الرئيسية/التحليلات/كيف تحول هرمز إلى ورقة تفاوض بين واشنطن وطهران؟
التحليلات

كيف تحول هرمز إلى ورقة تفاوض بين واشنطن وطهران؟

أزمة هرمز تضغط على الاقتصاد العالمي
📸أزمة هرمز تضغط على الاقتصاد العالمي
اليوم ميديا

لم يعد مضيق هرمز في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مجرد ممر بحري تعبره ناقلات النفط، بل تحول إلى إحدى أهم أوراق التفاوض في الصراع نفسه. فبينما تستخدم واشنطن الضغط الاقتصادي والحصار للضغط على طهران، تملك إيران ورقة أكثر حساسية: القدرة على التأثير في حركة الملاحة عبر أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم.

وتكشف التطورات الأخيرة أن هرمز أصبح مرتبطًا مباشرة بمسار التفاوض على إنهاء الحرب. فقد أفادت رويترز في 24 سبتمبر بأن مفاوضين أميركيين وإيرانيين في نيويورك يبحثون مسارًا تدريجيًا للخروج من الحرب، يقوم على إعادة فتح المضيق أمام الملاحة مقابل رفع الحصار الاقتصادي الأميركي عن إيران، في صيغة تجعل هرمز جزءًا من الصفقة وليس مجرد نتيجة لها.

وهنا تكمن المفارقة: المضيق الذي كان يُنظر إليه أساسًا باعتباره شريانًا للتجارة والطاقة، أصبح الآن جزءًا من معادلة سياسية تقول بوضوح إن السيطرة على حركة العبور يمكن أن تتحول إلى أداة للحصول على تنازلات اقتصادية وسياسية.

من ممر للطاقة إلى ورقة تفاوض

بحسب رويترز، يرى مسؤول إيراني كبير أن أكثر الطرق واقعية للخروج من المأزق الحالي هي اتفاق مرحلي يبدأ برفع الحصار الأميركي وإعادة فتح هرمز، مع احتمال حصول طهران لاحقًا على إمكانية الوصول إلى أصول إيرانية مجمدة. ويعكس هذا الطرح محاولة ربط الملفين الاقتصادي والملاحي في صفقة واحدة بدل معالجة كل أزمة بصورة منفصلة.

وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد قال في وقت سابق إن إيران تستطيع إعادة فتح المضيق خلال سبعة أيام إذا خففت الولايات المتحدة الضغط العسكري ورفعت الحصار عن الموانئ الإيرانية. لكن المواقف الإيرانية اللاحقة حملت شروطًا أكثر تشددًا، ما يعني أن مهلة الأيام السبعة ليست اتفاقًا نهائيًا، وإنما جزء من مقترح تفاوضي مشروط.

وفي المقابل، تريد واشنطن نتيجة مختلفة: حرية مرور السفن وعودة تدفق التجارة والطاقة من دون أن تحصل إيران على مكاسب يمكن أن تكرس استخدام المضيق كورقة ضغط مستقبلية. ولذلك فإن العقدة الحقيقية لا تتعلق فقط بفتح الممر البحري، وإنما بما سيحصل عليه كل طرف مقابل ذلك، وما إذا كانت الترتيبات قابلة للاستمرار بعد انتهاء الحرب.

وهذا ما يجعل هرمز «ورقة تفاوض» أكثر من كونه مجرد ملف أمني. فإعادة فتحه يمكن أن تكون جزءًا من صفقة أوسع، بينما استمرار اضطراب الملاحة يمنح الطرفين دوافع متعارضة: واشنطن تريد تخفيف أثر الأزمة على الطاقة والتجارة، وطهران تريد تخفيف الضغط الاقتصادي المفروض عليها.

لماذا يصعب إيجاد بديل سريع؟

قد يبدو أن المشكلة يمكن تجاوزها بتحويل صادرات النفط والتجارة إلى طرق أخرى، لكن الواقع أثبت أن البدائل موجودة نظريًا أكثر مما هي متاحة بالحجم نفسه عمليًا.

فقد أظهرت بيانات نقلتها رويترز في 25 سبتمبر أن عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى في خليج عُمان، والتي أصبحت إحدى الوسائل المستخدمة لإخراج النفط من المنطقة المتأثرة باضطراب هرمز، وصلت إلى حدود طاقتها الاستيعابية مع زيادة اعتماد السعودية على هذا المسار. وهذا يعني أن البدائل تستطيع تخفيف الصدمة، لكنها لا تستطيع ببساطة استبدال منظومة هرمز بكامل طاقتها في وقت قصير.

وكانت رويترز قد أوضحت في وقت سابق أن منتجي النفط في الخليج لجأوا بصورة متزايدة إلى عمليات النقل بين السفن قبالة عُمان للحفاظ على تدفق الصادرات، لكن هذه الآلية ترفع تكاليف الشحن وتحتاج إلى عدد أكبر من الناقلات والوقت والعمليات اللوجستية.

أما في قطاع التجارة غير النفطية، فالصورة أكثر وضوحًا. فقد ذكرت فايننشال تايمز أن حركة سفن الحاويات عبر المضيق تراجعت بنحو 94% مقارنة بالعام السابق، بينما ارتفعت تكلفة نقل حاوية من الصين إلى الإمارات بصورة حادة، كما تضاعفت أوقات العبور إلى نحو 60 يومًا في بعض الحالات. وأدى ذلك إلى انتقال جزء من الحركة إلى موانئ ومسارات بديلة، لكنها أقل قدرة أو أكثر تكلفة.

وهذا يفسر لماذا لا يتعلق مستقبل هرمز بالنفط وحده. فالمضيق يؤثر أيضًا في الحاويات والمواد الغذائية والسلع الصناعية والأسمدة والبتروكيماويات، وبالتالي فإن استمرار اضطراب الملاحة يتحول تدريجيًا من مشكلة جيوسياسية إلى تكلفة مباشرة على الشركات والمستهلكين في المنطقة.

ما الذي تريده واشنطن وطهران من هرمز؟

المعادلة الحالية يمكن اختصارها في ثلاث أوراق متبادلة: إيران تملك ورقة الملاحة، والولايات المتحدة تملك ورقة الضغط الاقتصادي، والأسواق تملك ورقة التكلفة.

طهران تريد تخفيف الحصار والحصول على مساحة اقتصادية وسياسية تسمح لها بالخروج من الحرب من دون تقديم تنازلات تعتبرها أحادية الجانب. وواشنطن تريد أن يؤدي الضغط إلى اتفاق يضمن حرية الملاحة ويمنع تحول هرمز إلى أداة دائمة للضغط على الاقتصاد العالمي.

لكن دول الخليج تدخل المعادلة من زاوية مختلفة. فهي معنية أولًا بعودة الملاحة الطبيعية وتجنب تحويل الممرات البحرية إلى أدوات صراع مستمرة. وفي الوقت نفسه، فإن الاعتماد على البدائل أثبت أن المنطقة تستطيع التكيف جزئيًا، لكنها تدفع ثمنًا اقتصاديًا ولوجستيًا مرتفعًا مقابل ذلك.

لذلك فإن السؤال الأهم لم يعد: هل سيُفتح مضيق هرمز؟ بل: بأي شروط، وكم من الوقت سيستمر الترتيب الجديد؟

فحتى لو نجحت واشنطن وطهران في التوصل إلى اتفاق مرحلي يعيد الملاحة، فإن الأزمة كشفت هشاشة الاعتماد على ممر واحد، ودفعت شركات ودولًا إلى التفكير في طرق بديلة وموانئ جديدة. وفي المقابل، فإن استمرار إغلاق أو تقييد هرمز سيجعل تكلفة الحرب أكبر على الجميع، بما في ذلك الأطراف التي تحاول استخدام المضيق كورقة ضغط.

وهنا يصبح هرمز أكثر من مضيق: إنه اختبار لحدود القوة الاقتصادية والعسكرية، ولقدرة الأطراف على تحويل الضغط إلى صفقة سياسية قابلة للاستمرار. وإذا نجحت المفاوضات الحالية، فقد يكون فتح المضيق أول بند في تسوية أوسع. أما إذا فشلت، فقد يستمر هرمز باعتباره إحدى أكثر أوراق الصراع حساسية، مع كلفة لا تتوقف عند حدود الخليج، بل تمتد إلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

"
“لم يعد مضيق هرمز في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مجرد ممر بحري تعبره ناقلات النفط، بل تحول إلى إحدى أهم أوراق التفاوض في الصراع نفسه. فبينما تستخدم واشنطن الضغط الاقتصادي والحصار للضغط على طهران، تملك إيران ورقة أكثر حساسية: القدرة على التأثير في حركة الملاحة عبر أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم. وتكشف”
— اليوم ميديا / التحليلات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الحرب الهجينة.. كيف تستعد أوروبا لهجوم بلا إعلان؟

الحرب الهجينة.. كيف تستعد أوروبا لهجوم بلا إعلان؟

لا تحتاج الحرب المقبلة في أوروبا بالضرورة إلى إعلان رسمي أو صاروخ يعبر الحدود كي تبدأ. فقد يكون مدخلها هجومًا إلكترونيًا يعطل شبكة كهرباء، أو طائرة مسيّرة تقترب من منشأة حساسة، أو عملية تخريب تستهدف كابل اتصالات أو محطة طاقة، ثم تترك خلفها سؤالًا أصعب من حجم الضرر نفسه: من نفذ الهجوم، وهل يستدعي ردًا

محرر اليوم ميديا
الجمعة، ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
الحوثيون يصلون إلى ينبع.. هل يحاصرون نفط السعودية؟

الحوثيون يصلون إلى ينبع.. هل يحاصرون نفط السعودية؟

لم تعد معركة الطاقة في الحرب الحالية تدور حول مضيق هرمز وحده. فمع استمرار اضطراب حركة النفط عبر الخليج، أصبحت الطرق البديلة التي تستطيع السعودية استخدامها لنقل الخام إلى الأسواق أكثر أهمية، وفي مقدمتها خط أنابيب شرق–غرب الذي ينقل النفط من مناطق الإنتاج في شرق المملكة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. وفي هذا التوقيت

محرر اليوم ميديا
الجمعة، ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
قرقاش: حوار مع إيران.. لكن الثقة تحتاج سنوات

قرقاش: حوار مع إيران.. لكن الثقة تحتاج سنوات

الإمارات لا تغلق باب الحوار مع إيران، لكنها لا ترى أن استمرار العلاقات يعني عودة الثقة سريعًا. تلك هي الخلاصة الأبرز في حديث الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، عن شكل العلاقة مع طهران في المرحلة المقبلة. وخلال جلسة «الإعلام في زمن التحولات الكبرى» ضمن قمة الإعلام العربي في دبي، أوضح قرقاش أن

محرر اليوم ميديا
الخميس، ٢٤ سبتمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
السعودية أمام معضلة الحوثيين.. ماذا لو أصبح الجار المعادي أمرًا واقعًا؟

السعودية أمام معضلة الحوثيين.. ماذا لو أصبح الجار المعادي أمرًا واقعًا؟

تواجه السعودية معضلة تتجاوز المواجهة العسكرية الحالية مع الحوثيين في اليمن، إذ تجد نفسها أمام سؤال أكثر تعقيدًا يتعلق بما ستفعله إذا تحولت الجماعة، التي تسيطر على أجزاء واسعة من البلاد وتشن هجمات على الأراضي السعودية، إلى قوة راسخة على حدودها الجنوبية يصعب تغيير واقعها. وتطرح صحيفة ذا ستريتس تايمز هذا السؤال في تحليل نشرته

محرر اليوم ميديا
الخميس، ٢٤ سبتمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة