
قفزت العقود الآجلة للنفط المتداولة في شنغهاي إلى نحو 129 دولارًا للبرميل، في أعلى مستوى لها على الإطلاق، مع تصاعد المخاوف في الصين بشأن إمدادات الخام القادمة من الشرق الأوسط، بعد اضطراب خط أنابيب النفط السعودي الذي ينقل الخام إلى البحر الأحمر.
وأفادت صحيفة فايننشال تايمز بأن عقود النفط في شنغهاي ارتفعت بنحو 14% منذ نهاية الأسبوع الماضي، متجاوزة ذروة سابقة بلغت 121.80 دولارًا خلال الأسابيع الأولى من الحرب مع إيران. وجاءت القفزة في وقت بدأت فيه المصافي الصينية تكثيف البحث عن شحنات بديلة للخام، وسط اضطراب طرق الإمداد في المنطقة.
لكن الرقم البالغ 129 دولارًا يحتاج إلى قراءة دقيقة؛ فهو ليس سعر برنت العالمي الحالي. فقد أظهرت بيانات رويترز في تعاملات الخميس أن خام برنت تراجع 1.24 دولار، أو 1.2%، إلى 104.59 دولار للبرميل، بينما انخفض خام غرب تكساس الوسيط 1.14 دولار إلى 101.29 دولار.
وهنا تكمن المفارقة التي تكشفها حركة السوق: بينما تراجعت أسعار الخام القياسية عالميًا، بقيت الضغوط على السوق الصينية شديدة، لأن المشكلة لا تتعلق بالسعر فقط، وإنما بقدرة المصافي على الوصول إلى النفط وتوفير الإمدادات في الوقت المناسب.
الصين هي أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، ولذلك فإن أي اضطراب طويل في تدفقات النفط من الخليج يضع مصافيها أمام معادلة أكثر تعقيدًا: البحث عن شحنات إضافية، وتغيير مصادر التوريد، واستخدام المخزونات، في وقت تتنافس فيه الاقتصادات الآسيوية على الإمدادات المتاحة.
وقالت فايننشال تايمز إن المصافي الصينية كانت قد لجأت إلى المخزونات مع اضطراب الإمدادات، لكن استمرار الأزمة بدأ يفرض ضغوطًا أكبر على سوق الوقود المحلية. كما دفعت المخاوف بشأن تراجع المخزونات إلى تكهنات حول إمكانية تشديد القيود على صادرات الوقود الصينية إذا طال أمد الأزمة.
لكن التطورات الأخيرة في السعودية خففت جزءًا من الضغط.
فبحسب رويترز، بدأت السعودية عرض شحنات إضافية من الخام للمصافي الآسيوية، من خلال عمليات نقل من سفينة إلى سفينة قبالة ميناء صحار العُماني، في محاولة لتعويض جزء من أثر تعطل صادراتها عبر البحر الأحمر بعد الهجمات التي أصابت خط أنابيب الشرق–الغرب. وساعدت هذه الخطوة في تهدئة المخاوف من نقص فوري في الإمدادات، وهو ما انعكس على أسعار برنت وخام غرب تكساس في تعاملات الخميس.
لكن قدرة السعودية على إعادة توجيه بعض الشحنات لا تعني أن المشكلة انتهت.
فخط الشرق–الغرب يمثل أحد المسارات المهمة التي تسمح للسعودية بنقل النفط إلى البحر الأحمر وتجاوز مضيق هرمز. ولذلك فإن تعطل الخط في ظل استمرار الاضطرابات في البحر الأحمر يضغط على قدرة المملكة والأسواق الآسيوية على الاعتماد على مسارات بديلة في الوقت نفسه.
وهذا هو الجانب الذي يجعل الرقم الصيني البالغ 129 دولارًا أكثر أهمية من مجرد ارتفاع في عقد نفطي.
السوق الصينية بدأت تسعّر تكلفة الوصول إلى النفط، وليس فقط سعر النفط نفسه.
فإذا كانت الشحنات متاحة ولكنها تحتاج إلى مسارات أطول أو عمليات نقل إضافية أو تأمين أعلى تكلفة، فإن السعر الذي تواجهه المصافي قد يختلف عن السعر القياسي الذي تتابعه الأسواق العالمية.
وتزداد حساسية هذه المسألة بالنسبة إلى الصين لأن قطاعها الصناعي والنقل والبتروكيماويات يعتمد بدرجة كبيرة على إمدادات مستقرة من الطاقة. وأي ارتفاع طويل في تكلفة الخام يمكن أن ينتقل تدريجيًا إلى أسعار المنتجات المكررة وتكاليف النقل والصناعة.
وفي المقابل، لا يعني ارتفاع عقود النفط في شنغهاي أن الصين دخلت بالفعل في أزمة نقص حادة. فالدولة تملك مخزونات استراتيجية وتجارية، كما تستطيع شركات التكرير تعديل مصادر الاستيراد والتعامل مع أسواق متعددة.
لكن استمرار الأزمة لفترة أطول قد يجعل هذه الأدوات أكثر تكلفة وأقل فاعلية، خصوصًا إذا بقيت طرق التصدير الخليجية تحت الضغط في الوقت نفسه.
وهنا تعود السعودية إلى قلب المعادلة الآسيوية.
فالتحرك السعودي عبر عُمان لا يمثل مجرد عملية تجارية لتوفير شحنات إضافية، بل يكشف أهمية المرونة اللوجستية في أسواق الطاقة. وكلما تمكن المنتجون الخليجيون من إعادة توجيه الخام بعيدًا عن نقاط الاختناق، تراجعت مخاطر حدوث نقص واسع في الأسواق الآسيوية.
لكن هذه المرونة لها حدود.
فإذا تعرضت خطوط الأنابيب والموانئ والممرات البحرية لضغوط متزامنة، يصبح من الصعب تعويض كل برميل مفقود بسرعة، حتى بالنسبة إلى أكبر المنتجين.
ولهذا فإن ما يحدث في الصين يقدم درسًا مهمًا للخليج أيضًا: أمن الطاقة لم يعد يتعلق بحجم الإنتاج وحده، بل بعدد الطرق التي يمكن عبرها إيصال هذا الإنتاج إلى المستهلكين.
وقد يكون هذا أحد أهم تداعيات الأزمة الحالية. فمضيق هرمز ليس المسار الوحيد الذي يهم سوق النفط، كما أن خط الأنابيب السعودي ليس مجرد بنية تحتية داخلية. كلاهما جزء من شبكة عالمية تحدد قدرة النفط الخليجي على الوصول إلى آسيا وأوروبا والأسواق الأخرى.
وتوضح حركة الأسعار هذا التعقيد. فقد انخفض برنت الخميس بعد أن ساعدت الشحنات السعودية الإضافية عبر عُمان على تهدئة مخاوف السوق، بينما ظلت أسعار النفط في شنغهاي عند مستويات مرتفعة تاريخيًا. وهذا يعني أن الأسواق بدأت تميز بدرجة أكبر بين سعر الخام في السوق العالمية وبين تكلفة تأمين الإمدادات في مناطق الاستهلاك.
لذلك، فإن السؤال الذي تطرحه قفزة النفط في شنغهاي ليس فقط: لماذا وصل السعر إلى 129 دولارًا؟
السؤال الأهم هو: ماذا يحدث إذا تحولت أزمة مسارات النفط من اضطراب مؤقت إلى واقع طويل الأمد؟
بالنسبة إلى الصين، ستكون الإجابة مرتبطة بقدرتها على استخدام المخزونات وتنويع الواردات وتأمين شحنات جديدة.
وبالنسبة إلى الخليج، ستتعلق بقدرته على حماية البنية التحتية وفتح مسارات تصدير بديلة.
أما بالنسبة إلى السوق العالمية، فقد تصبح المسألة اختبارًا لقدرة منظومة الطاقة على امتصاص صدمة تتزامن فيها المخاطر الجيوسياسية مع اضطراب النقل والبنية التحتية.
وهنا يصبح رقم 129 دولارًا في شنغهاي أكثر من مجرد رقم قياسي؛ إنه إشارة إلى أن أزمة الخليج بدأت تظهر بأشكال مختلفة من سوق إلى أخرى، وأن السؤال في المرحلة المقبلة قد لا يكون فقط كم يبلغ سعر النفط، بل كم تكلف عملية إيصال النفط إلى من يحتاج إليه.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *