الرئيسية/التحليلات/محمد بن زايد.. كيف توسع نفوذ الإمارات في أفريقيا؟
التحليلات

محمد بن زايد.. كيف توسع نفوذ الإمارات في أفريقيا؟

محمد بن زايد خلال لقاء قادة أفارقة
📸محمد بن زايد خلال لقاء قادة أفارقة
اليوم ميديا

لم يعد الحضور الإماراتي في أفريقيا مقتصراً على الاستثمارات التجارية والمشروعات اللوجستية، بل أصبح جزءاً من شبكة أوسع من العلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية، تمتد من الموانئ والبنية التحتية إلى الشراكات مع الحكومات والتعامل مع أزمات إقليمية معقدة. ويضع هذا التوسع دولة الإمارات في موقع مؤثر في عدد من الملفات الأفريقية، لكنه يثير في الوقت نفسه نقاشاً حول حدود الدور الاقتصادي، ومدى تداخله مع حسابات النفوذ والصراعات.

وفي تقرير بعنوان «محمد بن زايد: الاستراتيجي الخليجي الذي أصبح مُربكاً للقارة»، تناولت مجلة «جون أفريك» التحول في موقع الإمارات داخل أفريقيا، مشيرة إلى أن أبوظبي أصبحت خلال عقد من الزمن من أبرز المستثمرين الأجانب في القارة، مع التزامات استثمارية تتجاوز 110 مليارات دولار، وفقاً للمعلومات الواردة في ملخص التقرير المنشور ضمن عدد المجلة. ويعكس هذا الرقم حجم الحضور الذي تسعى الإمارات إلى ترسيخه، مع ضرورة التمييز بين الالتزامات الاستثمارية المعلنة والاستثمارات المنفذة فعلياً.

ويأتي هذا التوسع في سياق تنافس دولي متزايد على الأسواق الأفريقية وممرات التجارة والموارد الطبيعية، إذ تتمتع القارة بأهمية استراتيجية بسبب موقعها الجغرافي ومواردها واحتياجاتها الكبيرة في مجالات الطاقة والنقل والزراعة والبنية التحتية. وتتحرك الإمارات في هذا المجال عبر شركات ومؤسسات حكومية وخاصة، مستفيدة من قدرتها التمويلية وموقعها كمركز تجاري ولوجستي يربط أسواق آسيا وأفريقيا وأوروبا.

الموانئ والاستثمار.. بوابة الحضور الإماراتي

تُعد الموانئ والخدمات اللوجستية من أبرز أدوات الحضور الاقتصادي الإماراتي في أفريقيا. وتعمل شركات إماراتية، من بينها «موانئ دبي العالمية» و«مجموعة موانئ أبوظبي»، على تشغيل أو تطوير موانئ ومرافق مرتبطة بالنقل والتجارة في عدد من الدول الأفريقية، ضمن استثمارات تشمل البنية التحتية والخدمات وسلاسل الإمداد.

وتشير دراسة للمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية (SWP) إلى أن شركات إماراتية تنشط في مشروعات للموانئ والبنية التحتية في دول من بينها الصومال والسنغال وتنزانيا وموزمبيق وأنغولا ومصر. ويمنح هذا النوع من الاستثمارات الإمارات قدرة على بناء علاقات اقتصادية طويلة الأمد، كما يتيح للدول المضيفة تطوير قدراتها اللوجستية وربط موانئها بالأسواق العالمية.

لكن الاستثمار في الموانئ لا يحمل دلالة سياسية أو أمنية واحدة في جميع الحالات؛ فطبيعة كل مشروع تتحدد وفق شروط الاتفاق، والجهة المشغلة، وحقوق الدولة المضيفة، وآليات الرقابة، ومدى ارتباطه بمرافق أخرى. ولذلك فإن تقييم الحضور الإماراتي يتطلب النظر إلى كل حالة على حدة، بدلاً من افتراض أن جميع المشروعات تخدم هدفاً موحداً أو تتجاوز طبيعتها التجارية.

من الاقتصاد إلى السياسة.. شبكة مصالح متشابكة

تتجاوز العلاقات الإماراتية مع الدول الأفريقية حدود الاستثمار، إذ ترتبط أبوظبي بشراكات سياسية واقتصادية وأمنية متفاوتة من بلد إلى آخر. وتوفر العلاقات الحكومية واتفاقيات التعاون فرصاً لتعزيز التبادل التجاري، وتوسيع الاستثمارات، والمشاركة في مشروعات الطاقة والنقل، كما تمنح الإمارات حضوراً في النقاشات المتعلقة بأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي والساحل.

وترى دراسة المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية (SWP) أن السياسة الإماراتية في بعض النزاعات الأفريقية تتداخل مع مصالح اقتصادية وأمنية وشبكات من العلاقات المحلية، لكنها تشير أيضاً إلى أن دوافع التدخل في بعض الحالات ليست واضحة دائماً، وأن التحركات الإماراتية لا تتبع بالضرورة استراتيجية واحدة متجانسة. وتقدم الدراسة تقييماً نقدياً للدور الإماراتي في بعض الصراعات، معتبرة أن دعم أطراف محلية قد يسهم في إطالة النزاعات وتعقيد جهود التسوية. وهذا تقييم بحثي للمؤسسة، وليس موقفاً رسمياً جامعاً أو حكماً ينطبق بالضرورة على كل علاقة إماراتية في أفريقيا.

وفي قراءة مغايرة تركز على أبعاد التعاون والشراكة، قال محمد فال معاوية، الصحفي المقيم في الإمارات، في تصريح خاص لموقع «اليوم ميديا»، إن الحضور الإماراتي المتنامي في أفريقيا يعكس رؤية استراتيجية تقوم على بناء الشراكات وتعزيز التعاون الاقتصادي والتنموي، إلى جانب دعم الأمن والاستقرار ومواجهة الإرهاب والتطرف، باعتبارهما من أبرز التحديات التي تواجه عدداً من دول القارة والمنطقة.

وأضاف معاوية أن أهمية الدور الإماراتي تكمن في تنوع أدواته، من الاستثمار في البنية التحتية والطاقة والموانئ إلى توسيع العلاقات السياسية والاقتصادية مع الدول الأفريقية، مشيراً إلى أن هذا الحضور يأتي في سياق حرص الإمارات على تعزيز التعاون الدولي ودعم الجهود الرامية إلى تحقيق التنمية والاستقرار، مع مراعاة خصوصية كل دولة وأولوياتها الوطنية.

وأكد أن التحديات الأمنية والاقتصادية التي تشهدها بعض مناطق أفريقيا تبرز الحاجة إلى شراكات مسؤولة تجمع بين التنمية وترسيخ الاستقرار ومكافحة التطرف، بما يخدم مصالح الدول والشعوب. وشدد على أهمية تقييم الحضور الإماراتي استناداً إلى نتائج المشاريع وأثرها التنموي، ومدى إسهامها في بناء علاقات مستدامة قائمة على المصالح المتبادلة واحترام السيادة.

السودان وليبيا

يبرز السودان مثالاً على حساسية التداخل بين المصالح الإقليمية والأزمات الداخلية. فقد أشارت تحليلات صحفية وبحثية إلى اتهامات تتعلق بدعم الإمارات قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي. وفي ظل الحرب وتعدد الأطراف الخارجية، يتطلب تناول هذا الملف التمييز بين ما توثقه تقارير مستقلة، وما يرد في تصريحات الأطراف المتحاربة أو خصومها، وعدم التعامل مع الاتهامات السياسية باعتبارها حقائق محسومة من دون أدلة مستقلة.

أما في ليبيا والساحل، فتتقاطع حسابات دول الجوار مع مصالح قوى إقليمية ودولية، ما يجعل أي تحرك خارجي موضع متابعة من الحكومات المعنية. وتُعد الجزائر من الدول التي تنظر إلى التطورات في هذه المناطق من زاوية أمنها الحدودي ووحدة دول الجوار، فيما تسعى الإمارات إلى بناء علاقات وشراكات مع أطراف مختلفة في القارة. ولا يعني هذا التباين أن كل اختلاف في السياسة الخارجية يشكل مواجهة مباشرة، لكنه يساعد على فهم أسباب حساسية بعض الملفات لدى العواصم الإقليمية.

نفوذ متنامٍ وأسئلة حول قواعد الشراكة

يعكس التوسع الإماراتي في أفريقيا قدرة أبوظبي على توظيف الاستثمار والعلاقات التجارية لبناء حضور طويل الأمد، في وقت تبحث فيه دول أفريقية عن تمويل البنية التحتية، وتطوير الموانئ والطاقة، وجذب رؤوس الأموال. غير أن تقييم نتائج هذا الحضور لا يتوقف على حجم الأموال المعلنة، بل يتطلب فحص أثر المشروعات على الاقتصادات المحلية، وفرص العمل، ونقل الخبرات، والشفافية، ومدى استفادة المجتمعات المضيفة.

وتواجه الاستثمارات الخارجية عموماً أسئلة تتعلق بتوزيع المنافع، وشروط الامتيازات، والسيادة على الموارد، والالتزامات البيئية والمالية. وتزداد أهمية هذه الأسئلة في القطاعات الاستراتيجية مثل الموانئ والطاقة والأراضي الزراعية، حيث يمكن للاتفاقيات طويلة الأجل أن تؤثر في خيارات الحكومات لعقود.

وبينما تقدم «جون أفريك» صورة عن صعود الإمارات مستثمراً ولاعباً مؤثراً في أفريقيا، تطرح دراسة المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية قراءة أكثر نقدية لبعض أدوارها في النزاعات. ويتيح وضع المصدرين جنباً إلى جنب فهماً أكثر توازناً؛ فالحضور الإماراتي حقيقة اقتصادية وسياسية متنامية، أما تقييم دوافعه ونتائجه فيختلف باختلاف الدولة والقطاع والملف، ويحتاج إلى أدلة خاصة بكل حالة.

ما وراء الخبر

لا تكمن أهمية الحضور الإماراتي في أفريقيا في حجم الاستثمارات وحده، بل في تداخل الاقتصاد مع الجغرافيا السياسية، خصوصاً في الموانئ وممرات التجارة والدول التي تواجه أزمات أمنية أو مؤسساتية. ومع تصاعد التنافس الدولي على القارة، ستتوقف استدامة هذا النفوذ على قدرة الإمارات وشركائها الأفارقة على إظهار منافع ملموسة، واحترام أولويات الدول المضيفة، وتجنب أن تتحول الشراكات الاقتصادية إلى عنصر إضافي في صراعات النفوذ.

ولا يقدم هذا السياق تفسيراً منفرداً لأي خلاف دبلوماسي بين الإمارات ودولة أفريقية أو عربية، لكنه يوضح البيئة الإقليمية الأوسع التي تتحرك فيها أبوظبي، وتتشابك فيها المصالح والتحالفات وتباينات الرؤى.



"
“لم يعد الحضور الإماراتي في أفريقيا مقتصراً على الاستثمارات التجارية والمشروعات اللوجستية، بل أصبح جزءاً من شبكة أوسع من العلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية، تمتد من الموانئ والبنية التحتية إلى الشراكات مع الحكومات والتعامل مع أزمات إقليمية معقدة. ويضع هذا التوسع دولة الإمارات في موقع مؤثر في عدد من الملفات الأفريقية، لكنه يثير في الوقت نفسه”
— اليوم ميديا / التحليلات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الهند وأميركا.. إلى أين تتجه الشراكة؟

الهند وأميركا.. إلى أين تتجه الشراكة؟

تتجه العلاقات بين الهند والولايات المتحدة إلى توسيع شراكتها الاستراتيجية، مدفوعة بتقاطع المصالح الأمنية والاقتصادية والتكنولوجية، وفي مقدمتها تنامي نفوذ الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. لكن هذا التقارب لا يعني أن نيودلهي تستعد للانضمام إلى تحالف تقوده واشنطن؛ فالهند تسعى إلى تعزيز قدراتها وشراكاتها الدولية، مع الحفاظ على استقلالية قرارها وتجنب الارتهان لأي قوة

تحليل خاص - اليوم ميديا
الأحد، ٤ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
فلاي دبي.. ما الذي لم يكشفه بيان النائب العام؟

فلاي دبي.. ما الذي لم يكشفه بيان النائب العام؟

نقل بيان النائب العام الإماراتي بشأن واقعة رحلة «فلاي دبي» FZ1073 التحقيق إلى مرحلة جديدة، بعدما أعلن أن التحقيقات كشفت عن شروع مساعد قائد الطائرة في تنفيذ عمل إرهابي، في تطور يحدد التوصيف الرسمي لما جرى داخل قمرة القيادة، لكنه لا يحسم بعد الأسئلة المتعلقة بالدوافع أو التخطيط أو الصلات المحتملة. وقالت وكالة أنباء الإمارات

تحليل خاص - اليوم ميديا
السبت، ٣ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
فلاي دبي.. أسئلة الإرهاب والجنسية

فلاي دبي.. أسئلة الإرهاب والجنسية

تجاوزت واقعة رحلة فلاي دبي FZ1073، المتجهة من دبي إلى تل أبيب في 30 سبتمبر، حدود حادث أمني داخل طائرة، لتفتح نقاشاً دولياً حول أمن قمرة القيادة، وإجراءات فحص أطقم الطيران، واحتمالات الدوافع وراء الاعتداء الذي أجبر الطائرة على الهبوط اضطرارياً في مدينة تبوك السعودية. وتباينت التغطيات الغربية والإسرائيلية في توصيف الحادث وتفسير خلفياته؛ فبينما

لندن - عمر فهد العلي
السبت، ٣ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
السعودية والإمارات من يوليو إلى 29 سبتمبر: ماذا قالت الصحافة العالمية؟

السعودية والإمارات من يوليو إلى 29 سبتمبر: ماذا قالت الصحافة العالمية؟

لم تبدأ قصة التقارب السعودي الإماراتي مع دعوة وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان للشيخ منصور بن زايد آل نهيان إلى زيارة الرياض، بل سبقتها أكثر من شهرين من التحولات والرسائل المتناقضة. ففي يوليو، ظهرت في الصحافة الدولية مؤشرات على أن الخلاف بين الرياض وأبوظبي تجاوز الملفات السياسية إلى التجارة والتحويلات المالية والمنافسة الاقتصادية،

لندن - اليوم ميديا
الثلاثاء، ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة