
لم يكن اجتماع قادة مصر والسودان وإريتريا والصومال في مدينة العلمين المصرية، الأحد، لقاءً عابرًا في توقيت عادي. فقد جاء بينما تعيش إثيوبيا واحدة من أكثر لحظاتها الإقليمية حساسية منذ سنوات: قتال متجدد في تيغراي، قطيعة دبلوماسية مع إريتريا، توتر متصاعد مع مصر، وخلافات مستمرة حول مياه النيل والوصول إلى البحر الأحمر.
لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت القمة قد أعلنت «جبهة ضد آبي أحمد»؛ فهي لم تفعل ذلك، ولم يسمِّ بيانها المشترك إثيوبيا أو رئيس وزرائها. السؤال الأكثر دقة هو: هل بدأت دول الجوار في بناء ترتيبات إقليمية يمكن أن تقلّص هامش الحركة أمام رئيس الوزراء الإثيوبي؟
هذا الاحتمال يستحق القراءة، خصوصًا أن القادة الأربعة اتفقوا على تعزيز التشاور والتنسيق، وأكدوا أن حرية الملاحة وحوكمة البحر الأحمر تقعان ضمن مسؤولية الدول المطلة عليه، كما شددوا على احترام القانون الدولي في الأنهار العابرة للحدود ورفض الإجراءات الأحادية التي تضر باستخدامات دولتي المصب لنهر النيل.
البحر الأحمر والنيل
بالنسبة إلى أديس أبابا، لا يتعلق الوصول إلى البحر بمجرد منفذ تجاري. فإثيوبيا دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993، وقد أصبح تأمين وصول مستقر إلى البحر أحد الملفات الاستراتيجية التي يطرحها آبي أحمد باعتباره مرتبطًا بالأمن والاقتصاد والمصلحة الوطنية.
وخلال السنوات الأخيرة، تحركت إثيوبيا في أكثر من اتجاه للحصول على منفذ بحري، بما في ذلك المسار الصومالي. لكن هذا الملف اصطدم بحساسيات السيادة والأمن في المنطقة، قبل أن تظهر مؤشرات أكثر تعقيدًا في الأسابيع الأخيرة مع تصاعد التوتر بين أديس أبابا وأسمرا.
وفي الأول من أكتوبر، قطعت إريتريا علاقاتها الدبلوماسية مع إثيوبيا بعد قرار أديس أبابا إغلاق سفارتها في أسمرا وطرد عشرة دبلوماسيين إريتريين، وسط اتهامات إثيوبية لإريتريا بدعم تحالف معارض تقوده جبهة تحرير شعب تيغراي. وتنفي إريتريا هذه الاتهامات.
وبذلك أصبحت الدولة التي تملك أحد أهم الموانئ والمنافذ المحتملة لإثيوبيا في البحر الأحمر في مواجهة مباشرة مع أديس أبابا.
وجاءت قمة العلمين لتضع قاعدة إقليمية واضحة، من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع إثيوبيا: الدول المطلة على البحر الأحمر هي صاحبة المسؤولية عن حوكمته، وحرية الملاحة يجب أن تُحترم. وفي ملف النيل، أكد البيان مبدأ عدم الإضرار والتعاون والإخطار والتشاور، ورفض الإجراءات الأحادية التي تضر باستخدامات دولتي المصب.
هذه اللغة تحمل أهمية خاصة بالنسبة إلى مصر، التي تخوض مع إثيوبيا نزاعًا طويلًا حول سد النهضة. لكنها في الوقت نفسه لا تعني أن الدول الأربع وقعت تحالفًا عسكريًا أو اتفقت على مواجهة إثيوبيا.
بل إن موقف الصومال يكشف تعقيد الصورة أكثر. فقد قال الرئيس حسن شيخ محمود، في تصريحات نقلتها تقارير حديثة، إن بلاده مستعدة للسماح لإثيوبيا باستخدام ميناءين أو ثلاثة موانئ صومالية لأغراض الاستيراد والتصدير، شرط التوصل إلى اتفاق بين البلدين. وهذا يعني أن مقديشو تستطيع في الوقت نفسه تعزيز تنسيقها مع مصر وإريتريا والسودان، والإبقاء على قناة تفاوضية مفتوحة مع أديس أبابا.
لذلك، فإن ما يتشكل حاليًا ليس «حصارًا» مكتمل الأركان حول آبي أحمد، بل شبكة مصالح متقاطعة تجعل خياراته الإقليمية أكثر كلفة وتعقيدًا.
تيغراي يغيّر الحسابات.. فما مصير آبي أحمد؟
تزداد أهمية القمة لأن المشهد الدبلوماسي يأتي بالتوازي مع تطور عسكري داخل إثيوبيا. ففي الأيام الأخيرة، تجدد القتال في تيغراي بين القوات الحكومية وتحالف معارض تقوده جبهة تحرير شعب تيغراي، في أكبر تصعيد منذ انتهاء الحرب الإثيوبية السابقة عام 2022. وتمكنت القوات الموالية للحكومة من استعادة ميكيلي، عاصمة الإقليم، بعد انسحاب قوات المعارضة منها، لكن التطورات لم تُنهِ خطر اتساع المواجهة.
وتتهم أديس أبابا إريتريا ومصر والسودان بدعم التحالف المعارض، بينما تنفي الدول الثلاث هذه الاتهامات. وفي المقابل، دعت جهات دولية إلى ضبط النفس والحوار خشية تحول الأزمة الداخلية إلى صراع إقليمي أوسع.
وهنا تظهر نقطة التحول بالنسبة إلى آبي أحمد: إذا بقي الصراع محصورًا داخل إثيوبيا، تستطيع الحكومة التعامل معه باعتباره تحديًا أمنيًا داخليًا. أما إذا تزامن مع تدهور العلاقات مع الجوار، فإن تكلفة إدارة الأزمة ترتفع، لأن كل جبهة داخلية يمكن أن تصبح مرتبطة بحسابات إقليمية أوسع.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة القمة الرباعية باعتبارها إشارة إلى تغير البيئة المحيطة بإثيوبيا، لا باعتبارها إعلانًا عن إسقاط آبي أحمد.
فما الذي يمكن أن يحدث بعد ذلك؟
السيناريو الأول هو أن تختار الحكومة الإثيوبية مزيدًا من التشدد، خصوصًا بعد استعادة ميكيلي، وأن تستخدم التطورات الإقليمية لتعزيز خطاب السيادة والأمن القومي. وقد يؤدي ذلك إلى استمرار المواجهة مع المعارضة ورفع سقف الخطاب بشأن البحر الأحمر والنيل.
السيناريو الثاني هو أن تدفع الضغوط المتزامنة أديس أبابا إلى البحث عن ترتيبات تفاوضية أكثر مرونة، سواء بشأن الوصول التجاري إلى البحر أو إدارة الخلافات مع مصر أو احتواء التوتر مع إريتريا. وهذا السيناريو لا يعني تراجع إثيوبيا عن مصالحها، بل إعادة صياغة طريقة تحقيقها.
أما السيناريو الثالث، فهو الأكثر تعقيدًا: استمرار الحرب الداخلية بالتوازي مع التوتر الإقليمي، بما يفتح الباب أمام ضغوط سياسية واقتصادية أكبر على الحكومة. لكن الانتقال من هذه الضغوط إلى تغيير في رأس السلطة ليس نتيجة يمكن الجزم بها الآن؛ إذ لا توجد في التطورات الحالية أدلة كافية للقول إن «نهاية حكم آبي أحمد» قد بدأت.
ما وراء الخبر
أهمية قمة العلمين لا تكمن في عدد الدول التي اجتمعت حول الطاولة، بل في نوع الملفات التي وضعتها هذه الدول في مركز النقاش: البحر الأحمر، النيل، سيادة الدول، أمن الصومال، والحرب في السودان، وكلها ملفات تتقاطع مباشرة أو بصورة غير مباشرة مع المصالح الإثيوبية.
وفي الوقت نفسه، فإن وجود الصومال في القمة، مع استمرار قنوات التواصل بين مقديشو وأديس أبابا، يؤكد أن القرن الأفريقي لا يتحرك نحو معسكرين واضحين بقدر ما يعيد ترتيب شبكة معقدة من المصالح.
ولهذا فإن السؤال الأكثر دقة ليس: «هل بدأت معركة إسقاط آبي أحمد؟»، بل: هل بدأت مرحلة يصبح فيها هامش المناورة الإقليمي أمامه أضيق مما كان عليه؟
الإجابة ستتوقف بدرجة كبيرة على ثلاثة مسارات خلال الفترة المقبلة: هل يستمر التصعيد في تيغراي، وهل تتحول القطيعة مع إريتريا إلى مواجهة أوسع، وهل تستطيع أديس أبابا التوصل إلى ترتيبات مقبولة بشأن الوصول إلى البحر والنيل؟
إذا اجتمعت هذه الأزمات واستمرت في الوقت نفسه، فقد يجد آبي أحمد نفسه أمام أصعب اختبار إقليمي منذ وصوله إلى السلطة. أما إذا تمكن من فصل الملفات وفتح قنوات تفاوض مع جيرانه، فقد تتحول قمة العلمين من نقطة ضغط إلى فرصة لإعادة ترتيب العلاقات في القرن الأفريقي.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *