
صعدت أسعار النفط فوق 107 دولارات للبرميل في تعاملات الثلاثاء، مع استمرار المخاوف بشأن إمدادات الطاقة بعد خروج خط أنابيب شرق-غرب السعودي من الخدمة، بالتزامن مع تصاعد التوتر حول مضيق هرمز والبحر الأحمر.
وأظهرت بيانات رويترز أن عقود برنت ارتفعت في أحدث تحديث إلى 107.05 دولار للبرميل، بزيادة 1.3%، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط إلى 102.92 دولار، بزيادة 1.51%، مع استمرار السوق في تسعير مخاطر تعطل الإمدادات.
ولا يرتبط ارتفاع النفط بعامل واحد؛ فالسوق يواجه في الوقت نفسه اضطرابًا في أحد مسارات تصدير النفط السعودية، وحركة محدودة عبر مضيق هرمز، ومخاطر متزايدة حول البحر الأحمر، ما يجعل أي تطور أمني جديد قادرًا على التأثير سريعًا في الأسعار.
لماذا يراقب السوق خط شرق-غرب؟
يمثل خط شرق-غرب أحد أهم المسارات السعودية لتجاوز مضيق هرمز، إذ ينقل الخام من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
وكان الخط ينقل نحو 4 ملايين برميل يوميًا، وفق بيانات أوردتها رويترز، أي ما يعادل قرابة 4% من الإمدادات العالمية. ولذلك فإن استمرار توقفه لا يمثل مشكلة لوجستية سعودية فقط، بل يرفع حساسية السوق تجاه أي نقص محتمل في المعروض.
وقالت رويترز إن السعودية أوقفت الخط بعد هجوم جوي، وإن الرياض وبغداد قالتا إن الهجوم انطلق من الأراضي العراقية، حيث تنشط جماعات مسلحة مدعومة من إيران. وهذه الواقعة يجب فصلها عن الهجمات الحوثية التي جاءت لاحقًا على أهداف داخل السعودية.
وتكمن المشكلة بالنسبة إلى السوق في مدة التوقف، وليس في الإغلاق وحده؛ فكلما طال إصلاح الخط، زادت الضغوط على قدرة المملكة على إعادة توجيه الخام والمحافظة على مستويات التصدير.
هرمز يضيف طبقة أخرى من المخاطر
في الوقت نفسه، لا يزال مضيق هرمز يمثل العامل الأكبر في حسابات سوق الطاقة.
وتشير بيانات رويترز إلى أن حركة السفن التجارية عبر المضيق تراجعت إلى أقل من 10 عمليات عبور يوميًا خلال عطلة نهاية الأسبوع، مقارنة بمتوسط بلغ 14 عبورًا يوميًا خلال الأيام العشرة السابقة، بينما كان المضيق قبل اندلاع الحرب يمثل طريقًا لنحو خمس إمدادات النفط العالمية.
وهذا يعني أن السوق لا يتعامل مع حادث منفرد، وإنما مع تراكم للمخاطر: إذا تعطل خط بديل عن هرمز، وبقيت حركة السفن عبر المضيق محدودة، يصبح هامش المناورة أمام المنتجين والمشترين أضيق. وهنا تتحول الجغرافيا السياسية إلى عامل سعري مباشر.
البحر الأحمر يدخل المعادلة
تزامن ذلك مع هجمات جديدة شنها الحوثيون على السعودية، بحسب رويترز، في وقت تواصل فيه الجماعة تعزيز حضورها على الساحل الغربي لليمن.
وقالت رويترز إن الحوثيين نفذوا هجومًا بالصواريخ والطائرات المسيّرة على قاعدة خميس مشيط في جنوب السعودية، فيما أجلت دول خليجية محادثات كانت مقررة مع إيران، وهو ما زاد المخاوف من اتساع نطاق الصراع وتأثيره في إمدادات النفط.
ويكتسب البحر الأحمر أهمية إضافية لأنه يمثل مسارًا رئيسيًا للتجارة بين آسيا وأوروبا، وبالتالي فإن ارتفاع المخاطر فيه قد يضيف تكاليف تأمين وشحن ومسارات أطول إلى جانب ارتفاع تكلفة الطاقة نفسها.
الأسواق بدأت تشعر بالصدمة
لم يتوقف أثر ارتفاع النفط عند سوق الطاقة. فقد أظهرت تعاملات الثلاثاء أن الأسهم الأوروبية تراجعت إلى أدنى مستوياتها في ثلاثة أشهر، مع تعرض البنوك لضغوط، بينما ارتفعت عوائد السندات بفعل المخاوف من أن يؤدي النفط المرتفع إلى زيادة التضخم وإبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
كما سجلت عوائد سندات الخزانة الأميركية ارتفاعًا حادًا، مع وصول عائد السندات لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى له منذ 2007، في وقت تتزايد فيه رهانات الأسواق على استمرار الضغوط التضخمية الناتجة عن الطاقة.
وهنا تظهر أهمية ارتفاع النفط بالنسبة للمستهلك العالمي: المشكلة لا تنتهي عند محطة الوقود، بل يمكن أن تنتقل إلى تكاليف النقل والطيران والصناعة والبتروكيماويات، ثم إلى أسعار السلع والخدمات.
هل يعود التضخم إلى الواجهة؟
إذا استقرت أسعار النفط فوق 100 دولار لفترة قصيرة، فقد تستطيع الاقتصادات امتصاص جزء من الصدمة عبر المخزونات وإعادة ترتيب الإمدادات.
لكن استمرار الارتفاع لفترة أطول سيكون أكثر تعقيدًا. فارتفاع الطاقة يرفع تكلفة الإنتاج والنقل، بينما قد تجد البنوك المركزية نفسها أمام معادلة صعبة: التضخم يتلقى دفعة من النفط، وفي الوقت نفسه يؤدي تشديد السياسة النقدية لمواجهته إلى زيادة الضغوط على النمو.
ولهذا بدأت الأسواق تتعامل مع أزمة الطاقة باعتبارها مشكلة تضخم وسياسة نقدية، وليس مجرد أزمة نفطية.
السعودية أمام اختبار مسارات التصدير
بالنسبة إلى السعودية، تزداد أهمية استعادة خط شرق-غرب بسرعة، لأنه يمثل أحد أهم المسارات التي تسمح بتجاوز هرمز.
وأي إطالة لفترة التوقف تعني أن جزءًا أكبر من الصادرات سيصبح مرتبطًا بقدرة المملكة على استخدام المسارات المتاحة في ظل اضطراب الملاحة.
وتقول رويترز إن السعودية قد تواجه خلال أيام ضغوطًا على الكميات المتاحة للتصدير إذا استمر توقف الخط ولم تعد العمليات إلى طبيعتها، وهو ما يفسر حساسية السوق الشديدة تجاه مدة الإصلاح.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بحجم النفط الذي يمكن فقدانه من السوق، بل بمدى قدرة المنتجين الآخرين على تعويضه في وقت تشهد فيه حركة الملاحة اضطرابات واسعة.
ماذا يراقب المستثمرون الآن؟
ثلاثة مؤشرات ستكون حاسمة خلال الأيام المقبلة.
الأول: مدة توقف خط شرق-غرب السعودي وموعد عودته إلى العمل.
الثاني: اتجاه حركة السفن عبر مضيق هرمز، وما إذا كانت ستستعيد مستوياتها السابقة.
الثالث: هل تتوسع الهجمات لتشمل منشآت إضافية للطاقة أو السفن التجارية؟
أي تطور في هذه الملفات قد يغير اتجاه أسعار النفط بسرعة، خصوصًا بعدما أصبحت الأسواق أكثر حساسية لأي خبر يتعلق بالإمدادات.
ما وراء الخبر
القصة الأهم ليست أن برنت تجاوز 107 دولارات، بل لماذا أصبح الوصول إلى هذا المستوى أسهل وأسرع؟ المشكلة التي تواجه السوق هي تراكم المخاطر في أكثر من نقطة في الوقت نفسه: هرمز، وخط شرق-غرب، والبحر الأحمر.
كل مسار كان يمثل في السابق جزءًا من شبكة أوسع تسمح بتعويض اضطراب مسار آخر. أما عندما تتعرض عدة مسارات للضغط في وقت واحد، تصبح قدرة السوق على المناورة أقل، وترتفع علاوة المخاطر في السعر.
وهذا ما يجعل أزمة النفط الحالية مختلفة عن ارتفاع سعري عابر: إذا طال أمد الاضطرابات، فقد تنتقل الصدمة من سوق الطاقة إلى التضخم والنمو والسياسة النقدية والأسواق العالمية.
والسؤال الذي يهم الأسواق الآن ليس فقط: إلى أين يصل النفط؟ بل: متى تعود طرق الإمداد إلى العمل بصورة طبيعية؟




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *