتعلق بالنفط وحده؛ فبينما تمكنت بعض ناقلات النفط من التحرك في ظل إجراءات أمنية أميركية، بقيت حركة سفن الحاويات محدودة بشدة، بسبب ارتفاع المخاطر مقارنة بالعائد الذي تحققه هذه السفن.
94% انخفاضًا في سفن الحاويات
بحسب بيانات شركة Xeneta التي أوردتها الصحيفة، لم يتجاوز عدد سفن الحاويات التي دخلت الخليج أو عبرت إليه بين الأول من مارس و7 سبتمبر نحو 240 سفينة، مقابل 4198 سفينة خلال الفترة نفسها من العام السابق، بانخفاض يقارب 94%.
وقبل الأزمة، كانت 99 خدمة للحاويات تعمل في الخليج أو تعبر إليه، بما يعادل نحو 10% من أسطول الحاويات العالمي، وفق التقرير. أما الآن، فلم يتبق سوى 11 خدمة، معظمها مخصص للحركة داخل الخليج، إلى جانب خدمة تربط إيران بالصين.
وتؤكد بيانات Xeneta المنشورة في سبتمبر أن البدائل البرية والموانئ الواقعة خارج هرمز أصبحت جزءًا أساسيًا من شبكة الإمداد الجديدة، لكن بتكلفة أعلى؛ إذ ارتفعت أسعار الشحن من الصين إلى خورفكان بنسبة 479% مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة، بينما ارتفعت الأسعار إلى جدة بنسبة 256%.
جبل علي في قلب الأزمة
وتضع الصحيفة ميناء جبل علي في دبي في قلب تداعيات الأزمة.
فالميناء، الذي كان يتعامل قبل الحرب مع نحو 40 ألف حاوية مكافئة لعشرين قدمًا يوميًا، أصبح عمليًا معزولًا عن المسارات البحرية المعتادة بسبب اضطراب الملاحة عبر هرمز.
وبدأت حركة أكبر تتجه إلى خورفكان وإلى الموانئ العمانية الواقعة خارج المضيق. لكن القدرة الاستيعابية تختلف بصورة كبيرة؛ إذ تشير FT إلى أن جبل علي يضم 27 رصيفًا و120 رافعة، مقابل ستة أرصفة و18 رافعة في خورفكان، ما يفسر جانبًا من الضغوط التي تواجهها الموانئ البديلة.
عُمان تستفيد.. لكن الطريق أطول
في المقابل، سجلت الموانئ العمانية الواقعة خارج مضيق هرمز ارتفاعًا في أحجام البضائع بنسبة 69% هذا العام، وفق بيانات رسمية نقلتها الصحيفة، فيما زادت حركة شاحنات الترانزيت إلى نحو ثلاثة أضعاف لتصل إلى 116,088 شاحنة حتى الآن في 2026.
كما لجأت شركات إلى نقل البضائع برًا من الموانئ العمانية أو من جدة والساحل السعودي على البحر الأحمر، بينما اتجهت بعض الحكومات إلى الشحن الجوي للسلع ذات الأولوية.
لكن هذه البدائل لا تستطيع ببساطة تعويض النقل البحري.
وتنقل FT عن شركة Hapag-Lloyd أن ما يعرف بالجسر البري يضيف نحو 7 إلى 10 أيام إلى زمن الرحلات، فضلًا عن الحاجة إلى بنية تحتية وتنسيق إضافيين. وتقول الشركة إن أزمة الخليج تكلفها نحو 50 مليون دولار أسبوعيًا من النفقات الإضافية.
لماذا يهم ذلك؟
المشكلة لا تنتهي عند شركات الشحن. فالرحلات الأطول تعني تكاليف أعلى، وقد بدأت آثارها تظهر في بعض السلع والأسواق الخليجية. وتنقل الصحيفة عن اقتصاديين أن اضطرابات الإمدادات تزيد الضغوط المالية على حكومات المنطقة، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف دعم بعض السلع والطاقة.
كما أشارت إلى أن بعض المنتجات بدأت تختفي من المتاجر، بينما تواجه قطاعات أخرى صعوبات في إدخال السيارات والسلع الاستهلاكية ومواد أخرى إلى الأسواق.
وتظهر أهمية ذلك في الغذاء تحديدًا، إذ قال كبير الاقتصاديين في Oxford Economics Middle East إن أسعار الغذاء شديدة الحساسية لاضطرابات التجارة، في وقت ترتفع فيه بالفعل تكاليف المدخلات والنقل.
الإمارات تبحث عن طريق أقل اعتمادًا على هرمز
وفي مواجهة هذه المخاطر، تخطط DP World لإنشاء محطتين جديدتين في الفجيرة على ساحل خليج عُمان، بطاقة تقارب نصف قدرة جبل علي على مناولة البضائع العامة، وفق ما أوردته FT.
لكن بناء المنشآت سيستغرق نحو عامين، ما يعني أن الحلول اللوجستية الجديدة لن تكون فورية. وهنا تظهر النقطة الأهم في تقرير الصحيفة.
ما وراء الخبر
أزمة هرمز لا تختبر قدرة الخليج على تأمين النفط فقط، بل تكشف مدى اعتماد النموذج التجاري الخليجي على استقرار الممرات البحرية.
وإذا استمرت الأزمة، فإن الشركات لن تكتفي بانتظار عودة الملاحة إلى طبيعتها؛ بل ستعيد توزيع مخزونها، وموانئها، ومساراتها وعقودها اللوجستية. وهذا يعني أن جزءًا من التحول الذي بدأ بسبب الأزمة قد يستمر حتى بعد تراجع المخاطر الأمنية.
فالطريق البديل الذي يبدأ كحل مؤقت يمكن أن يتحول إلى بنية تجارية دائمة.
وهنا تكمن أهمية ما وصفته Financial Times بـ«تجارة الشحن الخليجية التي اختفت»: القضية ليست فقط عدد السفن التي لم تعد تعبر هرمز، بل ما إذا كانت خريطة التجارة الخليجية نفسها بدأت تتغير.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *