دخلت المواجهة الأميركية الإيرانية مرحلة جديدة من عدم اليقين، بعد فوز الديمقراطيين بالسيطرة على مجلسي الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي، في تطور يضع الرئيس دونالد ترامب أمام حسابات سياسية وعسكرية معقدة، وسط استمرار التوتر في مضيق هرمز وتعثر الجهود الرامية إلى التوصل لاتفاق ينهي الحرب.
وبينما تطرح نتائج الانتخابات تساؤلات بشأن قدرة الإدارة الأميركية على مواصلة الحرب دون ضغوط داخلية متزايدة، لا توجد مؤشرات مؤكدة حتى الآن على أن واشنطن قررت التخلي عن الخيار العسكري أو أن طهران مستعدة لتقديم تنازلات جوهرية.
وتشير قراءة رويترز للمشهد، في تحليل نشرته الأربعاء 4 نوفمبر، إلى أن ترامب بات أمام خيارين متعارضين: البحث عن مخرج تفاوضي من الحرب، أو اللجوء إلى تصعيد عسكري جديد بهدف فرض شروط أميركية وتحقيق نتيجة يمكن تقديمها باعتبارها انتصاراً.
مضيق هرمز.. العقدة التي تعطل الاتفاق
لم يعد مضيق هرمز مجرد نقطة توتر عسكرية بين واشنطن وطهران، بل تحول إلى ورقة ضغط رئيسية في المفاوضات، نظراً إلى تأثيره المباشر على إمدادات الطاقة وحركة التجارة العالمية.
وتكشف تغطية أسوشيتد برس أن إيران طرحت خطة لإعادة فتح المضيق واستئناف المفاوضات النووية خلال فترة قصيرة، لكنها ربطت ذلك بشروط تشمل رفع العقوبات الأميركية وإنهاء الحصار البحري والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة.
وفي المقابل، تتمسك واشنطن بحرية الملاحة وعدم السماح لطهران بفرض ترتيبات أحادية على حركة السفن، ما يجعل ملف المضيق أحد أصعب العقبات أمام أي تسوية.
وتعكس هذه الخلافات أن المفاوضات لا تتعلق بوقف العمليات العسكرية فقط، بل بمستقبل السيطرة على أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم.
واشنطن بين التفاوض والاستعداد العسكري
قبل الانتخابات، ظهرت مؤشرات متعارضة بشأن الاتجاه الذي ستسلكه إدارة ترامب. ففي تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» في 28 أكتوبر، أفادت الصحيفة بأن الولايات المتحدة أبلغت عدداً من الدول الخليجية بضرورة الاستعداد لاحتمال شن حملة عسكرية قصيرة ومكثفة ضد إيران بعد انتخابات التجديد النصفي.
ووفق التقرير، كانت هناك مؤشرات على استعداد أميركي وإسرائيلي لجولة جديدة من العمليات العسكرية، بهدف إضعاف القدرات الإيرانية ودفع طهران إلى تقديم تنازلات على طاولة المفاوضات.
لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن المسار الدبلوماسي لم يتوقف؛ إذ تحدث نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس عن فرص التوصل إلى تسوية، فيما استمرت الوساطة القطرية والاتصالات مع المسؤولين الإيرانيين.
وفي المقابل، أكدت تقارير أسوشيتد برس أن الولايات المتحدة نفذت ضربات وصفتها بالدفاعية ضد أهداف إيرانية في جزيرة قشم ومحيط مضيق هرمز، مستهدفة منشآت مرتبطة بالدفاعات الجوية الإيرانية، في مؤشر على أن التهدئة الدبلوماسية لم تمنع استمرار المواجهة العسكرية المحدودة.
طهران تقرأ الهزيمة الأميركية سياسياً
في طهران، قُدمت نتائج الانتخابات الأميركية باعتبارها رفضاً شعبياً للحرب وسياسات ترامب، إذ اعتبر مسؤولون إيرانيون أن خسارة الجمهوريين تعكس استياء الناخبين الأميركيين من استمرار المواجهة وتكاليفها الاقتصادية.
ونقلت أسوشيتد برس عن القيادة الإيرانية ومسؤولين في فريق التفاوض تصريحات تربط نتائج الانتخابات برفض الحرب، مع تحذيرات من أن تغيير موازين القوى داخل واشنطن لن يؤدي بالضرورة إلى تغيير السياسة الأميركية تجاه إيران.
وتكمن أهمية هذا الموقف في احتمال أن ترى طهران أن الضغوط الداخلية على ترامب تمنحها هامشاً أوسع للمناورة، وتدفعها إلى التشدد في مطالبها المتعلقة بالعقوبات والحصار والمضيق والبرنامج النووي.
لكن هذا التقدير يحمل مخاطرة؛ إذ يحذر محللون خليجيون نقلت عنهم رويترز من أن تفسير النتائج باعتبارها ضعفاً في الإرادة الأميركية قد يشجع إيران على رفع سقف مطالبها، بما يزيد احتمالات سوء الحسابات والتصعيد مجدداً.
الحسابات الخليجية.. لا تسوية بأي ثمن
بالنسبة إلى دول الخليج، لا تكمن المسألة في وقف الحرب فحسب، بل في طبيعة الاتفاق الذي يمكن أن ينهيها.
فالتوصل إلى تسوية تسمح باستمرار القيود على الملاحة في مضيق هرمز، أو تمنح إيران قدرة على فرض شروط سياسية أو مالية على السفن العابرة، قد ينهي المواجهة مؤقتاً دون معالجة أسباب التوتر الأساسية.
ونقلت رويترز عن مصادر مطلعة على مواقف خليجية أن هناك ميلاً إلى الاعتقاد بأن نتائج الانتخابات قد تزيد رغبة ترامب في التوصل إلى اتفاق، لكن مسؤولين ومحللين خليجيين حذروا في الوقت نفسه من اتفاق لا يضمن حرية الملاحة ولا يعالج المخاوف الأمنية لدول المنطقة.
وتزداد أهمية هذه المخاوف مع استمرار التهديدات البحرية وتداعيات الحرب على أسواق الطاقة والتجارة الدولية، فضلاً عن ارتباط أمن الخليج باستقرار حركة الشحن عبر المضيق.
ما وراء الخبر
هزيمة ترامب لا تعني نهاية الحرب.. بل تغير حسابات المواجهة
تكشف نتائج الانتخابات الأميركية مفارقة استراتيجية: فقد أصبح ترامب أكثر تعرضاً للضغوط الداخلية بسبب الحرب، لكنه في الوقت نفسه لا يزال يمتلك صلاحيات واسعة في إدارة العمليات العسكرية والسياسة الخارجية.
ومن هنا، لا يمكن افتراض أن خسارة الجمهوريين للكونغرس ستدفع الرئيس الأميركي تلقائياً إلى التهدئة. فالديمقراطيون يستطيعون ممارسة رقابة أشد على الإدارة، والتحقيق في قراراتها، والتأثير في التمويل والتشريعات، لكنهم لا يملكون بمجرد فوزهم سلطة إصدار قرار بإنهاء الحرب.
والعامل الأكثر حساسية هو كيفية قراءة طهران لهذه النتائج. فإذا اعتبرت أن ترامب أصبح بحاجة إلى اتفاق، فقد ترفع سقف مطالبها أملاً في انتزاع تنازلات أكبر. أما إذا رأت أن واشنطن فقدت قدرتها على مواصلة الضغط، فقد تتخذ خطوات تزيد احتمالات المواجهة.
وفي الاتجاه المقابل، قد يرى ترامب أن التوصل إلى اتفاق يضمن إعادة فتح مضيق هرمز وتسوية الملف النووي يوفر له مخرجاً سياسياً، بينما قد تدفعه الرغبة في تجنب الظهور بمظهر الخاسر إلى خيارات عسكرية أكثر خطورة.
المعركة المقبلة ليست بالضرورة حول من يطلق الضربة العسكرية التالية، بل حول من يستطيع فرض شروط التسوية. فمضيق هرمز والعقوبات والبرنامج النووي والضمانات الأمنية الخليجية أصبحت ملفات مترابطة، وأي اتفاق يتجاهل أحدها قد يؤجل الحرب بدلاً من إنهائها.






التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *