كشف تحقيق استقصائي أجرته وكالة رويترز أن إيران اعتمدت على شبكة سرية تضم أكثر من 5 آلاف كيان عسكري ومالي وتجاري، لاستيراد معدات ومتفجرات ومكونات تدخل في تصنيع الصواريخ والطائرات المسيّرة، بقيمة مليارات الدولارات، رغم العقوبات الغربية والحصار البحري الأمريكي.
ويكشف التحقيق، المنشور في 29 أكتوبر 2026، كيف تمكنت المؤسسة العسكرية الإيرانية من مواصلة الحصول على إمدادات خارجية عبر وسطاء وشركات واجهة ومسارات شحن متعددة، في وقت تتعرض فيه منشآت وبرامج الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية لضغوط عسكرية متزايدة.
وتشير النتائج إلى أن التحدي الذي تواجهه واشنطن لا يقتصر على استهداف مواقع التصنيع أو فرض القيود التجارية، بل يمتد إلى تفكيك منظومة مشتريات موزعة عبر كيانات متعددة، يصعب تتبع ارتباطاتها من خلال الأسماء التجارية وحدها.
شبكة من آلاف الكيانات خارج الرقابة التقليدية
وفق تحقيق رويترز، تحمل آلاف الكيانات المعنية أسماء تبدأ بالأحرف الفارسية المختصرة لوزارة الدفاع وإسناد القوات المسلحة الإيرانية، وتتخذ عناوين مرتبطة بالوزارة في طهران. وتظهر السجلات أن كثيراً منها تأسس فعلياً عام 2013، خلال فترة كانت فيها إيران تواجه ضغوطاً اقتصادية وعقوبات واسعة.
وتوصل التحقيق، بالتعاون مع شركة «240 أناليتكس» المتخصصة في تحليل المخاطر، إلى أن هذه الكيانات تشكل جزءاً من منظومة موازية للمشتريات العسكرية، تستخدم شركات صورية ووسطاء خارج إيران لتأمين احتياجات المؤسسات العسكرية.
واعتمدت رويترز على آلاف السجلات المصرفية والحكومية ووثائق تسجيل الشركات وبيانات الاستيراد والشحن، إضافة إلى صور الأقمار الصناعية ومقاطع مصورة جرى التحقق من مواقعها، لتتبع مسارات بعض الشحنات والجهات المستفيدة منها.
وبحسب مياد مالكي، المسؤول السابق في وزارة الخزانة الأمريكية الذي استشهد به التحقيق، فإن هذه المنظومة تمثل شبكة تجارية متكاملة تخدم الاحتياجات العسكرية الإيرانية، وتتيح استمرار عمليات الشراء رغم القيود المفروضة على الاقتصاد الرسمي.

مليارات الدولارات ومكونات للصواريخ والمسيّرات
تبرز في التحقيق جهة تحمل اسم «ودجا 346428»، قال التقرير إنها استوردت معدات عسكرية بقيمة 2.3 مليار دولار بين يناير 2025 ويونيو 2026، وفق بيانات جمعتها منصة «إمبورت جينيوس».
وشملت الواردات مواد كيميائية تدخل في إنتاج وقود الصواريخ الصلب، ومتفجرات وصواعق تفجير ومكونات لمحركات الطائرات، إلى جانب شاحنات ثقيلة يمكن تعديلها لاستخدامها منصات متحركة لإطلاق الصواريخ ونقل المعدات العسكرية.
وتشير بيانات راجعتها رويترز إلى أن شحنات وصلت إلى إيران من الصين وروسيا ودول أوروبية، عبر طرق بحرية وجوية وبرية. وشملت المسارات سفناً عبر بحر قزوين، وشاحنات قادمة من آسيا الوسطى، وطائرات شحن من الصين.
كما رصد التحقيق استمرار وصول بعض الإمدادات خلال الحرب. وانخفضت الواردات الشهرية التي تتبعها التقرير في مارس 2026 بنسبة 47 في المئة إلى 54 مليون دولار، قبل أن ترتفع إلى 77 مليون دولار في مايو من العام نفسه.
وتظهر البيانات أيضاً وصول شحنة من الصواعق الروسية بقيمة 1.9 مليون دولار في يونيو 2026، في واحدة من خمس شحنات روسية مماثلة قال التحقيق إن قيمتها الإجمالية بلغت 7.6 مليون دولار منذ بداية عام 2025.
لكن رويترز أوضحت أن بعض بيانات الاستيراد لا تتضمن أوصافاً تفصيلية للمحتويات، وأن تصنيف السلع بموجب الرموز الجمركية لا يكفي وحده لإثبات الاستخدام العسكري النهائي لكل شحنة. ويمكن أن تكون لبعض هذه المواد استخدامات مدنية أيضاً.
شاحنات تجارية تتحول إلى جزء من الترسانة
لا تقتصر أهمية الشبكة على استيراد المواد الخام والمكونات الدقيقة، بل تشمل أيضاً مركبات تجارية يمكن توظيفها في العمليات العسكرية.
وتتبعت رويترز شاحنات من طراز «إيفيكو» إلى ساحة جمركية قرب طهران، مستخدمة صور الأقمار الصناعية ومقاطع مصورة وبيانات تعريف المركبات. وأظهرت السجلات استيراد الجهة نفسها مئات الشاحنات من هذا الطراز خلال الفترة التي يغطيها التحقيق.
كما رصد التقرير واردات من شاحنات تويوتا، بينها «هايلوكس» و«لاند كروزر»، وهي مركبات يمكن تعديلها لتركيب أسلحة أو نقل معدات عسكرية.
وفي ردها على نتائج التحقيق، قالت شركة إيفيكو إن الموزعين المعتمدين ملزمون بضمان عدم استخدام منتجاتها لأغراض عسكرية أو محظورة، وإن وجود شاحناتها في إيران حدث خارج نطاق سيطرة المجموعة ومسؤوليتها. ونفت تويوتا مشاركتها في المشتريات المذكورة، مؤكدة أنها لا تمارس أعمالاً في إيران.
وتوضح هذه الحالات الفارق بين بيع منتج تجاري في سلسلة توريد دولية وبين معرفة الجهة النهائية التي تستخدمه، وهي ثغرة يمكن أن تستغلها شبكات المشتريات المعقدة إذا لم تنجح آليات الرقابة في تحديد المستفيد النهائي.

ماذا عن الصين وروسيا وأوروبا؟
حدد التحقيق الصين وروسيا ودولاً أوروبية ضمن مصادر بعض الإمدادات التي وصلت إلى جهات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية الإيرانية. لكنه لا يقدم دليلاً على أن كل هذه الشحنات تمت بتوجيه حكومي مباشر من الدول التي انطلقت منها.
وقالت وزارة الخارجية الصينية إنها ليست على علم بالوضع الذي وصفه التحقيق، ورفضت ما اعتبرته محاولات لربط الأعمال القتالية في المنطقة بالصين أو تشويه سمعتها. ولم ترد وزارتا الدفاع الروسية والخزانة الأمريكية والبيت الأبيض والقيادة المركزية الأمريكية على طلبات رويترز للتعليق.
وأشار التحقيق كذلك إلى واردات مسجلة قادمة من الاتحاد الأوروبي، بما فيها شاحنات ومكونات لمحركات وإلكترونيات. وقال متحدث باسم الاتحاد إن الدول الأعضاء مسؤولة عن تنفيذ العقوبات، وإن التكتل يواصل تقييم المعلومات المتعلقة بتعزيز إيران برامج الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وتعني هذه النتائج أن فعالية العقوبات لا تتوقف على وجود القوانين والقيود وحدها، بل تعتمد أيضاً على قدرة السلطات على تتبع الوسطاء والمشتري النهائي، والتحقق من الاستخدام الفعلي للسلع التي تمر عبر سلاسل توريد دولية متشعبة.
ما وراء الخبر: لماذا لا يكفي الحصار وحده؟
تكشف نتائج التحقيق عن مشكلة استراتيجية تتجاوز حجم الشحنات التي تصل إلى إيران: فإضعاف القدرة العسكرية لا يعتمد فقط على تدمير المصانع والمخازن، وإنما أيضاً على تعطيل الشبكات التي تسمح بإعادة بناء الترسانة وتعويض ما يُستهلك منها.
فعندما تتوزع عمليات الشراء على آلاف الكيانات، وتُسوى المعاملات عبر وسطاء وحسابات خارجية، وتتحرك البضائع براً وبحراً وجواً، تصبح مراقبة كل شركة أو ميناء أو مسار منفرد أقل فاعلية من تتبع الشبكة المالية والتجارية بأكملها.
ووفق التحقيق، جرت تسوية 97 في المئة من الشحنات التي راجعتها رويترز من دون تحويل أموال عبر الحدود، وهو ما يسلط الضوء على دور الوسطاء والأموال الموجودة في حسابات أجنبية في تقليل ظهور المعاملات المرتبطة بالمشتريات الإيرانية.
لكن هذه النسبة تخص الشحنات التي شملتها المراجعة، ولا تعني أن جميع التجارة العسكرية الإيرانية تتم بالطريقة نفسها.

زاوية اليوم ميديا: معركة الإمداد قد تطيل أمد التهديد
بالنسبة إلى دول الخليج، تبرز أهمية التحقيق في العلاقة بين استمرار تدفق المكونات العسكرية وقدرة إيران على المحافظة على ترسانتها من الصواريخ والطائرات المسيّرة. فحتى عندما تتعرض المنشآت العسكرية لضربات، قد تظل القدرة على التعويض مرتبطة بمدى استمرار الوصول إلى المواد والمعدات ووسائل النقل.
ولا يثبت التحقيق أن كل شحنة مستوردة استُخدمت في هجمات على دول الخليج، لكنه يقدم مؤشرات على كيفية حصول المؤسسة العسكرية الإيرانية على بعض المكونات التي يمكن أن تدخل في برامجها الصاروخية والجوية.
كما يشير إلى أن تعطيل الإمداد يتطلب تنسيقاً بين الرقابة الجمركية والمالية والاستخبارات التجارية، إلى جانب تدقيق أكثر صرامة في المستفيد النهائي من السلع ذات الاستخدام المزدوج.
الخلاصة: لا تكمن قوة شبكة المشتريات الإيرانية في حجمها وحده، بل في قدرتها على توزيع العمليات على كيانات ومسارات متعددة. ولذلك، فإن اختبار الحصار الأمريكي الحقيقي ليس عدد الشحنات التي يتعطل وصولها، بل قدرة واشنطن وشركائها على الحد من قدرة إيران على إعادة بناء ترسانتها وتعويض ما تفقده من معدات ومكونات.






التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *