الرئيسية/التحليلات/تركيا والعثمانيون.. هل يعود زمن النفوذ؟
التحليلات

تركيا والعثمانيون.. هل يعود زمن النفوذ؟

لم يعد السؤال عن عودة الدولة العثمانية مجرد استدعاء تاريخي يثيره خطاب الحنين إلى الماضي، أو مقارنة عابرة بين تركيا الحديثة والإمبراطورية التي حكمت أجزاء واسعة من العالم العربي لقرون.

تركيا تسعى إلى توسيع نفوذها الإقليمي مستفيدة من موقعها الجغرافي وإرثها التاريخي.

لم يعد السؤال عن عودة الدولة العثمانية مجرد استدعاء تاريخي يثيره خطاب الحنين إلى الماضي، أو مقارنة عابرة بين تركيا الحديثة والإمبراطورية التي حكمت أجزاء واسعة من العالم العربي لقرون. فالتطورات المتسارعة في السياسة الخارجية التركية، واتساع شبكة اتفاقياتها الدفاعية والاقتصادية، من الخليج إلى بلاد الشام وشمال أفريقيا والبحر الأحمر، أعادت طرح سؤال أكثر عمقاً: هل تعمل أنقرة على استعادة مجال نفوذ تاريخي فقدته مع انهيار السلطنة، أم أنها تسعى إلى تأسيس قوة إقليمية جديدة تستثمر الإرث العثماني والجغرافيا والمصالح الاقتصادية لتثبيت موقعها في النظام الدولي؟

خلال فترة قصيرة، انتقلت تركيا من مرحلة التوتر مع عدد من العواصم العربية إلى بناء علاقات استراتيجية معها. أبرمت اتفاقيات دفاعية مع قطر والسعودية، ووسعت شراكاتها الاقتصادية مع الإمارات ومصر، وعززت تعاونها العسكري والسياسي مع السلطة السورية الجديدة، وواصلت تثبيت حضورها في ليبيا، بينما فتحت مجالات أوسع للتعاون الاقتصادي مع السودان. لا تبدو هذه التحركات أحداثاً منفصلة تماماً، بل تعكس اتجاهاً نحو توسيع المجال الحيوي التركي، وإن اختلفت أدواته وأهدافه من دولة إلى أخرى.

لكن فهم هذه التحولات يتطلب العودة إلى التاريخ، لا بوصفه نموذجاً قابلاً للاستنساخ، وإنما باعتباره عاملاً مؤثراً في تشكيل الهوية السياسية التركية وتصورها لموقعها الإقليمي.

من السلطنة إلى الجمهورية: إرث لم ينتهِ

انهارت الدولة العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وأُلغيت السلطنة عام 1922، ثم أُعلنت الجمهورية التركية في 29 أكتوبر 1923 بقيادة مصطفى كمال أتاتورك. وفي مارس 1924 أُلغيت الخلافة، لتبدأ مرحلة جديدة قامت على بناء دولة قومية ذات مؤسسات حديثة، قطعت مع النظام الإمبراطوري السابق، واتجهت إلى إعادة تعريف علاقتها بأوروبا والشرق الأوسط.

لم يكن هذا التحول مجرد تغيير في نظام الحكم؛ فقد مثل إعادة صياغة لهوية الدولة وموقعها في العالم. فالجمهورية الجديدة تخلت عن المطالبة بإدارة الأقاليم التي كانت خاضعة للسلطنة، واعتمدت حدوداً دولية ثبتتها معاهدة لوزان عام 1923، قبل أن تصبح عضواً في حلف شمال الأطلسي عام 1952، وتطور علاقاتها مع الغرب.

غير أن القطيعة السياسية لم تمحُ الذاكرة العثمانية. فقد ظل الإرث الإمبراطوري حاضراً في الثقافة والمجتمع والنقاشات المتعلقة بهوية تركيا ودورها. ومع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002، عاد هذا الإرث إلى واجهة الخطاب السياسي والثقافي، ولكن بصورة مختلفة عن النموذج الذي تبنته الجمهورية الكمالية.

برز مفهوم «العثمانية الجديدة» في النقاشات السياسية والأكاديمية لوصف توجه يستعيد بعض عناصر التاريخ العثماني، ويمنح تركيا دوراً أوسع في المناطق التي كانت جزءاً من مجالها التاريخي. وارتبط هذا النقاش، بصورة خاصة، بأفكار أحمد داود أوغلو، وزير الخارجية ورئيس الوزراء السابق، الذي طرح في كتابه «العمق الاستراتيجي» تصوراً لتركيا باعتبارها دولة تملك عمقاً جغرافياً وتاريخياً يسمح لها بالتحرك في أكثر من اتجاه.

لكن مفهوم العثمانية الجديدة لا يعني بالضرورة وجود مشروع رسمي لإعادة السلطنة. فهناك فرق بين توظيف التاريخ لتعزيز المكانة السياسية، وبين السعي إلى إعادة نظام إمبراطوري انتهت ظروفه التاريخية والقانونية. وقد تناولت دراسات أكاديمية في جامعة أكسفورد هذا التداخل بين الحنين إلى الماضي العثماني وإعادة تشكيل الهوية السياسية التركية المعاصرة.

أردوغان وتغيير وظيفة تركيا الإقليمية

منذ تولي حزب العدالة والتنمية الحكم، لم تكن السياسة التركية ثابتة على مسار واحد. ففي سنواتها الأولى، ركزت أنقرة على الانفتاح الاقتصادي والدبلوماسي، وتوسيع علاقاتها مع الدول العربية، وتعزيز مساعيها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وقدمت نفسها بوصفها نموذجاً يجمع بين المؤسسات الجمهورية والاقتصاد المنفتح والهوية الإسلامية المحافظة.

ومع اندلاع انتفاضات الربيع العربي عام 2011، تغيرت الحسابات. فقد رأت القيادة التركية أن التحولات السياسية في المنطقة تفتح المجال أمام إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، وأن بإمكان أنقرة توسيع نفوذها عبر العلاقات السياسية والاقتصادية ودعم بعض القوى الصاعدة.

لكن الرهانات لم تحقق جميع أهدافها. فقد أدت الخلافات مع مصر، والتوتر مع السعودية والإمارات، والحرب السورية، إلى تراجع العلاقات التركية مع عدد من الدول العربية. كما واجهت أنقرة ضغوطاً اقتصادية وسياسية، وتبين أن النفوذ الذي يُبنى على التوافقات الأيديولوجية وحدها لا يكفي لإدارة منطقة شديدة التعقيد.

ومنذ عام 2021، بدأت تركيا مراجعة واضحة لسياساتها، واتجهت إلى المصالحة مع دول كانت على خلاف معها. ولم يكن ذلك تخلياً عن طموحها الإقليمي، بقدر ما كان انتقالاً إلى سياسة أكثر براغماتية، تستخدم المصالح الاقتصادية والتعاون الدفاعي والدبلوماسية لتوسيع مساحة الحركة التركية.

ويرى تحليل نشره معهد بروكينغز في يونيو 2026 أن تركيا عادت لاعباً مركزياً في الشرق الأوسط، لكنه يميز بين طموحات الخطاب السياسي التركي وبين واقع النفوذ على الأرض؛ فأنقرة، وفق التحليل، تحاول إدارة الاضطرابات الإقليمية وحماية مصالحها أكثر مما تعمل على فرض هيمنة شاملة على المنطقة.

السعودية وقطر: من الشراكة الأمنية إلى بناء شبكة دفاعية

يمثل التقارب التركي السعودي أحد أبرز التحولات في العلاقات الإقليمية. فبعد سنوات من التوتر، أعاد البلدان بناء علاقاتهما السياسية والاقتصادية، ثم انتقلا إلى توسيع التعاون الدفاعي والصناعي.

وجاء اتفاق مكة للدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان، الموقع في أغسطس 2026، ليمنح هذا التقارب بعداً استراتيجياً جديداً. وقد أقره البرلمان التركي في 6 نوفمبر 2026 بأغلبية 279 صوتاً مقابل 119، متضمناً مبدأ المساعدة المتبادلة إذا تعرض أحد الأطراف لهجوم، إلى جانب التعاون الاستخباراتي والتنسيق العسكري وتطوير الصناعات الدفاعية.

تكمن أهمية الاتفاق في أنه يربط ثلاث دول ذات ثقل عسكري وسياسي، ويعكس رغبة الأطراف في تنويع خياراتها الأمنية، في ظل التوترات الإقليمية والقلق من هشاشة الترتيبات الأمنية التقليدية. فالسعودية تبحث عن توسيع شراكاتها الدفاعية، وتركيا تسعى إلى تثبيت حضورها في أمن الخليج وتعزيز أسواق صناعاتها العسكرية، فيما تعمل باكستان على توسيع علاقاتها الاستراتيجية.

ومع ذلك، لا ينبغي التعامل مع الاتفاق باعتباره حلفاً مماثلاً لحلف شمال الأطلسي، ولا باعتباره دليلاً على وجود قيادة عسكرية موحدة. كما أن التصديق البرلماني لا يعني تلقائياً إرسال قوات تركية؛ إذ يتطلب نشر القوات تفويضاً منفصلاً.

أما قطر، فقد سبقت السعودية في بناء شراكة عسكرية مؤسسية مع أنقرة. فمنذ اتفاق التعاون العسكري عام 2014، تطورت العلاقات إلى تعاون في التدريب والمناورات والدعم اللوجستي والتسليح. وخلال أزمة حصار قطر عام 2017، اكتسب الوجود العسكري التركي دلالة سياسية وأمنية واضحة، قبل أن تتوسع الشراكة إلى مجالات اقتصادية واستثمارية وتقنية.

وبذلك، أصبحت تركيا شريكاً دفاعياً مهماً لقطر، بينما يمثل الاتفاق الثلاثي مع السعودية وباكستان انتقالاً إلى مستوى مختلف من التنسيق الأمني. غير أن اختلاف طبيعة الاتفاقيات يؤكد أن أنقرة لا تبني حلفاً واحداً متجانساً، بل شبكة علاقات تتفاوت في التزاماتها وأهدافها.

الإمارات ومصر: الاقتصاد يعيد رسم العلاقات

إذا كانت الشراكات مع قطر والسعودية تعكس جانباً من الحضور العسكري التركي، فإن العلاقات مع الإمارات ومصر تكشف عن الوجه الاقتصادي والدبلوماسي لهذا التوسع.

فبعد سنوات من التوتر، شهدت العلاقات الإماراتية التركية تحولاً كبيراً منذ زيارة الشيخ محمد بن زايد إلى تركيا عام 2021، ثم زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى أبوظبي عام 2022. وتوج هذا التقارب بتوقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة في مارس 2023، التي دخلت حيز التنفيذ في سبتمبر من العام نفسه.

لم تكن الاتفاقية مجرد تفاهم تجاري، بل إطاراً لتوسيع التبادل التجاري والاستثمار وتسهيل حركة السلع والخدمات. كما أُعلن في يوليو 2023 عن اتفاقيات ومذكرات تفاهم بين البلدين بقيمة إجمالية بلغت نحو 50.7 مليار دولار، شملت قطاعات الطاقة والدفاع والاستثمار والتكنولوجيا والتمويل.

وبحسب بيانات وزارة الخارجية الإماراتية، تجاوزت التجارة غير النفطية بين البلدين 45.2 مليار دولار خلال عام 2025، وهو ما يعكس انتقال العلاقة إلى مستوى متقدم من المصالح الاقتصادية المتبادلة.

وتقدم العلاقة مع الإمارات نموذجاً مهماً للسياسة التركية الجديدة: فأنقرة لا تحتاج إلى تطابق سياسي كامل مع شريكها حتى تبني معه علاقات استراتيجية. فالمصالح التجارية والاستثمارية قادرة على فتح مساحات للتعاون، حتى مع استمرار الاختلافات في بعض الملفات الإقليمية.

أما مصر، فقد مثل التقارب معها تحولاً لا يقل أهمية. فبعد سنوات من القطيعة والتنافس، أعاد البلدان تفعيل مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، ووقّعا اتفاقيات ومذكرات تفاهم في مجالات الاستثمار والتجارة والدفاع والزراعة والصحة.

وفي 4 فبراير 2026، عقد الرئيسان عبد الفتاح السيسي ورجب طيب أردوغان الاجتماع الثاني للمجلس في القاهرة، وأكدا التزامهما برفع حجم التبادل التجاري إلى 15 مليار دولار بحلول عام 2028، بعدما اقترب من تسعة مليارات دولار. كما اتفقا على توسيع الاستثمارات والتعاون الصناعي ونقل التكنولوجيا.

وتتجاوز أهمية هذا التقارب الأرقام التجارية؛ فمصر دولة محورية في شرق المتوسط والبحر الأحمر والعالم العربي، ولا يمكن لتركيا أن تتجاهل دورها في ملفات الطاقة والملاحة والأمن الإقليمي. كما أن القاهرة وأنقرة تدركان أن استمرار القطيعة يرفع كلفة التنافس ويحد من فرص التعاون.

لكن المصالحة لا تعني اختفاء الخلافات أو نشوء تحالف متكامل. إنها أقرب إلى إدارة الاختلاف من خلال المصالح المشتركة، وهو ما يعكس تحولاً في طريقة تعامل تركيا مع محيطها العربي.

سوريا: الاختبار الحقيقي للنفوذ التركي

تظل سوريا الساحة الأكثر حساسية في الحسابات التركية، لأنها تجمع بين الأمن القومي والحدود والجغرافيا واللاجئين والقضية الكردية والتنافس الدولي.

منذ اندلاع الحرب السورية، تدخلت تركيا تدريجياً في الشمال السوري، وأقامت وجوداً عسكرياً في مناطق متعددة، مستندة إلى اعتبارات أمنية مرتبطة بحزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب، وإلى رغبتها في منع قيام كيان كردي مسلح متصل بحدودها الجنوبية.

وبعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، دخلت العلاقة التركية السورية مرحلة جديدة. فقد وجدت أنقرة فرصة لتوسيع دورها في إعادة بناء المؤسسات السورية، وتعزيز علاقاتها مع السلطة الجديدة، والمشاركة في رسم الترتيبات الأمنية والاقتصادية للمرحلة الانتقالية.

وفي أغسطس 2025، وقّع الطرفان مذكرة للتعاون العسكري تضمنت التدريب والاستشارات وتقديم أنظمة أسلحة ومعدات ودعم لوجستي وتبادل الخبرات. وهذا التطور يمنح تركيا دوراً مهماً في مسار إعادة بناء الجيش السوري، لكنه يطرح في الوقت نفسه أسئلة تتعلق باستقلال القرار العسكري السوري وحدود الاعتماد على أنقرة.

وتتجاوز المصالح التركية الجانب العسكري؛ فإعادة إعمار سوريا تفتح سوقاً واسعة أمام الشركات التركية في البناء والطاقة والنقل والبنية التحتية، كما تمنح أنقرة فرصة لتطوير ممرات تجارية تربطها بالخليج وشرق المتوسط.

غير أن سوريا ليست مساحة خالية من المنافسين. فالوجود الأمريكي في الشمال الشرقي، والموقف الإسرائيلي من أي انتشار عسكري تركي واسع، ومصالح روسيا، فضلاً عن تعقيدات الداخل السوري، كلها عوامل تحد من قدرة أنقرة على تحويل نفوذها إلى سيطرة مستقرة.

ولهذا فإن نجاح تركيا في سوريا لن يقاس بحجم حضورها العسكري أو عدد الاتفاقيات، وإنما بقدرتها على المساهمة في قيام دولة سورية موحدة، قادرة على إدارة مؤسساتها وحماية سيادتها، من دون أن تتحول إلى ساحة نفوذ متنازع عليها.

ليبيا: المتوسط بوابة النفوذ الاستراتيجي

في ليبيا، يرتبط الحضور التركي بمعادلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الحسابات العسكرية والاقتصادية والبحرية. فقد شكل توقيع مذكرتي التفاهم الأمنية والبحرية بين أنقرة وحكومة الوفاق الوطني في نوفمبر 2019 نقطة تحول في الصراع الليبي.

تدخلت تركيا عسكرياً لدعم حكومة طرابلس في مواجهة قوات خليفة حفتر، وأسهم تدخلها في تغيير موازين المعركة ومنع سقوط العاصمة عام 2020. ولم يكن ذلك منفصلاً عن الاتفاق البحري الذي منح أنقرة أساساً للدفاع عن تصورها لمناطق الاختصاص البحري في شرق المتوسط، في مواجهة المطالب اليونانية والقبرصية.

وتحمل هذه الاتفاقية أهمية استراتيجية لتركيا، لأنها ترتبط بمصالحها في الطاقة والملاحة والحدود البحرية، كما تمنحها موقعاً تفاوضياً في أي ترتيبات مستقبلية لشرق المتوسط.

واللافت أن مجلس النواب الليبي في الشرق وافق في 20 أكتوبر 2026 على الاتفاق البحري مع تركيا، وألغى قرارات سابقة اتخذها عام 2020 برفض الاتفاقيات مع أنقرة وقطع العلاقات السياسية معها. ويمثل هذا التطور تحولاً في موقف المعسكر الشرقي، الذي كان في السابق على خصومة مع تركيا بسبب تدخلها إلى جانب حكومة طرابلس.

وتكشف هذه الخطوة أن أنقرة تحاول توسيع علاقاتها الليبية وعدم حصر نفوذها في طرف واحد، بما يفتح المجال أمام تعاون اقتصادي وسياسي أوسع. لكن الاتفاق أثار اعتراضات من اليونان ومصر ودول أخرى، كما أن استمرار الانقسام الليبي يجعل تنفيذ أي تفاهمات استراتيجية مرتبطاً بتسوية داخلية لم تتحقق بعد.

إن ليبيا ليست مجرد ساحة نفوذ تركي، بل نقطة التقاء بين مصالح دولية وإقليمية تتنافس على الطاقة والبحر المتوسط والموانئ والممرات البحرية. ومن هنا تكتسب أهمية خاصة في حسابات أنقرة.

السودان: البحر الأحمر والامتداد الأفريقي

يمثل السودان امتداداً مختلفاً للحضور التركي، تتداخل فيه العلاقات التاريخية مع المصالح الاقتصادية والأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر.

شهدت العلاقات التركية السودانية توسعاً ملحوظاً خلال زيارة أردوغان إلى الخرطوم في ديسمبر 2017، حين وُقعت اتفاقيات في مجالات التجارة والزراعة والصناعة والتعاون الثقافي والاستثماري. وأثارت جزيرة سواكن اهتماماً إقليمياً بعد الاتفاق على ترميم آثارها وتطويرها، بسبب موقعها على البحر الأحمر وقربها من طرق الملاحة الدولية. لكن الاتفاق المتعلق بترميم الجزيرة لا يثبت إنشاء قاعدة عسكرية تركية فيها، وينبغي عدم الخلط بين المشروعين.

ومع اندلاع الحرب السودانية في أبريل 2023، تعطلت مشروعات كثيرة وتراجعت فرص الاستثمار، لكن أنقرة حافظت على علاقاتها مع السلطات السودانية، وواصلت تقديم المساعدات الإنسانية والتحرك الدبلوماسي.

وفي مايو 2026، استقبل أردوغان رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس في أنقرة، وبحث الجانبان إعادة الإعمار والاستثمار والتجارة والزراعة والطاقة والتعدين. كما شهدت اجتماعات اللجنة الاقتصادية المشتركة اتفاقات ومشروعات تستهدف تنشيط التعاون في قطاعات الزراعة والطاقة والتعدين وإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة من الحرب.

وتكشف هذه التحركات عن اهتمام تركي بإعادة بناء علاقات اقتصادية مع السودان، والاستفادة من فرص الاستثمار في بلد يملك موارد زراعية ومعدنية وموقعاً استراتيجياً على البحر الأحمر. كما أن استقرار السودان يرتبط بأمن الممرات البحرية والتوازنات في القرن الأفريقي، وهي ملفات تتزايد أهميتها في الحسابات التركية.

لكن الحرب تظل العقبة الرئيسية أمام تحويل التفاهمات إلى مشروعات فعلية. فالسودان يحتاج إلى وقف القتال وتسوية سياسية وإعادة بناء مؤسساته قبل أن يصبح بيئة مستقرة للاستثمار. ولذلك فإن النفوذ التركي هناك لا يزال مرتبطاً بمدى قدرة الدولة السودانية على استعادة الاستقرار والسيادة.

هل تستطيع تركيا بناء نظام إقليمي جديد؟

عند جمع هذه المسارات، تتضح صورة شبكة واسعة من العلاقات التركية تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط وشمال أفريقيا والبحر الأحمر. لكنها ليست شبكة متجانسة؛ فبعضها دفاعي، مثل العلاقات مع قطر والسعودية، وبعضها اقتصادي، مثل الشراكات مع الإمارات ومصر، وبعضها يرتبط بإعادة بناء المؤسسات والنفوذ الأمني، مثل سوريا، فيما يتصل الحضور في ليبيا والسودان بمزيج من المصالح العسكرية والبحرية والاقتصادية.

هذه التعددية تمنح أنقرة قدرة على التحرك في أكثر من اتجاه، وتسمح لها بتعزيز موقعها في الملفات التي تمس أمنها ومصالحها. لكنها لا تعني أنها أصبحت قادرة على قيادة المنطقة أو فرض نظام سياسي جديد عليها.

فهناك أولاً القيود الاقتصادية. إذ تواجه تركيا تحديات التضخم وسعر الصرف والتمويل، وتحتاج إلى استثمارات أجنبية وأسواق تصدير مستقرة. كما أن توسيع الحضور العسكري والدفاعي يتطلب موارد مالية وتكنولوجية مستمرة، لا تستطيع الدولة توفيرها بلا حدود.

وهناك ثانياً القيود الجيوسياسية. فتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي منذ عام 1952، وترتبط بعلاقات تجارية ومؤسسية مهمة مع أوروبا، ولا تستطيع تجاهل موقع الولايات المتحدة وروسيا والصين في التوازنات الإقليمية. كما أن التنافس مع إسرائيل في سوريا وشرق المتوسط والبحر الأحمر قد يتحول إلى عامل يحد من قدرة أنقرة على توسيع نفوذها.

وهناك ثالثاً موقف الدول العربية نفسها. فالسعودية والإمارات ومصر وقطر ليست كيانات تابعة لتركيا، بل دول تمتلك مواردها وقدراتها وأجنداتها المستقلة. وهي تتعاون مع أنقرة عندما تتقاطع المصالح، وتحتفظ بحق الاختلاف معها عندما تتباين الحسابات. ولذلك فإن الاتفاقيات لا تمنح تركيا حق الوصاية على شركائها، ولا تعني قبولهم بقيادة تركية للمنطقة.

كما أن الذاكرة التاريخية لا تعمل في اتجاه واحد. فبينما يستحضر بعض الأتراك الإرث العثماني بوصفه مصدر اعتزاز ومكانة، تستحضر قطاعات عربية أخرى تاريخ السلطنة من زاوية الحكم المركزي والصراعات والتجارب المحلية المختلفة. ومن ثم فإن تحويل التاريخ إلى خطاب سياسي جامع ليس أمراً مضموناً، بل قد يثير حساسيات تعرقل الشراكات التي تسعى أنقرة إلى بنائها.

نفوذ يتوسع.. وإمبراطورية لن تعود

إن الحديث عن عودة الدولة العثمانية بالمعنى التاريخي لا يجد ما يكفي من الأدلة في الاتفاقيات والتحركات التركية الراهنة. فلا توجد مؤشرات على مشروع لإعادة السلطنة أو إلغاء سيادة الدول العربية أو إعادة رسم الحدود على أساس إمبراطوري. ما يظهر على الأرض هو سعي إلى بناء مجال نفوذ متعدد الأدوات، تستثمر فيه تركيا قوتها العسكرية وصناعاتها الدفاعية وموقعها الجغرافي وعلاقاتها الاقتصادية وإرثها التاريخي.

لكن هذا لا يقلل من أهمية التحول. فتركيا تعمل على تثبيت نفسها بوصفها قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها في قضايا الخليج وسوريا وليبيا وشرق المتوسط والبحر الأحمر. وهي تحاول أن تكون شريكاً أمنياً واقتصادياً في أكثر من ساحة، وأن تحجز لنفسها موقعاً في أي ترتيبات إقليمية مقبلة.

الفارق أن الإمبراطورية القديمة كانت تقوم على سلطة مركزية تفرض نفوذها على الأقاليم التابعة، أما شبكة العلاقات التركية المعاصرة فتقوم على اتفاقيات بين دول ذات سيادة، وتظل قوتها مرتبطة بتوازن المصالح وقبول الأطراف المشاركة.

ولعل السؤال الأكثر دقة لم يعد: هل تعود الدولة العثمانية من جديد؟ بل: هل تنجح تركيا في تحويل إرثها التاريخي وموقعها الجغرافي وشبكة اتفاقياتها إلى مركز ثقل إقليمي جديد، من دون أن تتحول طموحاتها إلى مصدر تنافس وصدام مع الدول التي تسعى إلى بناء شراكات معها؟

ذلك هو الاختبار الحقيقي للسياسة التركية في السنوات المقبلة. فالتاريخ يمكن أن يمنح الدول شعوراً بالامتداد، والجغرافيا قد تفتح أمامها أبواب النفوذ، لكن بناء قوة إقليمية مستدامة لا يتحقق بالذاكرة وحدها، بل بالاقتصاد القوي، والتحالفات المتوازنة، واحترام سيادة الشركاء، والقدرة على تحويل الاتفاقيات إلى استقرار ومصالح متبادلة.

الدولة العثمانية انتهت بوصفها نظاماً سياسياً، لكن أثرها لم ينتهِ من الذاكرة والجغرافيا. أما تركيا الجديدة، فهي تحاول أن تصنع لنفسها دوراً يتجاوز حدود الجمهورية التقليدية، من دون أن يكون بالضرورة استعادة للإمبراطورية التي سقطت قبل أكثر من قرن.

"
“لم يعد السؤال عن عودة الدولة العثمانية مجرد استدعاء تاريخي يثيره خطاب الحنين إلى الماضي، أو مقارنة عابرة بين تركيا الحديثة والإمبراطورية التي حكمت أجزاء واسعة من العالم العربي لقرون. فالتطورات المتسارعة في السياسة الخارجية التركية، واتساع شبكة اتفاقياتها الدفاعية والاقتصادية، من الخليج إلى بلاد الشام وشمال أفريقيا والبحر الأحمر، أعادت طرح سؤال أكثر عمقاً:”
— اليوم ميديا / التحليلات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ترامب يقرّ بتأثير حرب إيران على خسارة الجمهوريين

ترامب يعترف: حرب إيران كلفتنا الهزيمة الانتخابية

أقرّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن الحرب مع إيران أسهمت في خسارة حزبه الجمهوري انتخابات التجديد النصفي، التي انتهت بفوز كبير للديمقراطيين وسيطرتهم على مجلسي النواب والشيوخ، لكنه دافع عن قراره شنّ الحرب، مؤكداً أنه كان سيتخذ القرار نفسه مجدداً. وقال ترامب، في مقابلات مع شبكة «فوكس نيوز» وصحيفة «وول ستريت جورنال»، إن إيران كانت

لندن - اليوم ميديا
الخميس، ٥ نوفمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
بيت هيغسيث والجنرال دان كين خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ

واشنطن بعد الانتخابات.. هل يُحاسب قادة البنتاغون؟

تواجه قيادة وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) مرحلة جديدة من الضغوط السياسية، بعد الخسائر الكبيرة التي مُني بها الجمهوريون في انتخابات التجديد النصفي، وسط تصاعد الدعوات إلى مراجعة إدارة الحرب على إيران والتقديرات العسكرية التي قُدمت إلى البيت الأبيض بشأن مسار العمليات ونتائجها. وقالت صحيفة «واشنطن بوست» إن الهزيمة الانتخابية للجمهوريين فتحت الباب أمام تحركات داخل

لندن -حمزة نور الدين
الخميس، ٥ نوفمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
وزير الخارجية الصيني وانغ يي خلال مؤتمر صحفي في بكين.

الصين تريد مقعداً على طاولة تسوية حرب الخليج

كثّفت الصين تحركاتها الدبلوماسية في الشرق الأوسط سعياً إلى توسيع دورها في جهود إنهاء الحرب الأميركية الإيرانية، مستفيدة من علاقاتها السياسية والاقتصادية مع طهران ودول الخليج، في وقت تتواصل فيه الوساطة القطرية وسط مخاوف من تجدد الضربات العسكرية واتساع نطاق المواجهة. وقالت وكالة رويترز، في تقرير نشرته الأربعاء 4 نوفمبر، إن بكين تسعى إلى الحصول

الرياض - سالم ناصر العتيبي
الخميس، ٥ نوفمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
ترامب خلال اجتماع أمني بشأن إيران في البيت الأبيض

ترامب بعد الهزيمة.. صفقة مع إيران أم ضربة عسكرية جديدة؟

دخلت المواجهة الأميركية الإيرانية مرحلة جديدة من عدم اليقين، بعد فوز الديمقراطيين بالسيطرة على مجلسي الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي، في تطور يضع الرئيس دونالد ترامب أمام حسابات سياسية وعسكرية معقدة، وسط استمرار التوتر في مضيق هرمز وتعثر الجهود الرامية إلى التوصل لاتفاق ينهي الحرب. وبينما تطرح نتائج الانتخابات تساؤلات بشأن قدرة الإدارة الأميركية على

لندن - عمر فهد العلي
الخميس، ٥ نوفمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة