
لا تحتاج الحرب المقبلة في أوروبا بالضرورة إلى إعلان رسمي أو صاروخ يعبر الحدود كي تبدأ. فقد يكون مدخلها هجومًا إلكترونيًا يعطل شبكة كهرباء، أو طائرة مسيّرة تقترب من منشأة حساسة، أو عملية تخريب تستهدف كابل اتصالات أو محطة طاقة، ثم تترك خلفها سؤالًا أصعب من حجم الضرر نفسه: من نفذ الهجوم، وهل يستدعي ردًا عسكريًا؟
هذا هو السيناريو الذي يدفع أوروبا إلى إعادة تعريف مفهوم الاستعداد للحرب. فالحكومات الأوروبية وحلف شمال الأطلسي يرفعان جاهزيتهما لمواجهة ما يعرف بـ«الحرب الهجينة»، التي تجمع بين أدوات عسكرية وغير عسكرية وتتحرك في المساحة الواقعة بين السلم والحرب المفتوحة.
وتشير التقييمات الأوروبية الأخيرة إلى أن الخطر الأكثر إلحاحًا لا يتمثل في غزو تقليدي وشيك، وإنما في عمليات تخريب وهجمات إلكترونية وتوغلات بطائرات مسيّرة وغيرها من الأنشطة التي يمكن أن تختبر قدرة الدول الأوروبية على الرد من دون أن تصل مباشرة إلى مستوى الحرب الشاملة. وفي تقييم جديد صدر في 24 سبتمبر، قالت الاستخبارات الدفاعية الدنماركية إن روسيا قد تكثف حربها الهجينة ضد الغرب خلال الأشهر المقبلة، مع توقع هجمات أكثر تكرارًا وبعواقب أكبر على الدول المستهدفة.
من الصاروخ إلى البنية التحتية
في هذا النوع من الصراع، لا تكون الجبهة بالضرورة على الحدود. فقد تتحول شبكة الكهرباء أو الموانئ أو المطارات أو الاتصالات إلى أهداف ذات قيمة استراتيجية، لأن تعطيلها يمكن أن يربك دولة كاملة من دون الحاجة إلى احتلال أرض أو شن حملة عسكرية تقليدية.
وهذا ما يفسر انتقال جزء كبير من الاستعداد الأوروبي إلى حماية البنية التحتية الحيوية. فالهجوم على محطة كهرباء أو شبكة اتصالات قد لا يبدو عسكريًا بالمعنى التقليدي، لكنه يمكن أن يؤثر في المستشفيات والنقل والاقتصاد وحتى قدرة القوات المسلحة على الحركة والاتصال.
وفي فرنسا، قال الرئيس إيمانويل ماكرون هذا الشهر إن التهديد الهجين الروسي ضد أوروبا وفرنسا تصاعد، وأمر بإعداد خطة لحماية البنية التحتية الحيوية والمواقع الحساسة في قطاعي الدفاع والتكنولوجيا من هجمات محتملة تشمل الطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية.
وفي بولندا، برزت قضية مختلفة لكنها تعكس المنطق نفسه. فقد وصفت السلطات حريقًا اندلع في محطة مرتبطة بخدمة ستارلينك بأنه عمل تخريبي، بينما جاء الحادث في وقت تحذر فيه أجهزة أوروبية من تزايد العمليات التي تستهدف البنية التحتية والخدمات الحيوية. ولا يعني ذلك أن المسؤولية الروسية ثبتت في كل حادث، بل يوضح لماذا أصبحت مثل هذه الوقائع جزءًا من حسابات الأمن الأوروبي.
وتكمن خطورة هذه الأدوات في أنها تخلق مساحة واسعة للإنكار والغموض. فالدولة المستهدفة قد تعرف أنها تعرضت لهجوم، لكنها تحتاج إلى إثبات الجهة المنفذة قبل الانتقال إلى رد سياسي أو عسكري أكبر.
أوروبا أمام حرب تحت العتبة
التقييم الدنماركي الجديد يوضح إلى أي مدى اتسعت دائرة المخاوف. فالاستخبارات الدفاعية في كوبنهاغن قالت إن هناك «خطرًا منخفضًا لكنه متزايد» لشن روسيا هجومًا عسكريًا محدودًا على دولة أو أكثر من دول الناتو التي تشترك معها في الحدود.
لكن هذه النقطة تحتاج إلى قراءة دقيقة. فالتقييم لا يقول إن روسيا قررت مهاجمة دولة في الناتو، ولا يقدم موعدًا لهجوم، بل يتحدث عن احتمال يدخل ضمن سيناريوهات التخطيط الأمني. ومن بين السيناريوهات التي أشار إليها رئيس الاستخبارات الدفاعية الدنماركية توماس أهرنكيل ضربات محدودة بطائرات مسيّرة أو صواريخ ضد بنية تحتية مرتبطة بدعم أوكرانيا، أو عمليات يمكن تصميمها بحيث يصعب تحديد الجهة المسؤولة عنها.
والأهم أن الاستخبارات الدنماركية ترى أن الهدف المحتمل لمثل هذه العمليات لا يكون بالضرورة تحقيق مكاسب عسكرية واسعة، وإنما اختبار وحدة الناتو وقدرته على الرد. وهذا يجعل الحرب الهجينة مختلفة عن الحرب التقليدية: النجاح قد يقاس بحجم الارتباك السياسي الذي تسببه العملية، وليس فقط بحجم الدمار المادي.
وهنا تصبح أوروبا أمام معادلة شديدة الحساسية. فإذا تعرضت منشأة لهجوم غامض، فإن الرد السريع قد يحمل خطر التصعيد، بينما قد يؤدي عدم الرد إلى تشجيع مزيد من العمليات. وبين الخيارين، تحاول الحكومات الأوروبية بناء قدرة أكبر على حماية المنشآت وتبادل المعلومات قبل أن تضطر إلى اتخاذ قرار عسكري.
الناتو يغيّر مفهوم الاستعداد
التحول لا يقتصر على الحكومات الأوروبية. ففي 17 سبتمبر، نشر الناتو للمرة الأولى متطلبات أساسية محدثة للمرونة الوطنية، مؤكدًا أن الدول الأعضاء يجب أن تكون قادرة على الاستعداد للصدمات ومقاومتها والاستجابة لها والتعافي منها بسرعة.
وتشمل المتطلبات قطاعات مثل الطاقة والغذاء والمياه والرعاية الصحية والاتصالات والنقل، إلى جانب ضمان استمرار الخدمات المدنية الحيوية خلال الأزمات والصراعات. كما يؤكد الحلف على التعاون بين الحكومات والقطاع الخاص، لأن جزءًا كبيرًا من البنية التحتية التي تعتمد عليها الدول الحديثة مملوك أو مشغل من شركات مدنية.
هذه النقلة تكشف شيئًا مهمًا: الناتو لم يعد ينظر إلى الدفاع باعتباره مهمة عسكرية فقط. فإذا تعطلت شبكة الاتصالات أو الكهرباء، أو توقفت حركة النقل، فقد يتأثر المجتمع والاقتصاد والجيش في الوقت نفسه.
ولهذا أيضًا عزز الحلف تبادل المعلومات الاستخباراتية بعد سلسلة من أعمال التخريب والحوادث التي يُشتبه في ارتباطها بروسيا. وقال القائد الأعلى لقوات الناتو في أوروبا، الجنرال أليكسوس غرينكويتش، إن الحلف يملك القدرات والآليات للتعامل مع التهديدات، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن هجومًا روسيًا محدودًا على الناتو لا يزال غير مرجح، وإن كان لا يمكن استبعاده بالكامل.
السؤال الأصعب: متى تبدأ الحرب؟
هنا تكمن جوهر القصة. ففي الحرب التقليدية، يكون بدء المواجهة أكثر وضوحًا: صاروخ، غزو، أو إعلان رسمي. أما في الحرب الهجينة، فقد تتراكم عشرات الحوادث الصغيرة من دون أن يصل أي منها منفردًا إلى مستوى الهجوم العسكري المباشر.
قد يبدأ الأمر بهجوم إلكتروني، ثم تخريب لمنشأة، ثم اختراق للمجال الجوي بطائرة مسيّرة، ثم حملة تضليل تستهدف الرأي العام. كل حادثة يمكن التعامل معها منفردة، لكن اجتماعها قد يكشف استراتيجية ضغط متكاملة.
ولهذا تقول أوروبا إنها لا تستعد بالضرورة لحرب شاملة غدًا، بل تحاول تقليل قدرتها على التعرض للابتزاز والاضطراب إذا تصاعدت المواجهة. فالمرونة هنا ليست مجرد خطة طوارئ، وإنما أصبحت جزءًا من الردع نفسه: كلما زادت قدرة الدولة على الاستمرار بعد الهجوم، قلّ العائد الذي يمكن أن يحققه المهاجم.
واللافت أن البرلمان الأوروبي حذر أيضًا من تصاعد الهجمات الهجينة ضد الاتحاد الأوروبي، ودعا إلى استجابة أكثر صرامة وتنسيقًا، بما يشمل حماية البنية التحتية وتعزيز تبادل المعلومات.
وهكذا يتغير شكل الحرب في أوروبا قبل أن تبدأ الحرب التقليدية. فالمعركة قد لا تصل أولًا إلى الحدود، بل إلى شبكة الكهرباء والمطار والميناء والخوادم وكابلات الاتصالات.
والسؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: هل ستندلع حرب جديدة في أوروبا؟ بل: إذا بدأت الحرب من دون إعلان، فكيف ستعرف أوروبا أنها بدأت؟




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *