كشف وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أن مجموعة «R4»، التي تضم مصر وتركيا والسعودية وباكستان، تعمل على إعداد وثيقة مبادئ مشتركة تمهّد لتأسيس هيكل أمني إقليمي جديد، مؤكداً أن الترتيبات المقترحة ستكون مفتوحة أمام جميع دول المنطقة، وفقاً لمقابلة خاصة أجراها مع قناة TRT عربي.
وقال عبد العاطي إن الدول الأربع تسعى إلى بلورة رؤية موحدة للأمن الإقليمي، في ظل تصاعد التحديات الأمنية والسياسية، مشيراً إلى أن أياً من دول المنطقة لا يستطيع مواجهة هذه التحديات بمفرده، مهما بلغت قدراته.
وأضاف أن المجموعة قررت العمل بصورة مشتركة، إلى جانب بناء جسور تعاون مع الشركاء الأوروبيين، بهدف دعم الاستقرار وخفض التصعيد وتعزيز الحلول السياسية للأزمات الإقليمية.
وأوضح أن المرحلة الحالية تتطلب إعادة النظر في بنية الأمن الإقليمي، ووضع ترتيبات جديدة توفر ضمانات أمنية أكبر لدول مجلس التعاون الخليجي، بمشاركة أطراف إقليمية أخرى.
مبادئ جديدة للأمن الإقليمي
وأشار وزير الخارجية المصري إلى أن الهيكل الأمني المقترح لن يكون مقتصراً على الدول الأربع، بل سيكون مفتوحاً أمام جميع دول المنطقة، شريطة الالتزام بمجموعة من المبادئ، تشمل احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وحظر استخدام القوة، والاحتكام إلى الحلول السلمية والسياسية.
واعتبر عبد العاطي أن أحد أبرز أوجه القصور في منظومة الأمن الإقليمي السابقة يتمثل في ضعف الالتزام بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، محذراً من أن غياب هذه المرجعيات يفتح المجال أمام منطق القوة على حساب الاستقرار.
وتأتي هذه التحركات في إطار آلية «R4» التي تجمع مصر وتركيا والسعودية وباكستان، بهدف تعزيز الحوار والتنسيق بشأن القضايا الإقليمية، انطلاقاً من مبدأ أن تكون دول المنطقة شريكاً أساسياً في صياغة حلول أزماتها وترتيبات أمنها.
فلسطين شرط لاستقرار المنطقة
وفي الملف الفلسطيني، شدد عبد العاطي على أن أي منظومة أمنية إقليمية لن تكون مستقرة أو مستدامة من دون منح الفلسطينيين حق تقرير المصير والتوصل إلى حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية.
وقال إن حل الدولتين يظل الخيار الوحيد المتاح، موضحاً أن المخرج يتمثل في إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
ووصف القضية الفلسطينية بأنها جوهر الصراع في المنطقة، محذراً من أن استمرار غياب الحل السياسي سيحول دون تحقيق السلام والاستقرار.
وبشأن الأوضاع في غزة، قال إن الوضع الإنساني لا يُطاق ويتفاقم بفعل السياسات الإسرائيلية والعراقيل التي تواجه دخول المساعدات الإنسانية والطبية إلى القطاع.
وأشار إلى أن مصر تدعم خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلام، لكنه اتهم إسرائيل بعدم الالتزام ببنودها وعدم تنفيذ المرحلة الأولى منها.
أما في الضفة الغربية، فحذر من تصاعد اعتداءات المستوطنين والتوسع الاستيطاني، مشيراً إلى أن مشروع «E1» من شأنه تقسيم الضفة الغربية إلى شطرين وتقويض فرص إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.
قلق مصري من تصعيد الحرب مع إيران
وفي تطور يعكس اتساع نطاق المخاوف الإقليمية، أعرب عبد العاطي عن قلق بلاده من احتمال تصاعد الحرب مع إيران، مؤكداً أن القاهرة تعمل مع شركائها في مجموعتي «R4» و«E3» لخفض التوتر وتجنب مواجهة عسكرية جديدة.
وحذر من أن أي تصعيد إضافي ستكون له تداعيات واسعة على اقتصادات المنطقة ومستويات المعيشة، فضلاً عن زيادة التضخم وتهديد الأمن الغذائي وإمدادات الطاقة.
وأدان وزير الخارجية المصري الهجمات التي تعرضت لها دول الخليج خلال الفترة الماضية، وطالب بوقف الهجمات على السعودية، كما دعا الحوثيين إلى الانسحاب من المناطق التي سيطروا عليها خلال الأسابيع الأخيرة، معتبراً أن ذلك يمكن أن يمهد الطريق لاستئناف المفاوضات استناداً إلى تفاهمات عام 2023.
إصلاح النظام الدولي
وعلى المستوى الدولي، دعا عبد العاطي إلى إحياء العمل متعدد الأطراف وتعزيز دور الأمم المتحدة، إلى جانب إصلاح مجلس الأمن وتوسيع عضويته، معتبراً أن التمثيل الحالي لا يعكس بصورة كافية مكانة أفريقيا والعالمين العربي والإسلامي.
كما طالب بإصلاح المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، مشيراً إلى التحديات التي تواجه دول الجنوب العالمي في الحصول على التمويل الميسر ومعالجة أعباء الديون.
وأكد أهمية التفاهم الاستراتيجي بين مصر وتركيا وباكستان والسعودية، معتبراً أن التنسيق بين هذه الدول يمكن أن يعزز فرص العمل الجماعي في مواجهة الأزمات.
واختتم عبد العاطي بالتأكيد أن القاهرة تعمل مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية للضغط على إسرائيل من أجل احترام القانون الدولي وتنفيذ الالتزامات الواردة في خطة ترامب للسلام.
وكانت إسطنبول قد استضافت، الجمعة، أول اجتماع بصيغة «E3+R4»، بمشاركة وزراء خارجية أوروبيين وشرق أوسطيين، لبحث ملفات إقليمية ودولية، من مضيقي هرمز وباب المندب إلى غزة وأوكرانيا، وسط مخاوف من تداعيات أي تصعيد عسكري جديد مع إيران على أمن الملاحة وإمدادات الطاقة.
ما وراء الخبر
لا تقتصر أهمية تحرك مجموعة «R4» على التنسيق الدبلوماسي بين أربع دول، بل تعكس توجهاً نحو منح القوى الإقليمية دوراً أكبر في صياغة ترتيبات الأمن في الشرق الأوسط، بدلاً من ترك مستقبل المنطقة رهناً بالتفاهمات بين القوى الدولية وحدها.
لكن تحويل هذه الرؤية إلى هيكل أمني قابل للتطبيق يظل مرتبطاً بمدى قدرة الدول الأربع على تجاوز اختلاف أولوياتها، والتوافق على قواعد ملزمة لإدارة الخلافات، والتعامل مع ملفات شديدة التعقيد، وفي مقدمتها إيران وأمن الخليج والقضية الفلسطينية.
زاوية اليوم ميديا
السؤال الأساسي ليس ما إذا كانت المنطقة تحتاج إلى منظومة أمنية جديدة، بل ما إذا كانت الدول الإقليمية قادرة على بناء منظومة تتجاوز التنسيق السياسي إلى ضمانات عملية تحمي سيادة الدول وأمن الملاحة واستقرار المنطقة.
فنجاح «R4» سيعتمد على قدرتها على تحويل المبادئ المعلنة إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ، وعلى إيجاد صيغة توازن بين المصالح المتباينة لدول المنطقة، من دون استبعاد الأطراف الأخرى أو تحويل الهيكل الجديد إلى محور في مواجهة محور آخر.






التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *